Jul 15, 2026
قوانين الأحوال الشخصية: مدخلٌ إلى سؤال المواطنة والسلطة - منار زعيتر
منار زعيتر
الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
منار زعيتر

قوانين الأحوال الشخصية: مدخلٌ إلى سؤال المواطنة والسلطة

تطرح قوانين الأحوال الشخصية، أو قوانين الأسرة أسئلةً كثيرة. ولا تنبع أهمية هذا المجال من كونه ينظم العلاقات الأسرية فحسب، بل لأنه يكشف طبيعة العلاقة بين الفرد والدولة والجماعة، وحدود السلطة التي تمنحها الدولة للمؤسسات الدينية والاجتماعية في تنظيم حياة الأفراد.

فهذا المجال ليس فضاءً تقنيًا خالصًا، بل ساحةً للتنافس بين فلسفات ورؤى مختلفة للذات والهوية الاجتماعية والقيم. والقانون ليس أداة محايدة تُطبَّق بحياد، بل هو مرآة تعكس منظومة القيم السائدة، وفي الوقت نفسه أداة تبني بها المجتمعات وعلاقاتها ومؤسساتها.

ويزداد هذا التعقيد حين يحضر بُعد خاص هو «الدين»، الذي لا يزال يمثل، بحسب عددٍ من الباحثين، ومنهم نصر حامد أبو زيد، مرجعيةً أخلاقيةً وروحيةً وقانونيةً حاضرة بقوة في مجتمعاتنا.

الأسرة بين النظام الاجتماعي وحقوق الفرد

ومن بين الأسئلة التي يثيرها هذا المجال ما يتصل بالدور التاريخي الذي لعبه الدين والأسرة في مقاومة الإصلاح القانوني، وبالارتباط البنيوي بين هذا الملف والسياق السياسي وخطاب الدولة تجاه النساء، فضلًا عن السؤال الأهم المتعلق بالأسرة نفسها: هل ينبغي النظر إليها بوصفها ركيزةً للنظام الاجتماعي من منظور جماعي، أم بوصفها مجالًا ينبغي أن يكون فيه الفرد وكرامته وحقوقه محور التشريع؟

وهل يمكن فعلًا الموازنة بين هاتين الفلسفتين، انطلاقًا من أن الدفاع عن هرمية الأسرة كان دومًا مدخلًا أساسيًا للحفاظ على النظام الأبوي بأبعاده الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية؟ لكن، في المقابل، هل يتطلب تحقيق العدالة للطرف الأضعف بالضرورة استيراد آليات وأطر فردانية تحوّل الزواج إلى ما يشبه «شركة مساهمة»؟

الدين بوصفه بنية معرفية وسلطوية

بلا شك، ما زال الدين عنصرًا مركزيًا ومكوّنًا فاعلًا في تشكيل الهوية الثقافية والعلاقات الاجتماعية، لا مجرد إرث تاريخي متجاوَز. وهو يمثّل، في العقلية الجمعية، ضابطًا اجتماعيًا يوحّد الناس ويحمي تماسك الأسرة بوصفها «رابطًا مقدسًا».

ومن هذا المنظور النسوي، تبرز الحاجة إلى تفكيك مفهوم الدين نفسه بوصفه مشكِّلًا للبنى المعرفية والسلطوية، لا بوصفه مجرد «قوانين أحوال شخصية»، ومن ثم تحديد موقعنا منه: هل هو قوةٌ تُكرّس هياكل قمعية تُنتج رؤى أبوية وتمييزية، أم قوةٌ ديناميكية قابلة للتفاوض يمكن أن تفتح مجالًا لتعزيز المساواة بين الجنسين؟

فإذا كان الدين هو السبب الجذري لاضطهاد النساء، فإن ذلك يستلزم مقاربةً أكثر عمقًا، ومختلفةً بشكل كبير عمّا لو كان مجرد نظام ثقافي من بين أنظمة متعددة تتضافر في إنتاج هذا الاضطهاد أو تقويضه.

الفرد والأبوية في البناء الاجتماعي العربي

ويقودنا التفكير في مقاربة مختلفة إلى التوقف عند مسألتين مركزيتين، هما الفرد والأبوية داخل البناء الاجتماعي العربي.

يشير المفكر المغربي محمد عابد الجابري إلى أن لفظ «فرد» في الخطاب العربي المعاصر محمّل بدلالات لم تكن حاضرة في الثقافة العربية التقليدية. إذ يتحدد معناه اليوم بوصفه مقابلًا لمقولتي المجتمع والدولة، وهو ما يحوّل ثنائية الفرد والمجتمع في الخطاب السوسيولوجي إلى ثنائية المواطن والدولة في الخطاب السياسي.

ولأن هذه الدلالات كانت غائبة عن التاريخ العربي الإسلامي، غابت أيضًا عن معاجم اللغة العربية التي لا تمنح لفظ «فرد» سوى دلالةٍ خالية من أي حمولة اجتماعية أو سياسية.

ولا يعني هذا أن التاريخ العربي خلا من الأفراد؛ فالناس الذين بنوه كانوا أفرادًا بالطبع. لكن الفارق الجوهري بين وضعية الفرد في المجتمع الحديث ووضعيته في ذلك التاريخ يكمن في الطرف الآخر الذي يتحدد الفرد بالنسبة إليه.

وهذا الطرف هو القبيلة، والغنيمة، والعقيدة، وهي محددات بنيوية للعقل السياسي العربي لا تؤسس للفكر والممارسة السياسيين فحسب، بل لبنية المجتمع نفسها. ومن ثمّ، يصعب بلورة مفهوم «المواطن الفرد»، مقابل التعامل مع الأفراد عبر وسائطهم الطائفية أو القبلية أو الأسرية، فيما تمثل قوانين الأحوال الشخصية الأداة القانونية الأقوى للحفاظ على هذه الوسائط.

الأبوية بوصفها بنية خطاب

من هنا، يفسِّر هذا التموضع التاريخي للفرد، جزئيًا، كيف نشأت الأبوية بوصفها بنية خطاب، لا مجرد ممارسة عابرة.

فالعلاقات الأبوية تمارس سلطتها عبر تكريس نموذجٍ أحادي يتدرج من الأسطورة إلى الأيديولوجيا: خطاب الأب في المنزل، والمعلم في قاعة الدرس، والشيخ في المجتمع الديني أو القبلي، والعالم في المؤسسة الدينية، والحاكم في المجتمع الأوسع، بحسب هشام شرابي.

وهو خطاب تراتبي وعمودي بطبيعته، عاجز بنيويًا عن تأسيس نظام عقلي حواري نقدي. أما ما يمنح «النظام الأبوي» مشروعيته هذه فهو موقفه من المرأة. ولذلك، يبقى النظام الأبوي حاضرًا في النص العربي كبنية سوسيولوجية تُؤسّس القمع المعمم ضد النساء، عبر مأسسة أجسادهن على نحو خاص، كما تقول نوال السعداوي.

هل مصدر الأبوية ديني أم اجتماعي؟

وهنا يبرز سؤال عن مصدر هذه الأبوية: هل إنَّ مصدرها هو العقيدة الإسلامية ذاتها، أم منظومة القيم والأعراف الاجتماعية؟

في الحالة الأولى، يقتضي أن يبدأ أي مشروع تغيير بتفكيك البنية الأبوية المترسخة في اللاوعي الثقافي العربي الإسلامي، عبر مسارات متعددة من أهمها تحرير السياسة وتحرير الثقافة، وإلا فإن أي تحديث لا يمس هذه البنية سيظل مجرد «زركشة» سطحية.

أما إذا اعتبرنا أن مصدرها هو الطبيعة الأبوية للمجتمعات الإسلامية عمومًا، لا الدين الإسلامي وحده، ففي هذه الحالة يقتضي أن يبدأ أي مشروع تغيير بتفكيك العلاقة والحدّ الفاصل بين الديني والاجتماعي، وبتحديد الجهات المستفيدة من إضفاء صبغة «المقدَّس» على ما هو اجتماعي لتكريس هيمنتها وشرعية قيمها.

ما وراء المقاربة القانونية والثقافية

أطرح هذه المقاربات المختلفة انطلاقًا من الحاجة إلى فهم قوانين الأسرة والأحوال الشخصية في تعدد أبعادها والعوامل البنيوية المؤسسة لها، بعيدًا عن الجانب التقني «القانوني» فحسب، وبعيدًا عن مدخل «الثقافة» وحدها أيضًا.

فقد جرى التعامل مع قضايا الأحوال الشخصية ومع مجمل قضايا النساء انطلاقًا من النظر إلى المجتمعات العربية بوصفها كتلة ثقافية متجانسة تعاني «عجزًا ثقافيًا»، بينما أُهملت قضايا ذات جذور سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة.

