Nov 26, 2020
لبنان في أزمة: هل هناك من مخرج؟

جاء انفجار بيروت في الرابع من آب ليجسّد فشل مؤسسات الدولة الذريع في الحكم.
 
أدّى الفساد والإهمال إلى تعطيل عمل المؤسسات الرئيسية، وقد دلّت ردود فعل أجهزة الدولة على مستوى الشلل والاختلال الذي أصاب المؤسسات العامة، وعلى غياب التنسيق، وضعف الاستجابة، والافتقار إلى الرؤية الواضحة، رغم تمكّن الناس من الحصول على الحد الأدنى من الاحتياجات ومتطلبات التعافي بفضل المجتمع المدني المحلي والدولي والوكالات العالمية والتنسيق الذي تقوده وكالات الأمم المتحدة.
 
وتجدر الإشارة إلى الدور التنسيقي لنقابة المحامين وغيرها من النقابات (المقاولين، المهندسين، المدققين...)، خاصة في تقييم الأضرار وإزالة الأنقاض بشكل محترف وترميم بعض المنازل، مما يبرز أهمية دور مؤسسات ومجموعات المجتمع المدني.
 
لكن، ورغم هذا الواقع التعيس، تواصل النخبة الحاكمة عملها كالمعتاد، كما اتضح جليًا في مفاوضات تشكيل الحكومات، أولًا، من خلال رئيس الوزراء المكلّف مصطفى أديب، الذي فشل في تشكيل حكومة مستقلة بناء على متطلبات المبادرة الفرنسية الأولية ومطالب الشعب اللبناني (حيث تفتقد حكومة الوحدة الوطنية والصيغة المعتمدة إلى الشعبية). جاء ذلك، بالمناسبة، نتيجة الانتفاضة التي وضعت حدًا لفكرة تقاسم السلطة، ورفضت تعيين سعد الحريري، الذي يحمل مسؤولية رئيسية عن الفشل، خاصة وأنه هو الذي كان يرأس مجلس الوزراء في 17 تشرين الأول / أكتوبر 2019، وأن حكومته هي التي فرضت قانون الضرائب وهي المسؤولة عن الانهيار الاقتصادي الذي يلوح في الأفق والذي أدى إلى اندلاع الانتفاضة، فقرر الاستقالة بعد رفض المتظاهرين المشاركين في الانتفاضة للإصلاحات التي اقترحها في 21 تشرين الأول / أكتوبر.
 
تقوم النخبة السياسية اليوم بالضغط لتشكيل "حكومة وحدة وطنية" على أساس معادلة تقاسم السلطة والإصرار على تمثيلهم جميعًا. وتظهر طريقة إجرائهم المفاوضات على الحقائب الوزارية استمرارهم في هذه العقلية والنيّة في حماية مصالحهم ومصالح محسوبيهم وعملائهم.
 
أمّا حكومة الوحدة الوطنية (حسب الصيغة التوافقية) فهو مطلب المجتمع الدولي، على افتراض أنه قد يساعد في تبني أجندة الإصلاح وتنفيذها، وأن هذه القوى ممثلة في البرلمان ويمكنها التصويت للإصلاحات المقترحة أو رفضها. فرغم مسؤولية النخبة السياسية الرئيسية عن الفشل بسبب فسادها، ورغم سحب الشرعية منها في 17 تشرين الأول / أكتوبر وأنها لم تعد تمثّل إرادة السياسية للبنانيين وتطلعاتهم، فهي ما زالت تحظى بالوضع القانوني.
 
في 17 تشرين، استرجع اللبنانيون الشرعية عندما خرج مئات الآلاف إلى الشوارع في مختلف المناطق ومن مختلف الخلفيات السياسية والاجتماعية، لكنهم يفتقرون للوضع القانوني، وهو ما أدّى إلى الركود السياسي الذي نشهده اليوم.
 
إنهم يحتلون الدولة، حرفيًا، ويمارسون انتهاكات جسيمة بحق القانون الدستوري وغيره (تُصر حركة أمل وحزب الله، مثلًا، على إبقاء وزارة المالية تحت سيطرتهما، ويصر الحزبان على ترشيح جميع الوزراء الشيعة في الحكومة، وهو أمر مخالف للدستور).
 
كان 17 تشرين الأول / أكتوبر 2020 نقطة تحول وحّدت لبنان واللبنانيين، وقد قيل أنها أنهت الحرب اللبنانية بالفعل، وهو ما يفسر الردّ العدواني لأطراف السلطة، أي "التحالف بين المافيا والميليشيات"، وقيامها بقمع الانتفاضة الشعبية بشدة، مستخدمة شتى الأدوات، بما في ذلك الاعتداء المباشر والضغط على مساحة الحريات، وبشكل أساسي حرية التجمع وحرية التعبير، وحشد المندسين لتخريب المظاهرات.
 
تجاوزت انتفاضة 17 تشرين مسألة استقالة الحكومة بأشواط، وطالبت بتغييرات سياسية ومنهجية عميقة باتجاه الدولة المدنية (بمعنى آخر، إنهاء الطائفية وصيغة تقاسم السلطة بين ممثلي الملل، وخلق نظام علماني يبدأ بتبني قانون انتخابي جديد وقانون أحوال شخصية مدني، وغيرها من الإصلاحات). كانت أولوية الانتفاضة تعيين حكومة انتقالية مستقلة مع بعض السلطات التشريعية لتحقيق الأجندة المذكورة أعلاه. لكن لسوء الحظ، أدى التدهور السريع في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وانتشار الجائحة، بالإضافة إلى القمع الشديد المتعدد الأشكال، إلى إبطاء الانتفاضة، ولا ننسى السياقات الجيوسياسية والإقليمية حيث يقع لبنان في الوسط بين احتلال من جهة وحرب أهلية من جهة أخرى. علاوة على ذلك، تشهد المنطقة صراعًا جيوسياسيًا معقدًا بين جهات عالمية وإقليمية ذات نفوذ كبير داخل لبنان.
 
