May 22, 2026
الحاجة إلى مقاربة مختلفة للأردن مع صندوق النقد الدولي - أحمد عوض
أحمد عوض
مؤسس ومدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
أحمد عوض

الحاجة إلى مقاربة مختلفة للأردن مع صندوق النقد الدولي

أحمد عوض

جاءت اجتماعات الربيع الأخيرة لصندوق النقد والبنك الدوليين في لحظة إقليمية شديدة القسوة، حيث فرضت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واتساع نطاقها الإقليمي، نفسها على النقاشات الاقتصادية بوصفها عاملا ضاغطا على الاستقرار والنمو ومستويات المعيشة معا.

ولم يعد الحديث يدور فقط حول اتجاهات الاقتصاد العالمي أو مسارات التضخم والدين، بل حول قدرة دول المنطقة على الصمود أمام صدمة مركبة تضرب الطاقة والغذاء والتجارة وسلاسل التوريد وثقة الأسواق في وقت واحد.

وقد بدا واضحا خلال الاجتماعات أن المنطقة مقبلة على ضغوط اقتصادية واجتماعية إضافية لن تتوقف عند حدود المؤشرات الكلية، بل ستنعكس مباشرة على كلفة الحياة اليومية وعلى قدرة العديد من حكومات دول المنطقة على حماية مجتمعاتها من الانكشاف الاقتصادي والاجتماعي.

ولا يكفي، في هذا السياق، أن نصف العلاقة بين الأردن وصندوق النقد الدولي بأنها ناجحة، ثم نتوقف عند هذا الوصف كما لو أنه يعبّر وحده عن الصورة الكاملة. صحيح أن هذه العلاقة أسهمت في ترسيخ قدر من الاستقرار المالي والنقدي، وفي الحفاظ على تماسك بعض المؤشرات الأساسية، لكن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بقدرة الاقتصاد على تجنب الاختلالات الكبرى، بل أيضا بقدرته على حماية المجتمع من الكلفة الاجتماعية المتراكمة. فالسؤال الأهم ليس ما إذا كانت البرامج قد حققت استقرارا ماليا ونقديا، بل ما إذا كانت قد دعمت اقتصادا أكثر عدالة وقدرة على خلق فرص العمل وتحسين الأجور وتعزيز الحماية الاجتماعية.

ومن وجهة نظري، فإن هذا هو المدخل الصحيح لفهم علاقة الأردن بالصندوق اليوم. لقد شاركت مؤخرا في بعض الاجتماعات والحوارات التي نظمها الصندوق مع الإدارة المعنية بالشرق الأوسط، ومع بعض أعضاء المجلس التنفيذي، كما تابعت منتديات المجتمع المدني افتراضيا، وكان واضحا أن هناك إدراكا متزايدا لدى ممثلي الصندوق لحجم المخاطر التي تضرب المنطقة. لكن هذا الإدراك لا يزال أقل من أن يتحول إلى مراجعة جدية في منطق السياسات نفسه. فما زالت الأولوية تميل إلى تثبيت الاستقرار الكلي والانضباط المالي، بينما تتراجع الأسئلة المرتبطة بنوعية النمو، وعدالة توزيع الأعباء، والقدرة الفعلية للمواطنين على تحمل تبعات الصدمات المتتالية.

والحقيقة أن الاستقرار المالي والنقدي الذي تحقق في الأردن لم يكن بلا كلفة. فقد كان له ثمن اجتماعي كبير ظهر في اتساع الاقتصاد غير المنظم والعمل غير المنظم، وفي ضعف الأجور قياسا إلى الارتفاع المستمر في الأسعار. وهذه ليست ملاحظات عامة فقط، بل تعكسها مؤشرات رسمية واضحة، من بينها أن أكثر من نصف العاملين في الأردن يعملون في إطار غير منظم، أي لا يتمتعون بأية حمايات اجتماعية، وأن غالبية العاملين المنظمين يتقاضون أجورا متدنية لا تتناسب مع متطلبات المعيشة، فما بالنا بالعاملين غير المنظمين، هذا الى جانب معدلات بطالة تزيد عن عشرين بالمئة.

وعندما يقترن ذلك بارتفاعات متواصلة في أسعار الطاقة والمشتقات النفطية منذ بداية الحرب، وبما ينعكس عنها على النقل والغذاء ومدخلات الإنتاج، فإن النتيجة الطبيعية هي تضاعف الضغوط على الأسر وعلى القطاعات المنتجة في آن واحد.

