Apr 28, 2021
الحماية الاجتماعية في مصر: الحق المنتقص

تزداد أهمية برامج الحماية الاجتماعية في أوقات التحولات الاقتصادية  ذات الطابع التقشفي  مثل برامج التكيف الهيكلي باعتبارها السياج الرئيس المنوط بحماية الفئات المضارة من هذه الإجراءات التقشفية. في أواخر عام 2016 تبنت مصر حزمة من الإجراءات التقشفية التي طالب بها صندوق النقد الدولي مما أسفر عن نتائج اجتماعية شديدة القسوة على قطاعات واسعة من المصريين، كان أهمها  ارتفاع معدلات الفقر. توضح بحوث الدخل والإنفاق والاستهلاك التي يجريها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء كل عامين أن معدل الفقر ارتفع من 27.8% في 2015 إلى 32.5% في 2017/2018، ثم انخفض انخفاضًا طفيفًا في 2019-2020 ليصل إلى 29.7%. يعنى ذلك أن ما يقرب من ثلث السكان فقراء. (الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء 2020).  


برامج حماية اجتماعية متعددة تفتقد للكفاءة والفاعلية:

توجد ثلاثة أنماط من برامج الحماية الاجتماعية في مصر: البرامج التي لاتستند إلى اشتراكات أو مساهمات المستفيدين مثل شبكات الأمان الاجتماعي (معاش تكافل وكرامة – الضمان الاجتماعي وغيرها) وبرامج الحماية الاجتماعية التي تستند إلى اشتراكات المستفيدين مثل التأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي. أما النمط الثالث فهو برامج سوق العمل النشط، وهي البرامج التي تتوسط المسافة بين شبكات الأمان الاجتماعي من جانب والتأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي من جانب أخر من خلال توفير فرص عمل للفئات الأفقر والعاطلة عن العمل  من أجل تحريكها من خانة العوز والحاجة إلى خانة التمكين، ومن ثم يقل الاعتماد على شبكات الأمان الاجتماعي.
يؤشر الارتفاع في معدلات الفقر على أن برامج الحماية الاجتماعية القائمة لم تستطع مجابهة الأضرار التي لحقت بالفئات الأضعف في المجتمع لأسباب عديدة منها قصور التغطية وعدم دقة الاستهداف وطبيعة سوق العمل، وكذلك عدم كفاءة وفاعلية الانفاق.


يبلغ إجمالى الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية وفقا للبيان التحليلى عن مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2019-2020 (327.699) مليار جنيه وذلك مقارنة بـ 198.5 مليار جنيه في  2014-2015 ما يشير إلى  حدوث طفرة في الانفاق (وزارة المالية، نسخة المواطن 2019-2020).  والحقيقة مع الوضع في الاعتبار الفرق بين النمو الحقيقي والنقدي، فان هذا النمو يطرح  اشكالية تحتاج للمناقشة وهي لماذا ترتفع معدلات الفقر بهذا القدر رغم زيادة الانفاق على برامج الحماية الاجتماعية؟ هل بسبب عدم الكفاءة أم مشكلات الاستهداف أم التجزئة التي تسم برامج الحماية الاجتماعية وتقلل من كفاءة تخصيص الموارد وضعف الفعالية. الحقيقة كل ما سبق صحيح.


 يغطى برنامج تكافل وكرامة وهو برنامج للتحويلات النقدية المشروطة قرابة  1.990.000 مستفيد ومستفيدة في 2019، واذا تمت اضافة باقى المستفيدين من شبكات الأمان الاخرى مثل الضمان الاجتماعي يصل اجمالى المستفيدين الى 3.6 مليون اسرة اى حوالى 15 مليون مواطن، اي اقل من نصف الفقراء في مصر. استلهم تصميم البرنامج  بعض تجارب امريكا اللاتينية في تطبيق نوع من المشروطية بما يؤدى الى بناء وتنمية رأس المال البشرى وبالتحديد في الصحة والتعليم والتغذية وذلك بضمان كفالة انتظام الأطفال في الدراسة والرعاية الصحية لهم ولأمهاتهم. وعلى الرغم من هذه المشروطية في التصميم الا انه لم يتم تطبيقها حتى وقتنا الراهن بسبب تردي نوعية الخدمات الاساسية اللازمة وهي الصحة والتعليم. وعلى الصعيد المواز يعانى نظام التأمينات الاجتماعية نتيجة اتساع القطاع غير الرسمي ومحدودية فرص العمل اللائق من محدودية التغطية حيث انه لايغطي سوى 32% من المشتغلين وذلك في 2018. يعمل بالاقتصاد غير الرسمى في مصر سواء افراد او مشروعات  50% من العمالة غير الزراعية و63% من اجمالى المشتغلين في كل القطاعات بما فيها الزراعة، وتبلغ مساهمة الاقتصاد غير الرسمى  في الناتج المحلى الاجمالى  من 30% الى 40%. كما أن   90 % من المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر تقع في اطار القطاع غير الرسمي. لايتمتع العاملون بالقطاع غير الرسمى باى شكل من اشكال الحماية الاجتماعية سواء كانت تأمينات اجتماعية او تأمين صحى او اجازات مدفوعة الاجر. (عبلة عبد اللطيف 2020)


