Jan 23, 2026
الحقُ في المياه في مصر: لِمَن الشُحّْ ولِمَن الوفرة
آمنة شرف
باحثة

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
آمنة شرف
هذا البحث هو جزء من تقرير الراصد العربي ٢٠٢٥ عن الحق في المياه وتغيّر المناخ.

الحقُ في المياه في مصر: لِمَن الشُحّْ ولِمَن الوفرة

آمنة شرف

المقدّمة:

يهدف تقرير الحق في المياه في مصر إلى تقديم قراءة معمقة للعلاقة بين الدولة والمواطن فيما يخص الموارد المائية، واستعراض التحديات التي تعوق التقدم في ضمان حق المصريين في الوصول إلى والاستفادة من تلك الموارد. ففي السياسات السائدة، تُعامل المياه كسلعة نادرة أو مورد اقتصادي يجب "ترشيده" و"تحسين كفاءته". لكن لابد من التأكيد أن المياه حق إنساني أساسي يجب أن يُكفل للجميع دون تمييز..


ويستند التقرير إلى تحليل المعلومات المتاحة وآراء خبراء وباحثين وناشطين في مجاليّ حقوق الإنسان والعدالة البيئية، من منظور حقوقي يُعلي من قيم العدالة والتقاطعية، ويراعي حقوق شعوب الجنوب العالمي.


ومن أبرز التحديات التي تواجه قياس هذا الحق في مصر نقص المعلومات الرسمية وتعدد قنوات الوصول غير الرسمية للمياه، مما يؤدي إلى اختلاف في البيانات وصعوبة التحقق من دقتها. وللتقليل من هذا التباين، تم التركيز على المصادر الكمية الأكثر موثوقية مثل بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS)، والهيئة العامة للاستعلامات (SIS)، إضافةً إلى تصريحات رسمية منشورة. ويعتمد التقرير أيضًا على التحليل الكيفي لتقديم فهم أعمق للتحديات، متجاوزًا القراءات السطحية للمعلومات الكمية.


تعد مصر من الدول التي تعاني من ندرة المياه، حيث يبلغ نصيب الفرد من المياه سنويًا حوالي 600 متر مكعب، وهو أقل من حد الفقر المائي المعترف به عالميًا والبالغ 1000 متر مكعب (الهيئة العامة للاستعلامات، 2022أ). وتقدر الموارد المائية في مصر بحوالي 60 مليار متر مكعب سنويًا، يأتي معظمها من نهر النيل، بالإضافة إلى كميات محدودة من مياه الأمطار والمياه الجوفية العميقة في الصحاري. في المقابل، تصل احتياجات مصر المائية إلى نحو 114 مليار متر مكعب سنويًا (الهيئة العامة للاستعلامات، 2022أ). ويُعد مقياس "فقر المياه"، الذي يحدد الحد الأدنى بـ1000 متر مكعب للفرد سنويًا، أداةً عامةً تستخدم لحساب توافر المياه، لكنها أداة تعاني من تبسيط مفرط وتجاهل للسياقات المحلية. فهو يُعامل الدول والشعوب بمقاربة متماثلة، متغافلًا التباين السنوي أو الموسمي، واختلاف كميات المياه المتاحة فعليًا للاستخدام البشري مقارنة بتلك التي يجب أن تبقى للأنهار والنظم البيئية. كما يفترض تشابهًا في أنماط الطلب، متجاهلًا تنوع الاحتياجات الصناعية والزراعية والمنزلية، ما يجعل الرقم غير دقيق في كثير من السياقات، ومما يؤدي إلى غياب عدالة التوزيع وتفاوت الوصول حسب الاعتبارات الاجتماعية والجغرافية وغيرها (Rockström et al., 2014). 


ضافة إلى ذلك، لا يوجد علاقة واضحة بين توافر المياه العذبة ونسب الحصول على مياه شرب آمنة؛ وتشير الجهات الرسمية المصرية تحقيق تغطية شبه شاملة رغم انخفاض نصيب الفرد من الموارد المائية طبقًا لنفس المصادر الرسمية. وهناك أسئلة متعلقة بالجودة والوصول، مما يسلط الضوء على دور البنية التحتية والحوكمة لا كمية المياه فقط (Bartram et al., 2020). كما يغفل هذا الحد أهمية "المياه الافتراضية" التي تساهم في تحقيق الأمن الغذائي في دولٍ أخرى بالرغم من ندرة الموارد محليًا في مصر، ويمثل هذا هدرًا للموارد المائية (Maroufpoor et al., 2021). وقد وُجهت انتقادات لاستخدام مفهوم "فقر المياه" في مصر سياسيًا، حيث يرى البعض أن وصف الوضع بـ"فقر المياه" يُستخدم كغطاء لتبرير الخصخصة والتسليع والسياسات النيوليبرالية (Chatterton, 2011). علاوة على ذلك، يتجاهل هذا المؤشر المتطلبات البيئية الأساسية مثل التدفق البيئي والتوازن بين المياه السطحية والجوفية، مما يجعله غير ملائم للإدارة المستدامة. لذا، للتطرق للفقر المائي وتوفير صورة أكثر دقة لا بد من دمج اعتبارات التوافر مع العدالة الاجتماعية، والقدرة الاقتصادية، وجودة الإدارة البيئية. ولا بد كذلك من إعادة رسم خريطة الأولويات: من كفاءة الإدارة إلى عدالة التوزيع، ومن الاحتكار المؤسسي إلى المساءلة، ومن التركيز على النمو الاقتصادي إلى التركيز على الحق في الوصول.


احدث المنشورات
Jan 23, 2026
الحق في الماء والتغير المناخي في تونس
Jan 23, 2026
حقّ المياه في العراق في ظلّ التغيُّرات المناخية