Nov 26, 2020
عندما تنفصل السياسة عن الاقتصاد: تونس مثالا

الانتقال الديمقراطي مسار صعب قد تكون كلفته أكبر من مرحلة الاستبداد. هذا ما تثبته التجربة التونسية بعد مرور عشر سنوات من الثورة. إذ لا يكفي إسقاط رأس الهرم، أو تغيير الحكومات وصياغة دستور تحرري بديل، وصعود وجوه جديدة إلى مراكز القرار كانت تقود المعارضة وتقبع في السجون أو في المهاجر، وتنظيم انتخابات حرة وإلى حد ما نزيهة، وتمكين البرلمان من صلاحيات واسعة جعلت منه المؤسسة الأعلى صوتا في النظام السياسي الجديد، وتمنع كل الطرق والوسائل التي تجعل من الرئيس الحاكم الأوحد والزعيم الذي لا يجوز نقده أو الاعتراض على قراراته. كل ذلك تحقق في تونس مما جعلها البلد العربي الوحيد الذي سمح له بدخول نادي الدول الديمقراطية في العالم. مع ذلك يواجه التونسيون أزمة عميقة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، كما يعيشون حالة قلق مزمن غير مسبوق، وينتظرون بفارغ الصبر الخروج من هذا النفق.
 
 
أرقام مخيفة
 
خلافًا للحكومات الثمانية التي تشكلت منذ الثورة حتى الآن، قدمت حكومة هشام المشيشي مشروع ميزانية 2021[1] تضمنت الأرقام الصحيحة بعيدا عن أسلوب الإخفاء والمراوغة. أحدث ذلك صدمة قوية عندما بات الحديث في تونس عن أن الدولة تقترب من حالة الإفلاس. إذ استمرت الأوضاع على ما هي عليه قد لا تستطيع الحكومة بعد أشهر توفير أجور موظفي القطاع العام[2]. كما أنه لأول مرة في تاريخ البلاد تتجاوز النفقات حجم المداخيل، وهو ما جعل الميزانية الحالية تعاني من ثغرة بقيمة 11248 مليون دينار منها 2400 م د اقتراض داخلي والبقية سيقع تأمينها من خلال اللجوء إلى الاقتراض الخارجي. هذا في وقت حذر فيه الخبراء من اللجوء مرة أخرى إلى التداين الخارجي متوسط وطويل المدى الذي حطم رقما قياسيا بلغ حيث حوالي 80.957 م د. وتوقع محافظ البنك المركزي أن تبلغ خدمة الدين الخارجي متوسط وطويل المدى 9.501 مليار دينار سنة 2020[3]، مما جعل الدائنين يميلون للمرة الأولى إلى الشك في قدرات الدولة التونسية على احترام تعهداتها الخاصة بإرجاع ما عليها من ديون وفوائض، مما سيجعل التفاوض معهم صعبا ومؤلما. كما حصل أمر آخر هو الأول من نوعه، حيث محافظ البنك المركزي الاستجابة لطلبات الحكومة الخاصة بتمويل عجز الميزانية التعديلية لسنة 2020، في غياب تفويض صريح بنصّ قانوني من البرلمان. واعتبر محافظ البنك أن إصدار أوراق مالية إضافية من شأنه أن يؤدي إلى رفع الأسعار بطريقة جنونية وهو ما قد يتسبب في حدوث انتفاضة اجتماعية.
 

 
الحركة النقابية فوق صفيح ساخن
 
في هذه الأجواء الصعبة تقف الحركة النقابية فوق صفيح ساخن. فتدهور القدرة الشرائية نتيجة ارتفاع الأسعار لا يزال يدفع بالاتحاد العام التونسي للشغل وبقية النقابات نحو مطالبة الحكومة والقطاع الخاص برفع الأجور، في حين يعتبر الخبراء أن كتلة الأجور في تونس تعادل 17 بالمائة من الناتج الداخلي الخام وهي النسبة الأعلى في العالم.[4] وفي الوقت الذي تريد فيه الحكومة بالشروع في تنفيذ الإصلاحات الكبرى، من بينها إصلاح المؤسسات العمومية المفلسة، وتقترح بيع بعضها أو إعادة هيكلتها بشكل عميق، ترفض النقابات سياسة التفويت في هذه المؤسسات، وتدعو إلى التفكير في حلول أخرى. كما أن الخلاف مستمر مع الحكومة حول مسألة تخفيض كتلة الأجور[5].
 
 
فشل الربط بين السياسي والاقتصادي
 
من بين المعضلات الكبرى التي كشفت عنها الثورة التونسية تلك المتعلقة بكيفية ربط الإصلاح السياسي بالإصلاح الاقتصادي نظرا لارتباطهما بحبل وثيق. هذا الحبل لا يزال مفقودا بعد عشر سنوات من الثورة. فالديمقراطية السياسية الهامة التي تقدمت أشواطا لم تستطع حتى الآن أن تساعد الحركة الاقتصادية على التوجه نحو الأفضل، بل على العكس من ذلك تضرر الاقتصاد كثيرا بسبب عدم الاستقرار السياسي والحكومي، وهو ما جعل نسبة النمو تتراجع من حوالي 5 بالمائة في سنة 2010 إلى 2.2 سلبي، وزادت جائحة كورونا في الإضرار بمفاصل الاقتصاد المحلي مما أدى إلى " تراجع الناتج الإجمالي بأسعار سنة 2019، خلال الثلاثي الثاني من سنة 2020، بنسبة غير مسبوقة بلغت ناقص 21.6 بالمائة ".        
 