هذا الواقع يفسر لماذا لا يمكن التعامل مع البرامج المشتركة مع صندوق النقد الدولي في الأردن بمعزل عن بنيته الاجتماعية. فالمشكلة ليست فقط في حجم العجز أو الدين أو الحاجة إلى الاستقرار، بل في أن الاقتصاد نفسه بات ينتج هشاشة أوسع في سوق العمل، ويضعف قدرة الأجور على ملاحقة كلفة المعيشة، ويدفع شرائح متزايدة نحو أنماط عمل أقل حماية وأقل استقرارا. ومع كل موجة ارتفاع في الطاقة أو الغذاء أو الأسمدة، تصبح الفئات الأضعف أكثر تعرضا للتراجع، وتصبح الطبقة الوسطى بمختلف شرائحها أكثر قابلية للانكماش.

ومن هنا، فإن الأولويات التنموية التي تواجه الأردن في هذه المرحلة لا تنفصل عن تداعيات الحرب بقدر ما ترتبط بالاختلالات الداخلية المتراكمة. فالأولوية لم تعد مجرد الحفاظ على التوازنات المالية، بل الانتقال إلى سياسة اقتصادية تمنح وزنا أكبر للحماية الاجتماعية، وللحد من آثار ارتفاع الأسعار، ولدعم القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد فرص عمل لائقة. كما أن التعامل مع كلفة الطاقة يجب أن يصبح جزءا من مقاربة تنموية أشمل، لا مجرد ملف مالي أو تسعيري، لأن استمرار الضغوط في هذا الجانب سيؤدي إلى مزيد من الإضعاف للطلب المحلي، وإلى تحميل المواطنين أعباء لا يستطيعون تحملها طويلا.

ولهذا أرى أن المطلوب من صندوق النقد الدولي في المرحلة المقبلة مراجعة توجهاته ذات الطابع التقشفي في المنطقة كلها. فالحكومات، ومنها الحكومة الأردنية، تحتاج اليوم إلى مساحة أوسع للتحرك، لا إلى مزيد من القيود التي تحد من قدرتها على مواجهة الصدمة. إن الإصرار على المقاربات التقليدية في ظرف حرب إقليمية ممتدة يعني عمليا تحميل المجتمعات كلفة لا تقوى على تحملها، وتدفع الفئات الاجتماعية الهشة إلى تحمل أعباء مضاعفة، عبء الأزمة الخارجية، وعبء سياسات التكيّف الداخلي معا.

كما أن الصندوق يمتلك أدوات مالية يمكن استخدامها بصورة أكثر فاعلية لمساعدة دول المنطقة على تجاوز هذه المرحلة. والمطلوب هنا أن يجري توظيف هذه الأدوات لدعم الإنفاق الاجتماعي والاستثماري الضروري، ولتخفيف الضغوط الناجمة عن ارتفاع الطاقة والغذاء، ولمنح الحكومات هامشا أكبر لحماية العمال والفقراء والطبقات الوسطى. فالمسألة لم تعد تقنية بحتة، بل باتت مسألة استقرار اجتماعي وسياسي أيضًا، لأن اتساع الفقر والبطالة وتآكل الدخول ليست نتائج جانبية، بل مخاطر مركزية تمس تماسك المجتمعات واستقرار الدول.

الأردن لا يحتاج فقط إلى استمرار العلاقة مع صندوق النقد، بل إلى علاقة مختلفة في مضمونها وأولوياتها. علاقة تعترف بأن الاستقرار الاقتصادي لا يكون مستداما إذا بُني على أجور ضعيفة، وعمل غير منظم، وضغط متزايد على معيشة الناس. وفي ظل الحرب وتداعياتها، يصبح من الضروري أن تنتقل السياسات من منطق الضبط المجرد إلى منطق الحماية والتنمية والعدالة. فاستقرار لا يشعر به المواطن في حياته اليومية ليس استقرارا مكتملا، وأي إصلاح لا يخفف الكلفة الاجتماعية لن يكون قادرا على الصمود طويلا.

احدث المنشورات
May 22, 2026
لماذا ما زلنا نشارك؟ تأملات من الدورة السبعين للجنة وضع المرأة - كارلا عقيل
May 22, 2026
اجتماعات الربيع لصندوق النقد: لغة جديدة وأدوات قديمة - محمد رمضان