لا قاع يُرتطم به: أزمات لبنان المتراكمة
تعافٍ لم يكتمل بنيانه
دخل لبنان عام 2026 على إيقاع تقدّمٍ هشّ على الرغم من ثقل تاريخه القريب. فقد انتُخب رئيسٌ للجمهورية، وشُكِّلت حكومة، وانطلقت مسارات إصلاحية مؤسسية كان قد كبّلها الشلل السياسي لسنوات. وعُدِّل قانون السرية المصرفية، وأُقرّ في تموز/يوليو 2025 قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ما وضع للمرة الأولى إطارًا قانونيًا لمعالجة إعسار النظام المصرفي، بخسائر تُقدَّر بنحو 72 مليار دولار. وفي إصدار شتاء 2025 من تقرير مرصد الاقتصاد اللبناني، توقّع البنك الدولي أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4% في العام 2026، شرط استمرار زخم الإصلاح، واستقرار المشهد السياسي، واستقطاب تدفقات مالية معقولة لإعادة الإعمار. أما التضخّم الذي استنزف القدرة الشرائية للأسر على مدى ست سنوات مضت، فقد توقع التقرير أن يتراجع إلى رقم أحادي للمرة الأولى منذ العام 2019، فيما سجّلت احتياطات العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان مسارًا تصاعديًا مطّردًا مع نهاية العام 2025.
غير أنّ ما بدا تحسّنًا على السطح أخفى تحته بنيةً لم تتبدّل منذ اندلاع الأزمة في العام 2019. فقد ظلّ الدين العام مرتفعًا، وظلت إعادة هيكلته خارج المتناول في العام 2026. وبقي لبنان مُستبعَدًا عن أسواق المال الدولية، بعد ست سنوات كاملة على تخلّفه عن سداد سندات اليوروبوند في آذار/مارس 2020، من دون أي انخراط جدّي مع حاملي هذه السندات. أما السياسة المالية، فافتقرت إلى إطارٍ متوسط الأجل، وهو شرط أساسي يضعه صندوق النقد الدولي لأي انخراطٍ برامجي. وعلى الرغم من إقرار الحكومة في كانون الأول/ديسمبر 2025 لقانون الفجوة المالية، باعتباره الركيزة الأساسية لتوزيع خسائر القطاع المالي وتفعيل قانون إعادة الهيكلة، لم يُقرّه مجلس النواب قبل عودة الحرب. في المحصّلة، بقيت هندسة التعافي الجدّي حبرًا على ورق إلى حدٍّ كبير. ثم جاءت حرب آذار/مارس 2026 لتُطيح بهذا البناء الهشّ أصلاً.
الحساب غير المسدّد لحرب 2023–2024
قبل أن يتمكّن البلد من ترسيخ أيّ قدرٍ من الاستقرار الهشّ الذي لاحت ملامحه في العام 2025، خلّفت حرب 2023–2024 عبئًا اقتصاديًا هائلاً لم يُعالج بعد. وأظهر التقييم السريع للأضرار والاحتياجات الصادر عن البنك الدولي في مارس/آذار 2025 نتائجَ يتعيّن فهم حجمها بدقة، لأنها تشكّل خطّ الأساس الذي ينطلق منه تصعيد عام 2026. فقد بلغ إجمالي الأضرار المادية التي لحقت بالأصول في عشرة قطاعات 6.8 مليارات دولار.
أمّا الخسائر الاقتصادية، المحسوبة على فترة 26 شهرًا تشمل النزاع وسنة التعافي الأولى، فقد وصلت إلى 7.2 مليارات دولار. وقد قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بما يقارب 11 مليار دولار. وكان العبء الأكبر من هذا الدمار المادي من نصيب قطاع الإسكان، الذي استأثر وحده بنحو 4.6 مليارات دولار، (أي ما يعادل 67% من إجمالي الأضرار). وفي المقابل، تركزت قرابة نصف الخسائر الاقتصادية في قطاعات التجارة والصناعة والسياحة، نتيجة الاضطراب الواسع في الأنشطة التجارية وانهيار حركة السفر الداخلي.
الصدمة الاقتصادية الفورية: صورة منهجية شاملة
وفقًا لوزارة الاقتصاد والتجارة اللبنانية، بلغت الخسائر الاقتصادية اليومية خلال الأسبوعين الأولين من الحرب الإسرائيلية على لبنان في مارس/آذار 2026 ما بين 60 و80 مليون دولار، من دون احتساب الأضرار التي لحقت بالمساكن والمؤسسات التجارية والوحدات الصناعية والأراضي الزراعية والبنية التحتية. ووفق التقييمات الأمنية، قُدّرت الأضرار المادية التي طالت المباني والبنى التحتية بالقيمة نفسها تقريبًا، أي بين 60 و80 مليون دولار يوميًا، فيما أشار مراقبون ميدانيون إلى أن حجم الدمار تجاوز بالفعل ما سُجّل في حرب 2024. أما المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فجاء تقديره للخسائر الاقتصادية اليومية أكثر تحفظًا، لتتراوح بين 30 و50 مليون دولار. وقدّر بنك "بلوم إنفست" من جهته الخسائر اليومية بنحو 45 مليون دولار، ما يشير إلى كلفة اقتصادية دنيا تبلغ نحو 650 مليون دولار بعد أسبوعين من بدء الحرب، وتصل إلى 1.3 مليار دولار بنهاية مارس . وتُظهر البيانات القطاعية هذا المشهد الكلي بصورة أكثر تفصيلًا. فقد تراجع النشاط التجاري بنسبة 50% عن مستوياته ما قبل الحرب خلال أسبوعين، نتيجة انهيار يتراوح بين 60 و80% في مبيعات السلع غير الأساسية. وانكمش القطاع الصناعي بنسبة 50% بفعل توقف الإنتاج في مناطق النزاع وتعليق الصادرات إلى دول الخليج. كما تراجع القطاع الزراعي بنسبة 40% نتيجة توقف الإنتاج في المناطق التي طالتها الغارات وإغلاق قنوات التصدير. بالتوازي، سجّل سعر النفط ارتفاعًا بنسبة 45% منذ بداية الحرب، ما أدى إلى زيادة كلفة النقل والشحن، وتأجيج ضغوط التضخم، وتهديد ما تبقى من القدرة الشرائية للأسر.
وفقًا لمؤشر مديري المشتريات الصادر عن بنك لبنان والمهجر (بلوم) لشهر آذار/مارس 2026، تراجع المؤشر بشكل حاد إلى 47.4 مقارنة بـ51.2 في شباط/فبراير، لينخفض إلى ما دون عتبة 50 نقطة الفاصلة بين النمو والانكماش للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر، مسجّلًا أدنى مستوى له منذ 17 شهرًا. وخلص تقرير مؤشر مديري المشتريات إلى أن "التطورات الإيجابية في العام 2025، رغم أهميتها، لا تزال هشّة، إذ إن المخاطر الأمنية وضعف الطلب وتراجع التوقعات وتأخر الإصلاحات كلّها تُواصل تعتيم الآفاق، وتحول دون ترجمة الأوضاع الراهنة إلى تعافٍ مستدام وشامل".
وعلى المستوى النقدي، تبدو الصورة قاتمة أيضًا. فالتضخم الذي سلك منحىً تراجعيًا مستمرًا باعتباره أحد الإنجازات القليلة الحقيقية في جهود بسط الاستقرار في العام 2025، عاد للارتفاع إلى 12.27% في شباط/فبراير 2026، مقارنة بـ10.9% في كانون الثاني/يناير، وذلك قبل أن تتبلور بالكامل تداعيات صدمة الأسعار الناتجة عن الحرب. وقد فرضت حرب 2026 ضغوطًا فورية على ميزانية مصرف لبنان، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في احتياطاته من النقد الأجنبي إلى 11.53 مليار دولار طوال شهر آذار/مارس. غير أن هذه الاحتياطات ما لبثت أن ارتفعت بمقدار 142.65 مليون دولار خلال الأسبوعين الأولين من نيسان/أبريل، لتصل في نهاية المطاف إلى 11.7 مليار دولار، وفق الميزانية العمومية لمصرف لبنان المركزي.
انهيار الهيكلية الإصلاحية
لم يقتصر أثر مارس/آذار 2026 على إلحاق أضرار اقتصادية جديدة ببلد هشّ ومثخن أصلًا بالجراح، بل تمثّل أبرز تداعياته على المسار اللبناني طويل الأمد في تفكك الهيكلية الإصلاحية، تلك التي كانت تشكّل الشرط المسبق لأي انخراط أو دعم مالي دولي جدي.