أما نسبة البطالة فقد زادت سوءًا عما كانت عليه قبل الثورة، فحسبما ورد في مشروع الميزانية التعديلي لسنة 2020، ارتفعت نسبة البطالة خلال الثلاثي الثاني من 2020 إلى 18 % مقابل 15.1 % خلال الثلاثي الأول من نفس السنة. لقد قفزت النسبة بثلاث نقاط خلال ثلاثية واحدة. وأشار المشروع الى أن بطالة الذكور بلغت نسبة 15.2 % مقابل 25 % للإناث[6]
 
الاقتصاد التونسي مريض، حيث توقع الخبير الاقتصادي ووزير المالية السابق حكيم بن حمودة حصول انكماش اقتصادي كبيرا خلال سنة 2020. واعتبر أن أزمة كورونا ستكون وراء هذا التراجع بنسبة 3.8 بالمائة خلال سنة 2020، وهي "أهم نسبة انكماش في الاقتصاد عرفتها تونس منذ الاستقلال"[7].
 
 
حركة النهضة: ازمة مع القيادة
 
تقف الأحزاب والنقابات أمام هذا المشهد المخيف عاجزة عن الإسهام في مواجهته وتحسينه. وبدل أن تكون قوة اقتراح على الأقل، يتواصل الصراع على أشده بين مكوناتها. كما تستمر أزمة الثقة بينها وبين الرأي العام، إذ لا يزال التونسيون يؤكدون على أن الأحزاب لم تتقدم بالبلاد منذ بداية مرحلة الانتقال الديمقراطي. ومما زاد المشهد قتامة توالي الأزمات الداخلية لعدد من الأحزاب الرئيسية، وكان آخرها الصراع المفتوح على مصراعيه داخل حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية. ويعود هذا الصراع إلى رفض رئيس الحركة راشد الغنوشي الالتزام بالقانون الداخلي للحركة [8] الذي يمنعه من الترشح للمرة الثالثة لرئاسة الحركة خلال مؤتمرها الحادي عشر الذي تم تأجيل انعقاده بحجة وباء كورونا. وتعتبر "النهضة" الحزب الأول والأكثر تنظيمًا، وفي حال انقسامه أو استقالة عدد كبير من كوادره في الصف الأول والثاني، فإن ذلك يؤشر على أن حظوظه في الانتخابات البرلمانية القادمة ستكون أضعف، وهو ما يفتح المجال أمام ارتباك موازين القوى، واحتمال صعود الحزب الدستوري الحر الذي تقوده عبير موسي، والذي يدعو صراحة إلى وضع الثورة بين قوسين، والعودة إلى ما قبل 2011 ومحاولة استنساخ تجربة الرئيس السابق زين العابدين ن علي.
 
 
لا يزال الأمل قائما
 
المشهد معقد وصعب، وهو ما يفسر نزوع التونسيين نحو التشاؤم الذي بلغ 79,6 بالمائة، بناء على اعتقادهم بأنّ البلاد تسير في الطريق الخطأ.[9] لكن رغم ذلك يؤكد الكثيرون أن تونس ليست حالة ميؤوس منها، وأن الفرصة لا تزال قائمة للخروج من المأزق الراهن، والذي يُعتبر طبيعيًا في مراحل الانتقال الديمقراطي. المهم العثور على المفتاح الاقتصادي الكفيل بفتح آفاق مغايرة أمام التونسيين حتى لا تسقط ثورتهم في براثن المنظومة القديمة.
 
صلاح الدين الجورشي
 
 
المراجع:
1.    http://www.finances.gov.tn/sites/default/files/2020 - مشروع قانون الميزانية 2020
2.    لم تنجح حكومات تونس في السنوات الأربع الأخيرة من النزول بكتلة الرواتب وتنفيذ تعهدات الدولة بجعلها في حدود 12 بالمائة من الناتج المحلي وفق اتفاق موقّع مع صندوق النقد الدولي عام 2016. صحيفة العربي الجديد 26 / 10 / 20
3.    موقع إذاعة شمس أفم 07.02.2020  https://www.shemsfm.net
4.    الخبير الاقتصادي والنائب في البرلمان فيصل دربال، 6 نوفمبر 2020 / موقع قناة نسمة www.nessma.tv
5.    صرح الخبير الاقتصادي معز الجودي لـصحيفة "العربي الجديد" أنن تونس لم تلتزم بشروط الإصلاح الاقتصادي ومنها كبح كتلة الأجور، مرجحا أن يؤثر ذلك على شروط التفاوض مستقبلا مع صندوق النقد الدولي وباقي الشركاء الماليين. العربي الجديد 26 أكتوبر 2020
6.    إذاعة كوزاييك 16 اكتوبر 2020 12:30 / www.mosaiquefm.net
7.    حكيم بن حمودة، تدوينة نشرها على صفحته الرسمية في الفايسبوك بتاريخ 13 أفريل 202 / موقع busines news عربي 13 أفريل 2020
8.    أكد رئيس مجلس شورى حركة النهضة أن الغنوشي سيحترم الفصل 31 من القانون الداخلي، لكن الجدل لا يزال متواصلا حول المنصب الجديد الذي سيتم إحداثه ويمكنه من الاستمرار في لعب دور رئيسي بحكم كونه المؤسس للحركة.