Dec 29, 2020
الانتخابات النيابية في الأردن صورة عن الواقع السياسي

تعكس الانتخابات النيابية لمجلس النواب التاسع عشر التي جرت في الأردن في العاشر من تشرين أول/نوفمبر الماضي من حيث توقيتها ومجرياتها ونتائجها السياق العام للمرحلة السياسية التي يمر فيها الأردن.
 
إصرار مراكز الدولة العميقة في الأردن على اجراء الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري، رغم مطالبة أصوات حكومية وازنة بتأجيلها منعا لتفشي فيروس "كورونا المستجد" ولكسب مزيد من الوقت من عمر الحكومة - الذي ينتهي دستوريا خلال أسبوع من حل مجلس النواب القائم – يحمل رسائل للخارج والداخل.
 
فهي من جانب تبعث برسائل الى مراكز القرار السياسي والاقتصادي الدولية في الدول الحليفة للأردن، أن الدولة الأردنية تحافظ على العملية الديمقراطية، وملتزمة بمتطلبات الدستور، ولن يثنيها عن ذلك مخاطر جائحة كورونا، وهي الصورة التي تحرص على ايصالها دائما لحلفائها الاستراتيجيين الدوليين.
 
الى جانب ذلك تبعث برسائل الى الفاعلين السياسيين في الداخل – أحزاب وحركات ومستقلين- أن ديناميات العمل السياسي تحت السيطرة، ولا مجال لأجراء تغييرات نوعية في مسارها، وأن الأولوية ستبقى ضمن المحددات التي تسمح بها مراكز الدولة العميقة فقط، ولا مجال لسقوف أعلى، وأن بعض السقوف التي دفعت بها تداعيات الربيع العربي لم تعد قائمة.
 
وفي هذا الإطار فإن دور الأحزاب السياسية يجب أن يبقى محدودا، ودور وطموحات القوى الاجتماعية الناشئة سيعود الى السقوف التي تسمح بها مراكز الدولة العميقة، وأن أي خروج عن الحدود المرسومة وبأي اتجاه سيترتب عليه إعادة تهيئة المعادلات.
 
في هذا السياق تم تعطيل البرلمان الأردني بشقيه – مجلس النواب والأعيان- منذ منتصف آذار/مارس وقبل موعده الدستوري بستة أشهر بحجة جائحة كورونا وتفعيل قانون الدفاع، منعا لأية "مشاغبات" يمكن أن يحدثها بعض النواب على بعض أوامر الدفاع التي أصدرتها الحكومة المتعلقة بتعطيل بعض القوانين والعمل بأوامر دفاع بديلة.
 
ولم يخل الأمر من بعض الإجراءات التي تدخل في باب إعادة ترتيب بعض "المعادلات" حيث تم اغلاق نقابة المعلمين – أكبر التجمعات المدنية والاجتماعية في الأردن- بعد الأضراب الكبير والطويل الذي نفذته النقابة في أيلول عام 2019، تمكنت فيه من تحقيق أهدافها الاجتماعية والاقتصادية، وهو سابقة لا تريد مراكز الدولة العميقة تكرارها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تم اعتقال أعضاء مجلس إدارة النقابة لما يقارب أربعة أسابيع، تبعه إحالة العديد منهم الى التقاعد المبكر.
 
وحرصت الدولة على أن تكون الإجراءات العملياتية للانتخابات النيابية وفق أعلى معايير الشفافية والنزاهة، الى جانب تطبيق أعلى معايير الوقاية لمنع أن يتسبب يوم الانتخاب بتفشي فيروس "كورونا المستجد.
 
الا أنه وفي إطار إعادة ترتيب بعض المعادلات، جرت العديد من التدخلات الرسمية في منع ترشح البعض بطرق مختلفة، وغض النظر عن عمليات الشراء الواسعة للأصوات من قبل المرشحين المقربين من الجهات الرسمية، الأمر الذي انعكس بوضوح على تشكيلة مجلس النواب المنتخب، حيث كان الأقل تمثيلا للأحزاب السياسية والأقل تمثيلا للنواب ذوي التوجهات السياسية المختلفة الذي كان لهم حضور لافت في البرلمان السابق وما سبقه من مجالس، وكانت الغلبة لرجال الأعمال وكبار متقاعدي القوات المسلحة وممثلي العشائر.
 
وبالرغم من الإجراءات الدقيقة التي استخدمتها الهيئة المستقلة للانتخاب لتطبيق أعلى معايير الانتخاب المتعارف عليها عالميا في كافة مراحلها بدءا من نشر قوائم الناخبين وحتى صدور النتائج مرورا بعمليات الترشح للانتخاب والتصويت يوم الاقتراع، الا أن مستوى الثقة بنتائجها لدى قطاعات عديدة من المواطنين والسياسيين لم يكن أفضل من سابقاتها.
 
والأمر الأكثر أهمية في الانتخابات النيابية الأخيرة أن معدلات المشاركة فيها كانت الأقل في تاريخ الانتخابات النيابية الأردنية، حيث بلغت 29.9 بالمئة، وفي بعض الدوائر الانتخابية لم تتجاوز 12 بالمئة، وخاصة في دوائر عمان العاصمة، حيث تكثر تجمعات الأردنيين من أصول فلسطينية.
 
وبالرغم من التفسير الرسمي لهذا المستوى المنخفض من المشاركة والذي احاله الى خشية قطاعات واسعة من المواطنين من اصابتهم بعدوى فيروس "كورونا المستجد"، الا أن مختلف الفاعلين في الحياة العامة من مختلف المشارب السياسية يحيلون ذلك الى عدم ثقة غالبية المواطنين بمجمل العملية السياسية والانتخابية، وتعكس أيضا قناعة غالبيتهم بهامشية دور مجلس النواب في الحياة السياسية الأردنية.
 
من جانب آخر تعكس مواقف الكثير من هؤلاء الفاعلين والمراقبين عزوف الغالبية الكبرى من مكون أساسي من المجتمع الأردني المتمثل في الأردنيين من أصول فلسطينية عن المشاركة في الانتخابات، يعكس احساسهم بالتهميش السياسي من قبل مراكز الدولة العميقة، وبأن حضورهم في الحياة السياسية صوري ولا يتلاءم مع حجمهم في الدولة اقتصاديا واجتماعيا، والذي انعكس مؤخرا بوضوح على تشكيلة الحكومة الأخيرة ومجلس الأعيان الذي يتم عادة بالتعيين.
 
خلاصة الأمر، كرست الانتخابات النيابية الأخيرة بمختلف مراحلها ومجرياتها ونتائجها رؤية أن عملية التحول الديمقراطي في الأردن عليها أن تبقى في اطار الحدود السياسية والأمنية المرسومة مسبقا، وأنه لن يسمح بأية تجاوزات لهذه الحدود، وأن أفكار مثل الحكومات البرلمانية والحريات العامة التي سقفها السماء هي مجرد أحلام بعيدة المنال.
 
 
أحمد عوض