الحقّ في المياه في فلسطين: نهجٌ قائمٌ على الحقوق في مواجهة التحدّيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ضمن سياق تغيُّر المناخ
الحقّ في المياه في فلسطين: نهجٌ قائمٌ على الحقوق في مواجهة التحدّيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ضمن سياق تغيُّر المناخ
مقدمة
لطالما شكّلت المياه عصبَ الحياة بالنسبة إلى المجتمع الفلسطيني قديمًا وحديثًا، إذ ارتبطَ وجودُ البلدات والقرى الفلسطينية بوجود المياه، لا سيّما وأنَّها كانت في مجملها تعتمد على الزراعة وتعتاش منها. ولقد ساهمَ توفُّر المياه من الينابيع والجداول والأنهار، وتحديدًا نهر الأردن والمياه الجوفية القريبة من السطح (كما هو الحال في الحوض الساحلي)، في تطوُّر الهوية والثقافة ونمط الزراعة في مختلف المناطق. فعلى سبيل المثال، في المناطق السهلية مثل سهل بيسان ومرج ابن عامر وسهول الجليل والسهل الساحلي والأغوار، ركّزت الزراعة على الخضار والقمح والشعير والبقوليات والحمضيات والموز في منطقة أريحا والأغوار، إضافةً الى انتشار زراعة البرتقال في السهل الساحلي في منطقة يافا التي حملَ البرتقالُ اسمَها، فأصبحَ سلعةً تصديرية ذات مردود اقتصادي هامّ منذ مطلع القرن التاسع عشر. وإلى جانب الزراعة المروية، تطوّرت الزراعة البعلية في المناطق الجبلية، وخصوصًا زراعة الزيتون والعنب والتين، مع تنوُّعٍ وتكامُلٍ في الإنتاج الزراعي واكتفاءٍ في العديد من السلع الرئيسية أو المحاصيل الاستراتيجية، مثل القمح والشعير والبقوليات والزيت على مستوى فلسطين.
تعايشَ المجتمع الفلسطيني قديمًا مع هذه المصادر وتكيَّفَ مع طاقتها الإنتاجية، فأنشأَ آلياتٍ لإدارة الموارد المائية وتقاسُم مياه هذه الينابيع والأنهار، وذلك انطلاقًا من الأراضي الزراعية التي تُروى منها انسيابيًا. وتحوّلت هذه التقسيمات إلى حقوق مائية مُكتسَبة لمالكي الأراضي، فباتت تُوَرَّث وتُباع وتُشترى مع الأراضي التابعة لها. وشكَّلَ قانون الشريعة الإسلامي المرجعَ الأساسي لإدارة هذه المصادر ولحلّ أيّ خلاف قد يطرأ حول إدارتها أو تقاسمها. وتميّزت تلك الحقبة بالاستخدام المتوازن والمستدام للموارد وعدم استنزافها والحفاظ عليها.
ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، بدأت حقبة الاستعمار البريطاني للمنطقة، وصدَرَ وعد بلفور الذي ساهمَ في تسهيل الاستعمار الصهيوني لأراضي فلسطين، والاستيلاء على الأراضي والمياه، وإقامة المستعمرات الصهيونية، وسلب حقوق الفلسطينيين المائية، خاصّةً من خلال التمييز في تطبيق مبادئ القانون الدولي وتغيير القوانين المعمول بها بشكل مُمَنْهَج. عزّزت سلطات الانتداب البريطاني سيطرة المستعمرين الصهاينة على الأرض والمصادر، وتغاضت عن تطبيق القانون عليهم، حتّى أنَّها وفّرت الحماية لهم وبالمقابل قامت بتطبيق القانون على أصحاب الحقوق الفلسطينيين، فمنعتهم من القيام بأي إجراء لحماية حقوقهم وأراضيهم (Ward, Ruckstuhl and Learmont 2022). ومع توسُّع الاستعمار الصهيوني وبدء تنفيذ مشاريع المياه الضخمة، مثل تجفيف بحيرة الحولة وناقل المياه القطري الذي حوَّلَ مياه بحيرة طبريا إلى النقب في الجنوب، وحفر الآبار العميقة، تغيّرت خصائص المصادر المائية، وحصلَ خللٌ في التوازن البيئي والمائي القائم. واستُنزِفَت المصادر لتلبية مصالح الاستعمار واحتياجاته على حساب الحقوق الفلسطينية. وبالرغم من هذه الإجراءات ومن انتهاك هذه الحقوق من قِبَل دولة الاحتلال منذ عام 1948 حتّى يومنا هذا، إلّا أنَّ حقوق الشعب الفلسطيني المائية مكفولة بموجب القوانين والأعراف الدولية.
تستعرض هذه الورقة حقّ الشعب الفلسطيني في المياه وأبرز التحدّيات التي ما زالت تَحول دون الوصول إلى هذا الحقّ. ترتكز هذه الورقة على مقاربة حقوقية تنطلق من أنَّ الحقّ في المياه هو حقٌّ إنساني وجزءٌ لا يتجزّأ من منظومة الحقوق الشاملة وغير القابلة للتجزئة. إضافةً الى ذلك، تمّت مراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية ومدى ارتباطها بالحقّ في المياه والحقوق الأخرى المتعلّقة به، مثل الحقّ في الغذاء والحقّ في السكن والصحّة وغيره. شملت الدراسة أيضًا مقاربة النوع الاجتماعي وإمكانية إدماجها ضمن الحقّ في المياه وربطها بالاتّفاقيات الأخرى ذات الصلة، إضافةً إلى توضيح مدى تأثير التغيُّرات المناخية على توفُّر المياه وانعكاساتها على الحقّ في المياه.
احدث المنشورات