الرعاية ليست مسألة خاصة: إنها بنية تحتية عامة ومالية – لينا أبو حبيب
يشكّل عمل الرعاية العمود الفقري للمجتمعات. فهو يطعم الأطفال، ويدعم كبار السن، ويُمكّن العمل المأجور، ويحافظ على تماسك المجتمعات في أوقات الأزمات. ومع ذلك، لا يزال يُتعامل معه على أنه «مساعدة» أو «حب» أو «واجب أنثوي طبيعي»، بدل الاعتراف به على حقيقته: عمل يتطلب وقتًا ومهارة وقدرة على التحمّل. هذا التهميش ليس بريئًا؛ بل هو خيار سياسي مقصود له تبعات اقتصادية.
لا يزال العمل غير المدفوع في الرعاية والعمل المنزلي غير مرئي إلى حد كبير في السياسات العامة وفي إعداد الموازنات الوطنية. ولا تزال كثير من النساء يقلن: «أنا لا أعمل»، لأن العمل المأجور وحده يُحتسب كعمل حقيقي. إن استمرار فئة «ربة المنزل» من دون وجود مقابل ذكوري لها، يكشف إلى أي مدى لا تزال تعريفاتنا الاقتصادية مشبعة بالنوع الاجتماعي. فما لا يُحتسب لا يُعترف به، وبالتالي لا يُموَّل ولا يُحمى ولا يُعترف به كحق.
لطالما طرحت الحركات النسوية إطارًا عمليًا لمعالجة هذا الظلم، يقوم على: الاعتراف، والتقليل، وإعادة التوزيع، وبشكل متزايد، المكافأة والتمثيل.
الاعتراف يعني الإقرار بأن الرعاية عمل، وقياس الوقت والجهد اللذين تتطلبهما. فالرعاية ليست شأنًا عاطفيًا؛ بل هي التزام تفرضه الأعراف الاجتماعية وتُبقيه سياسات الإهمال. ومن دون الاعتراف، تبقى الرعاية خارج الحسابات الوطنية، والاستثمار العام، وحقوق العمل.
أما التقليل، فيهدف إلى خفض الوقت والطاقة اللذين تنفقهما النساء في أعمال الرعاية، من خلال توفير الخدمات العامة والبنية التحتية: رعاية الأطفال، ورعاية المسنين، والرعاية الصحية، والنقل، والإدارة الميسّرة. لكن التقليل يصبح جائرًا بعمق عندما يتحقق عبر نقل العبء إلى نساء أفقر أو عاملات مهاجرات. فاستعانة الأسر بخدمات الرعاية عبر ترتيبات عمل استغلالية تعيد إنتاج اللامساواة بدل حلّها.
وتُعد إعادة التوزيع نقطة التحول السياسية الأساسية. إذ يجب تقاسم الرعاية بين الأسر وأصحاب العمل والمجتمعات والدولة. ويتطلب ذلك أيضًا تحدّي الأعراف الجندرية التي تَوصم الرجال الذين يقدّمون الرعاية، وتُطبع أيام العمل المزدوجة للنساء. فالرعاية ليست بيولوجية، ولا أنثوية بطبيعتها؛ إنها عمل اجتماعي يمكن للجميع، ويجب عليهم، القيام به.
وقد أسهم هذا المنطق بالفعل في ابتكارات سياساتية. فبعض الدول اعتمدت أنظمة رعاية قائمة على الحقوق، تعترف بالرعاية كمسؤولية عامة لا كمسألة عائلية خاصة. ودول أخرى أعادت تنظيم المدن على أساس عدالة الوقت، من خلال تجميع الخدمات الأساسية ضمن مسافات يمكن قطعها سيرًا على الأقدام، بما يمكّن النساء من استعادة الوقت للعمل أو الدراسة أو الراحة أو المشاركة في الحياة العامة. والهدف ليس إملاء كيفية استخدام النساء لوقتهن، بل إنهاء الافتراض القائل إن هذا الوقت متاح بلا حدود.
وفي صلب هذه المقاربات يكمن تحوّل نموذجي: عندما تصبح الرعاية حقًا، تتحول الدولة إلى جهة مُلزَمة بالمسؤولية. فلا يعود بإمكان وزارات المالية والعمل والصحة والتعليم الادعاء بأن الرعاية «مشكلة شخص آخر».
أكبر عائق أمام سياسات تتمحور حول الرعاية ليس قابليتها للتنفيذ، بل التقشّف. فالتقشّف يقوم على افتراض غير معلن: أن العمل غير المدفوع في الرعاية سيتكفّل بامتصاص صدمات الانهيار الاقتصادي، وتقليص الخدمات، وإدارة الأزمات. وعندما تتقلص الخدمات العامة، تسدّ النساء الفجوة، عبر العمل أكثر في المنزل، أو الخروج من سوق العمل المأجور، أو التضحية برفاهيتهن. والنتيجة عقوبتان معًا: خسارة الوظائف في القطاعات الاجتماعية، وتزايد أعباء العمل غير المدفوع في المنازل.
لهذا، فالرعاية ليست مسألة جندرية فحسب؛ إنها مسألة عدالة مالية. فالادعاءات بأن الرعاية «باهظة الكلفة» تتجاهل أدلة متزايدة على أن الاستثمار في الرعاية يحقق عوائد اقتصادية قوية. فالرعاية تخلق فرص عمل، وتعزّز المشاركة في سوق العمل، وتولّد إيرادات ضريبية أعلى، وغالبًا ما يكون لها أثر مضاعف يفوق ما يحققه الإنفاق على البنية التحتية التقليدية. الرعاية ليست كلفة ينبغي تقليصها؛ إنها بنية تحتية اجتماعية منتِجة.
وإذا كان لسياسات الرعاية أن تكون تحوّلية لا شكلية، فإن جملة من المبادئ أساسية:
-
التعامل مع الرعاية كحق، لا كإحسان أو إجراء طارئ.
-
بناء أنظمة شاملة، تُطلق تدريجيًا لكن تُصمَّم للتوسّع.
-
تنظيم عمل الرعاية والعمل المنزلي رسميًا، مع ضمانات عمل، وحماية اجتماعية، ومعايير قابلة للتنفيذ.
-
إنهاء الترتيبات القانونية والاقتصادية التي تتيح استغلال عاملات الرعاية المهاجرات.
-
الاعتراف بالرعاية في قوانين الأسرة، وأنظمة التقاعد، والحماية الاجتماعية.
-
تمويل الرعاية عبر خيارات مالية قائمة على التضامن، لا على تضحيات الأسر.
تُحدّد الرعاية من يملك الوقت والدخل والتنقل والصوت السياسي. وطالما بقيت مُخصخصة، ستظل مشاركة النساء في الحياة العامة مشروطة. إن التعامل مع الرعاية كبنية تحتية عامة ليس طرحًا جذريًا؛ بل هو استحقاق طال انتظاره.
الرعاية ليست مسألة خاصة. إنها من أوضح المؤشرات على ما إذا كان المجتمع يقدّر الحياة الإنسانية أكثر من حسابات محاسبية مريحة.