يختلف وضع نظام التأمين الصحي قليلا، حيث انه يغطى ما يقرب من نصف السكان حوالى 55.6 مواطن في 2018، وسبب ارتفاع التغطية هو شمول اطفال المدراس والرضع بالتغطية، فنصف العدد المذكور هو من طلاب المدراس والاطفال قبل المدرسة، في حين يغطى فقط 12 مليون من المشتغلين بما يتجاوز نصف المشتغلين بقليل والمقدر بـ 22.5% مليون مشتغل 2020.  وعلى الرغم من ذلك فان نسبة انفاق المواطن على الصحة من دخله الخاص وصلت الى 62% في 2018 (المركز المصرى للدراسات الاقتصادية 2020) وهكذا يتضح أن مزيد من التغطية لم يترتب عليه الحد من الانفاق الخاص على الصحة بل حدث العكس مما يشير الى تردى نوعية الخدمات المقدمة. وقد أشارت إحدى الدراسات  إلى أن نسبة لايقل عن 80% من الأسر المعيشية لديها فرد واحد على الأقل يتمتع بتغطية صحية من التأمين الصحي العام، ورغم ذلك لايستفيد من هذا النظام إلا 25% من تلك الأسر بسبب انخفاض نوعية الخدمات وبيروقراطية الأداء (الاسكوا 2019)


تعد برامج سوق العمل النشط أحد أهم برامج الحماية الاجتماعية التي تمكن الفقراء من الانخراط في سوق العمل  بما يمكنهم من الاعتماد على أنفسهم وتضمن لهم دخلا مناسبا مما يقلل اعتمادهم تدريجيا على شبكات الأمان الاجتماعي، ومن ثم انضمامهم إلى نظم التأمينات الاجتماعية. تتنوع برامج سوق العمل النشط في مصر حيث تشمل توفير مشروعات كثيفة العمالة مثل الأشغال العامة والتدريب وتنمية المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغيرة. على الرغم من أهمية برامج سوق العمل النشط في مصر، إلا أن ما تقدمه من فرص عمل، لا يمكن اعتبار أغلبه فرص عمل لائقة، مستدامة ومحمية عبر التغطية بالتأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي، وبذلك هي فرص عمل لا تختلف في نوعيتها  كثيرا عن فرص العمل المتوافرة في القطاع غير الرسمي.


إن كل ما سبق يشير إلى  وجود عدة برامج للحماية الاجتماعية تعانى من التفكك وغياب رؤية تكاملية تربط بين هذه البرامج سواء التي تستند إلى اشتراكات أو لاتستند مما يخلق نظاما متكاملا للحماية الاجتماعية، قادر على تحريك قطاعات من السكان من شبكات الأمان الاجتماعي والتي بالكاد تحافظ على الفقراء على قيد الحياة إلى نظم حماية أخرى تعتمد على العمل وتستمد قوتها من قدرتها على تمكين البشر واخراجهم من الفقر، وأيضا من قدرتها على الاستدامة المالية. ومما لاشك فيه أن هذا التفكك يؤدى إلى مزيد من عدم كفاءة وفعالية الأنظمة القائمة والذى يتجلى في زيادة أعداد الفقراء والفئات المحرومة من التغطية مع زيادة الإنفاق على هذه البرامج دون جنى المأمول منها.


د.هويدا رومان
أستاذ العلوم السياسية - المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية