الحروب والأزمة المناخية: البعد المُغيَّب للعدالة البيئية - سناء مسالم
الحروب والأزمة المناخية: البعد المُغيَّب للعدالة البيئية
تبدو الأزمات المعاصرة اليوم وكأنها تتراكم جنبًا إلى جنب، دون أن تلتقي فعليًا في الأجندات السياسية الدولية. فمن جهة، تفرض الأزمة المناخية نفسها باعتبارها التحدي الأكبر في القرن الحادي والعشرين، بما تستدعيه من تحولات عميقة في أنماط الإنتاج والحوكمة هذا من جهة. ومن جهة أخرى، تتكاثر النزاعات المسلحة وتتفاقم، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، مرورًا باليمن والسودان، من دون أن تُدرج كلفتها البيئية الحقيقية ضمن التقييمات الشاملة.
لقد انصبّ النقاش العام بشكل واسع على اعتبار المناخ «مضاعفًا للتهديدات»، لكنه ترك في الظل حقيقة لا تقل أهمية: الحروب نفسها تسهم بشكل مباشر في تفاقم الأزمة المناخية. هذا الصمت يكشف عن نقطة عمياء في السياسات الدولية، حيث تظل الأنشطة العسكرية بمنأى إلى حد كبير عن متطلبات الشفافية والمساءلة المفروضة على باقي القطاعات. ومع ذلك، فإن النزاعات ليست منفصلة عن الأزمة البيئية؛ بل هي جزء لا يتجزأ منها، بل وتعمل كمحرّكات بنيوية لها، من خلال ما تسببه من انبعاثات ضخمة للغازات الدفيئة، وتدمير للأنظمة البيئية، وتقويض لقدرات المجتمعات على التكيف. ولذلك، لن يكون هناك أي انتقال بيئي عادل دون إدماج جذري لمسألة الحروب ضمن التفكير المناخي.
البصمة الكربونية للعسكرة: قطاع خارج حسابات السياسات المناخية
إن اختزال الأزمة المناخية في مجرد مسألة انتقال طاقي مدني يُعدّ قراءة قاصرة، لأنها تتجاهل أحد أكثر أعمدة الفعل العمومي استهلاكًا للطاقة: القطاع العسكري. فالجيوش تُعدّ من بين أكثر المؤسسات اعتمادًا على الطاقات الأحفورية في العالم، وهو اعتماد يتغلغل في مختلف مكونات المنظومة العسكرية، من القواعد الدائمة إلى الأساطيل الجوية والبحرية، مرورًا بالصناعات الدفاعية وسلاسل الإمداد اللوجستي العالمية. ورغم أن المعطيات المتوفرة تبقى مجزأة بسبب غياب الشفافية، فإن تقريرًا صادرًا عن مرصد النزاعات والبيئة (CEOBS) ومنظمة العلماء من أجل المسؤولية العالمية (SGR) يُقدّر أن الانبعاثات المرتبطة بالجيوش العالمية تمثل نحو 5.5 في المائة من إجمالي الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة.