فأصبح الحديث عن تمكين النساء مرتبطًا بـ«تغيير ثقافة المجتمع» أو «تمكين الأفراد» فحسب، أكثر من ارتباطه ببنية السلطة. وأصبح الحديث عن قوانين الأسرة والأحوال الشخصية محصورًا في قضايا قطاعية مثل سن الزواج أو الحضانة أو الوصاية، بدلًا من ربطه بموقف الدولة من أجندة المساواة والمواطنة وعلاقة الأفراد بالمؤسسات السياسية والدينية والقانونية.

يأتي هذا بالتوازي مع سعي مجتمعاتنا إلى بناء هوياتها مستندة إلى «خطابات النسبية الثقافية» لتبرير التحفظ على حقوق النساء وتأجيل الاعتراف بها بذريعة حماية الخصوصية، عبر وضع أجساد النساء وقضاياهن في قلب معارك التعبئة تحت مسميات دينية وثقافية، وعبر تقييد وتحوير مبدأ حرية المعتقد، بما هو موقف عقلاني يساوي الإنسان بنفسه وبالآخر.

ثلاث مسائل أساسية لفهم قوانين الأحوال الشخصية

لا يدّعي هذا التحليل تقديم إجابات نهائية، بل يسعى إلى فتح باب التفكير والنقاش حول ثلاث مسائل مترابطة تبدو، في تقديري، أساسية لفهم موقع قوانين الأحوال الشخصية، وتاليًا استراتيجيات التعامل معها.

أولًا: إعادة موضعة الهرمية داخل الأسرة

تتمثل المسألة الأولى في إعادة موضعة الهرمية داخل الأسرة بوصفها أحد المداخل الأساسية للحفاظ على النظام الأبوي الاجتماعي والسياسي والديني.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى فك الاشتباك بين قوانين الأحوال الشخصية وما يتداخل معها من عوامل دينية وسياسية واقتصادية وثقافية، بدل اختزالها في بعدها القانوني وحده.

على سبيل المثال، في السياقات التي تتعدد فيها المرجعيات الدينية، كما في لبنان، تؤدي قوانين الأحوال الشخصية وظيفة سياسية أساسية، حيث تمرّ العلاقة القانونية للفرد مع الدولة، في جزء كبير منها، عبر المؤسسة الطائفية.

ثانيًا: الخروج من الثنائيات

تتمثل المسألة الثانية في الحاجة إلى الخروج من الثنائيات. فنقد الأبوية الدينية لا يعني بالضرورة القطيعة مع الدين لمن يختار غير ذلك، لكنه يعني رفض جعل حقوق النساء رهينةً لأي مرجعية كانت.

كذلك، فإن الإصلاح القانوني من منظور المساواة التامة لا يفترض استنساخ نماذج جاهزة تتجاهل البعد الديني للمجتمع، بل يستدعي مقاربة قادرة على مساءلة البنى المعرفية والسلطوية التي تتشكل من خلاله، وكيفية توظيفها في إنتاج علاقات الهيمنة أو إعادة إنتاجها.

ثالثًا: موقع التيارات النسوية داخل النقاش

تتمثل المسألة الثالثة في التساؤل عن موقع التيارات النسوية نفسها داخل هذا النقاش. فإذا كان الإصلاح القانوني لا ينفصل عن أدوات الفاعلين الاجتماعيين، فإن ذلك يقود إلى التساؤل عن مسار وآليات وأدوات قدرة هذه التيارات على إنتاج موقف ذي عمق فكري ومرجعي، وأكثر قدرة على التأثير في الجمهور الذي تخاطبه.

فالنقد الجذري للمرجعية الدينية يمتلك صحة التشخيص بالنسبة إليّ وإلى كثيرين، لكن هل يمتلك أدوات تفكيك الدين بوصفه بنى معرفية وسلطوية؟

أم إن الانشغال بمتطلبات النضال المطلبي، سعيًا وراء نتائج قريبة ملموسة، قد جعله قلّما يقف متسائلًا عن الدعامة النظرية لما يرفعه من مطالب وما يقترحه من برامج؟

وأليس ذلك باعثًا على ضرورة الفلسفة للفكر النسوي، تأسيسًا وتسويغًا وتوجيهًا، لكي تكون حركة تحرير المرأة في المجتمعات العربية متينة، وقادرة على امتلاك أدوات الاشتباك المجتمعي الكافية لإحداث التغيير الفعلي؟

احدث المنشورات
Jul 04, 2026
النشرة الشهرية (أيار/مايو) - إعادة الإعمار في المنطقة بعد الحرب: بناء العدالة، وليس المدن فحسب
Jul 02, 2026
إعادة إعمار عادلة تحت الاحتلال في لبنان - سهى منيمنة