تستمر المفاوضات اليوم لتشكيل حكومة جديدة، وتتضح أن المسار بقيادة النخبة التقليدية يتوجّه نحو "حكومة وحدة وطنية" ترفضها الحركة الشعبية، التي ترفض شتى أشكال تقاسم السلطة وتذكّر بمطالب الثورة الأولية وهي تشكيل "حكومة انتقالية مستقلة مع بعض الصلاحيات التشريعية" للقيام بمهمتين رئيسيتين على الأقل:
●      أولى المهمات هي اعتماد قانون انتخابي جديد وإجراء انتخابات حرة وديمقراطية تنظمها لجنة مستقلة تحت رقابة دولية، على أن يقوم القانون على أساس الدستور، أي اعتماد نظام انتخاب علماني لانتخاب برلمان خارج التمثيل الطائفي، واستحداث مجلس شيوخ لتمثيل مختلف الطوائف المعترف بها قانونًا في لبنان وحماية حقوقها ومصالحها المختلفة.
●      المهمة الثانية هي اعتماد قانون اللامركزية الإدارية الذي يضمن التنمية والازدهار المتكافئ والعادل بين المناطق، وهو أمر ضروري للغاية في نظام شديد المركزية.
 
بالإضافة إلى ذلك، تطالب الانتفاضة باعتماد أجندة إصلاح عاجلة وتنفيذ نظام حماية اجتماعية لمساعدة الناس وحمايتهم أمام الاحتياجات والتهديدات المتزايدة بسبب الأزمة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والنقدية، وبهدف معالجة النسبة المرتفعة للفقر والتي تزيد عن 60٪، والبطالة التي تتجاوز 30٪، ومعدل التضخم الذي تجاوز 115٪، إلى جانب الظروف الصحية ومعوقات التعليم في أوقات الوباء، وكذلك الأمن الغذائي المُهدد بغياب القدرة على استيراد السلع مع نقص العملة الأجنبية.
 
تجدر الإشارة إلى أن هذه الإصلاحات لا تتطلب أي تعديل دستوري، بل على العكس، فقد تم تضمينها في دستور عام 1990، ولكن نفس النخبة حالت دون تنفيذها.
 
أما المجموعات السياسية، وبعضها كان موجودًا قبل الانتفاضة والبعض الآخر تأسس حديثًا بعد 17 تشرين 2019، فهي تحاول تشكيل تحالفات وجبهات، وتقوم بالتنسيق مع النقابات المهنية، كنقابات المحامين والمهندسين والأطباء والصيادلة، والمؤسسات الأكاديمية الرئيسية غير الهادفة للربح والجامعات، إلى جانب النقابات العمالية، وغيرها، يهدف لخلق توازن قوى جديد بين الحركة الشعبية والنخب الحاكمة لتحقيق الهدفين الرئيسيين المذكورين أعلاه. النية هي إنشاء تحالف قوي يتمتع بتمثيل جيد إلى حد ما ويأخذ زمام المبادرة لممارسة المزيد من الضغط وتحدي النظام الحالي، ويضع أمامه استعادة الدولة، وربما الأصول المسروقة، بشكل أساسي، وكذلك تحرير المؤسسات العامة من جميع أشكال المحسوبيات.
 
تخطط هذه المجموعات لتطوير بدائل سياسية في الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، ويتمثل التحدي في التوجّه نحو نظام اقتصادي منتج ونحو إعادة التوزيع. كما تقوم بإجراء حوار وطني مفتوح حول الإصلاح السياسي المطلوب للخروج التدريجي من الأزمة. هذا يتطلّب إعادة التفكير بالمقاربات الاقتصادية والاجتماعية كافة، حيث لا يكون البعد الاجتماعي مجرّد نتيجة ثانوية للنمو الاقتصادي والسياسات الاجتماعية، وأن يتوسّع المنظور من تنفيذ برامج شبكات الأمان إلى نظام حماية اجتماعية أكثر شمولاً مع تغطية شاملة تشمل مختلف الفئات الاجتماعية والقطاعات والمناطق. ويمكن للمجتمع الدولي وحركات ومجموعات التضامن لعب دور أساسي من خلال دعم هذا التيار الناشئ.
 
غني عن البيان أن انهيار لبنان سيخلق تهديدات خطيرة للمنطقة والبحر الأبيض المتوسط ​​بأسره، فالبلد يستضيف أكثر من مليون لاجئ سوري، وحوالي 500 ألف لاجئ فلسطيني مسجل رسميًا (ربما بقي 180 ألفًا فقط يعيشون في مناطق مختلفة من لبنان لكن الآخرين لا يفقدون حقوقهم كلاجئين مسجلين في لبنان حتى لو كانوا يعيشون في الخارج).
 
أخيرًا، من المهم التأكيد على أنه يمكن لأي ضغط خارجي وعقوبات المساعدة بشكل كبير، لكن لن يكون لها النتائج المتوقعة أبدًا ما لم تعتمد على حركة محلية قوية قادرة على كسر الوضع الراهن وقيادة الأمة نحو تغييرات حقيقية، ولهذا فإن الخطة هي إنشاء مثل هذا التحالف أو الحركة في المستقبل القريب.
 
زياد عبد الصمد
 
قدمت في حلقة نقاش على الإنترنت من تنظيم مجلس التفاهم العربي-البريطاني.