وتعدّ وزارة الدفاع الأمريكية أكبر مستهلك مؤسساتي للنفط في العالم، إذ أدت الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة منذ أحداث 11 سبتمبر إلى توليد مستويات هائلة من الانبعاثات، ليس فقط بسبب الوقود المستهلك في العمليات العسكرية، بل أيضًا نتيجة إنتاج الأسلحة، وبناء البنية التحتية، وعمليات إعادة الإعمار. وهذه البصمة الكربونية ليست ظرفية، بل هي بنيوية، وتتفاقم مع موجة إعادة التسلح الحالية، حيث يرتبط ارتفاع الإنفاق العسكري تاريخيًا بزيادة كثافة الكربون في اقتصادات الدول، مما يؤدي إلى تكريس مسارات ملوِّثة على حساب جهود التخفيف المناخي .وتتضاعف هذه الحقيقة المادية مع شكل من الغموض السياسي المتعمّد. فمنذ مفاوضات بروتوكول كيوتو، وتحت تأثير قوى كبرى مثل الولايات المتحدة، استفاد القطاع العسكري من استثناءات تتعلق بالعمليات الخارجية . واليوم، في ظل اتفاق باريس، لا تزال الانبعاثات العسكرية خارج نطاق الرصد الفعلي، إذ نادرًا ما يتم تفكيكها داخل الجرد الوطني للانبعاثات، كما أن التصريح بها يظل في الغالب طوعيًا، وغالبًا ما يُحجب بذريعة «الأمن القومي«.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال توجيه مسار جدي نحو إزالة الكربون، إذا ظل أحد أكثر القطاعات استهلاكًا للطاقة الأحفورية يشكّل «ثقبًا أسودا» في منظومة المحاسبة المناخية الدولية. وتُبرز النزاعات الحديثة هذه الحقيقة بوضوح. فقد أدّى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى توليد ما يقارب 150 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون المكافئ خلال ثمانية عشر شهرًا من الحرب، وهو مستوى يعادل الانبعاثات السنوية لدولة صناعية متوسطة الحجم . أما في غزة، فتشير التقديرات إلى أن الانبعاثات الناتجة عن الأسابيع الأولى من القصف تجاوزت تلك المسجلة في عدد كبير من الدول منخفضة الدخل خلال عام كامل. ومع ذلك، فمن المرجح أن تبقى هذه الأرقام دون الواقع، لأنها لا تأخذ في الحسبان مجمل الانبعاثات غير المباشرة، المرتبطة بإعادة الإعمار وسلاسل التوريد والتأثيرات النظامية الأوسع. وهو ما يؤكد أن الحروب تمثل أحد أبرز النقاط العمياء في المحاسبة المناخية العالمية.
الدمار المادي: الحروب و «الدَّين البيئي» المستدام
لا تقتصر آثار الحروب على انبعاثات الغازات الدفيئة، بل تتجاوزها إلى تدمير بيئي مباشر وعميق، قد يكون في كثير من الأحيان غير قابل للإصلاح، مما يفضي إلى ما يمكن تسميته بـ«الدَّين البيئي» للحروب. فالقصف والحرائق لا تدمران البنية التحتية فحسب، بل تعصفان بشكل عنيف بتوازنات طبيعية دقيقة وثمينة. في أوكرانيا، وثّق المركز المشترك للبحوث التابع للمفوضية الأوروبية آثارًا مدمّرة على التربة والغابات والنظم البيئية البحرية، تجلّت خصوصًا في تلوث واسع النطاق بالمعادن الثقيلة والمواد المتفجرة والهيدروكربونات، مع تداعيات طويلة الأمد على التنوع البيولوجي وصحة الإنسان. أما في غزة، فقد تحدث برنامج الأمم المتحدة للبيئة عن أضرار «غير مسبوقة»، مع ما يزيد عن 40 مليون طن من الركام، يحتوي جزء كبير منه على مواد يُحتمل أن تكون سامة . وهكذا تتحول البيئة إلى ضحية جانبية للحرب، تتراكم جراحها بصمت عبر الزمن.
ولا تختفي هذه التلوثات مع توقف المعارك، بل تستمر آثارها لعقود. فالتربة الملوثة بالمعادن الثقيلة ومخلّفات المتفجرات والهيدروكربونات تتسرب إلى المياه الجوفية وتؤدي إلى تدهور الأراضي الزراعية. ويُعدّ لبنان مثالًا صارخًا على ذلك، حيث أدت كارثة التسرب النفطي سنة 2006 إلى انسكاب نحو 15 ألف طن من الفيول الثقيل في البحر الأبيض المتوسط، مما ألحق أضرارًا جسيمة بأكثر من 150 كيلومترًا من السواحل، وخلّف آثارًا بيئية مستدامة، خاصة على النظم البحرية والساحلية. وفي اليمن، حوّل النزاع ندرة المياه البنيوية إلى أزمة بقاء، نتيجة التآكل المستمر لأنظمة تدبير الموارد المائية. ومؤخرًا، أدت الضربات التي استهدفت منشآت نفطية في إيران، إلى جانب تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الخليج، إلى انبعاث سحب كثيفة من الدخان السام امتدت لعدة كيلومترات، مما يعكس حجم المخاطر المرتبطة بتلوث الهواء والبيئة في سياقات الحرب.
وتؤكد هذه الوقائع أن البنية التحتية الطاقية أصبحت هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا، بما يحمله ذلك من تداعيات بيئية قد تتجاوز الحدود الوطنية. ولا يقتصر هذا الدمار البيئي على الأضرار المادية فحسب، بل ينعكس مباشرة على قدرة المجتمعات على مواجهة الصدمات المناخية والتكيّف معها.
تقويض قدرات التكيّف: حين تُحكم الحروب دائرة الهشاشة
تُعد المنطقة العربية من أكثر مناطق العالم تأثرًا بالنزاعات، حيث يعيش جزء كبير من سكانها في أوضاع نزوح أو لجوء (أكثر من 20 مليون)، بينما تعاني دول عدة من مستويات فقر تتجاوز 80%.
لعلّ الأثر الأكثر خطورة للنزاعات المسلحة على المناخ يتمثل في تقويض قدرات المجتمعات على التكيّف. فالتكيّف مع التغيرات المناخية يتطلب مؤسسات مستقرة، وبنى تحتية قادرة على الصمود، وموارد مالية كافية؛ غير أن الحروب تستنزف هذه المقومات ذاتها. فمن خلال استهداف شبكات المياه، والمنشآت الطاقية، والأنظمة الزراعية، تحرم النزاعات المجتمعات من القدرة على مواجهة الصدمات البيئية.
في اليمن، حيث يبلغ الإجهاد المائي مستويات حادة، أدى انهيار الشبكات المائية الأساسية إلى تقويض أي إمكانية لتدبير مستدام للموارد. وفي غزة، جعل انهيار الخدمات الأساسية من المستحيل بناء أي استراتيجية للصمود في مواجهة ندرة الموارد، مما أدخل السكان في حالة اعتماد شبه كلي على المساعدات الإنسانية.
وتترجم هذه الهشاشة المتفاقمة إلى حالة من انعدام الأمن الغذائي المزمن. فوفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة، يعيش أكثر من 60 في المائة من الأشخاص الذين يعانون من الجوع الحاد في العالم اليوم في مناطق تشهد نزاعات، وهو ما يؤكد أن الحروب تمثل العامل الرئيسي في تفشي انعدام الأمن الغذائي عالميًا.
وفي ظل هذه الظروف، تُضطر المجتمعات، بدافع البقاء، إلى اللجوء إلى حلول مؤقتة أكثر تلويثًا، أو إلى استنزاف مواردها البيئية بشكل أكبر، مما يخلق حلقة مفرغة من الهشاشة والتدهور. كما تعمّق هذه الدينامية من مظاهر الظلم المناخي، إذ تجد شعوب الجنوب العالمي، وهي الأقل مساهمة في ظاهرة الاحتباس الحراري، نفسها محاصرة بين آثار التغير المناخي وأهوال النزاعات المسلحة التي تحرمها من أبسط وسائل الحماية. وهكذا، لا تكتفي الحروب بتفاقم الهشاشة المناخية، بل تحوّلها إلى أزمات بنيوية ممتدة، عبر تدمير القدرات المادية والمؤسساتية والاجتماعية اللازمة للتكيّف.
اختلالات بنيوية: أمن الطاقة وتفكك التعاون العالمي
على المستوى العالمي، تؤدي النزاعات المسلحة دورًا معرقلًا بنيويًا لمسار الانتقال البيئي. فقد ساهمت الحرب في أوكرانيا في ارتفاع أسعار القمح عالميًا، حيث بلغت الزيادات في بعض الفترات نحو 30 في المائة خلال سنة 2022، مع آثار خاصة على البلدان المستوردة الصافية في إفريقيا والشرق الأوسط. وفي أوروبا، أدت أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب إلى دفع عدد من الدول إلى إعادة تشغيل محطات الفحم، والاستثمار بشكل مكثف في الغاز الطبيعي المسال، مما يعكس عودة ظرفية إلى الطاقات الأحفورية. غير أن هذه الاختيارات قصيرة الأمد، التي تُمليها اعتبارات الأمن الطاقي، قد تفضي إلى تكريس مستويات مرتفعة من انبعاثات الغازات الدفيئة لعقود مقبلة، وهو ما من شأنه تأخير الخروج الضروري من الاعتماد على الطاقات الأحفورية.
ومن جهة أخرى، تؤدي التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالنزاعات إلى إضعاف أسس التعاون الدولي الضروري لحوكمة المناخ. فمواجهة التغير المناخي تقوم على الثقة المتبادلة وتبادل المعرفة والتكنولوجيا، غير أن عسكرة العلاقات الدولية تُغذّي مناخًا من عدم الثقة، وتدفع نحو إعادة تشكيل العالم في كتل متنافسة. كما تُعاد توجيه الموارد الدبلوماسية والمالية نحو إدارة الأزمات الآنية، على حساب الالتزامات بعيدة المدى. وفي ظل هذا التشرذم، يُخشى أن تتحول قمم المناخ العالمية إلى فضاءات لصراع النفوذ بين القوى الكبرى، حيث تتراجع متطلبات البقاء الجماعي أمام اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية.
نحو عدالة مناخية تحرّرية: كسر الاستثناء العسكري
يكشف تحليل العلاقة بين الحروب والمناخ عن اختلال عميق في توزيع المسؤوليات. فالقوى العسكرية الكبرى، التي تتحمل النصيب الأكبر من انبعاثات هذا القطاع ومن الدمار واسع النطاق، هي في الغالب الأقل تعرضًا للآثار المباشرة لهذه التدهورات. في المقابل، تتحمل شعوب الجنوب العالمي العبء الأكبر، حيث تواجه تدمير أنظمتها البيئية وانهيار خدماتها الأساسية. ولا تُعدّ هذه المفارقة مجرد صدفة، بل هي نتيجة لاستمرار تغييب الأنشطة العسكرية من النقاشات والآليات التنظيمية البيئية. فالإبقاء على القطاع العسكري خارج الالتزامات المناخية ليس حيادًا تقنيًا، بل هو خيار سياسي يتيح للدول مواصلة منطق الهيمنة والقوة دون تحمّل كلفته البيئية على المستوى العالمي.
وفي هذا السياق، يصبح دور المجتمع المدني حاسمًا، إذ ينبغي أن يكون الخطاب واضحًا: لا يمكن تحقيق العدالة المناخية دون وضع حدّ لهذا الاستثناء العسكري. وهذا يقتضي المطالبة بشفافية كاملة بشأن الكلفة الكربونية للجيوش، وإدماج «الدَّين البيئي» للحروب ضمن آليات التعويض الدولية عن الخسائر والأضرار، وإعادة توجيه جزء من الميزانيات العسكرية نحو تمويل التكيّف المناخي.
كما يفرض الواقع طرح سؤال جوهري: كيف يمكن الحديث عن إعادة إعمار دون إعادة تأهيل بيئي حقيقي؟ فإعادة البناء التي تتجاهل إصلاح الأضرار البيئية لا تعني سوى إعادة إنتاج الهشاشة نفسها في شكل جديد. إن من الضروري الاعتراف بأن منطق التدمير العسكري يتعارض جوهريًا مع الحفاظ على شروط الحياة، وأن الاستمرار في هذا المسار يهدد بإغلاق آفاق أي مستقبل قابل للعيش.
حتمية السلام من أجل المناخ
وفي الختام، لا يمكن النظر إلى الحرب والتغير المناخي كأزمتين منفصلتين، بل هما وجهان لنظام واحد يقوم على تدمير شروط الحياة على الأرض. فالنزاعات المسلحة تُفاقم الأزمة المناخية من خلال انبعاثاتها الضخمة، وتلوثها المستمر، وتقويضها لقدرات المجتمعات الأكثر هشاشة على الصمود.كما أنها تعطل الاستجابة العالمية، وتكرّس الارتهان للطاقات الأحفورية، وتعيد توجيه الأولويات بعيدًا عن التحول البيئي الضروري. ومن ثم، فإن التفكير في الانتقال البيئي دون مساءلة منطق الحروب يبقى قاصرًا وغير مكتمل.
لم يعد السلام مجرد مطلب أخلاقي أو إنساني، بل أصبح شرطًا بنيويًا لتحقيق الاستدامة البيئية. ولضمان مستقبل عادل وقابل للحياة، بات من الضروري إدماج كلفة الحروب ضمن الأجندة المناخية، والتأكيد على أنه لا يمكن تحقيق عدالة بيئية دون تفكيك منطق العنف الذي يستنزف المجتمعات ويدمّر النظم البيئية في آن واحد.