وفي اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن في نيسان/أبريل 2026، أشارت تقارير إعلامية إلى أن أجندة الوفد اللبناني عكست بوضوح تحوّلًا مفاجئًا من الإصلاحات البنيوية والمالية والضريبية إلى الإغاثة الفورية والتعافي والمساعدات. فبدل مناقشة برنامج الإصلاح الشامل، سعى الوفد إلى إعادة ترتيب الأولويات ضمن القروض القائمة، وفتح محادثات مع صندوق النقد للحصول على تمويل طارئ سريع يتراوح بين 800 مليون ومليار دولار، يهدف حصريًا إلى امتصاص تداعيات الحرب. كما وقّع الوفد قرضًا بقيمة 200 مليون دولار من البنك الدولي لتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي الطارئة "أمان" لصالح الفئات الأكثر هشاشة في لبنان.
حتى الإطار المالي متوسط الأجل الذي كانت تعمل عليه وزارة المالية تعرّض للانهيار، إذ يعتمد هذا الإطار الذي يشترطه صندوق النقد على توقعات متعددة السنوات للنمو والتضخم والاستهلاك وحركة الاستيراد. وقد تبيّن أن جميع هذه الفرضيات قد أبطلتها الحرب. إذ يعتمد لبنان بشكل أساسي على الضرائب غير المباشرة المرتبطة بالاستهلاك والاستيراد، وهي مصادر تضررت بشدة بفعل الحرب. في المقابل، تواجه الدولة مطالب إنفاق طارئة تفوق قدراتها، تشمل دعم النازحين، وإصلاح البنى التحتية المتضررة، وضمان الحد الأدنى من استمرار الخدمات الأساسية في ظل القصف.
ويبقى تمويل أوجه العجز هذه غير محسوم، خصوصًا في ظل تردد مصرف لبنان في استئناف تمويل الدولة، إذ تبقى أولويته الأساسية ضبط توسّع الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية.
وبخلاف الإطار المالي، جرى تهميش إصلاح القطاع المصرفي بالكامل. فقد أرجأ مجلس النواب، الذي كان منشغلًا سابقًا باحتمال إجراء انتخابات في أيار/مايو 2026، إقرار قانون الفجوة المالية وقلّص أولوية جدول أعمال الإصلاحات. واستمر هذا التراجع في الأولويات بعد تأجيل الانتخابات لمدة عامين، ما أدى إلى تمديد ولاية البرلمان والحكومة، بذريعة أن القضايا الأمنية والسياسية والجيوستراتيجية، بما في ذلك نزع سلاح حزب الله وإمكانية التفاوض مع إسرائيل، تتقدم على سائر الملفات.
الصدمة الخليجية والغموض الذي يحيط بمستقبل التحويلات المالية إلى لبنان
أبرزُ ما يميّز الأزمةَ الراهنةَ عن حلقات النزاع السابقة في لبنان أنّها لا تقتصر على ما يجري داخل حدوده، إذ تتصاعد المواجهة العسكرية على الصعيد الإقليمي، بما في ذلك الحرب على إيران من جهة، والعدوان الإيراني المباشر على دول مجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى، ممّا يطرح تساؤلاً حول مدى استدامة المصدر الأساسي لأهم تدفّق مالي خارجي للبنان، والمتمثّل في تحويلات المغتربين.
ولا يُعدّ اعتماد لبنان البنيوي على هذه التحويلات أمرًا عرضيًا في وضعه الاقتصادي، بل يشكّل ركنًا تأسيسيًا فيه. فقد أشار تقرير مرصد الاقتصاد اللبناني الصادر عن البنك الدولي لشتاء 2025 أنّ هذه التحويلات، إلى جانب الإيرادات السياحية المحدودة، أسهمت إسهامًا رئيسيًا في تحقيق نموٍ بلغ 3.5% في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025، كما أكّد أنّ الاستهلاك الخاص، الذي تُغذّيه هذه التدفقات، كان "المحرّك الأساسي للنمو". وتُظهر تقديرات أخرى أنّ هذه التحويلات تُشكّل نحو 33% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعل لبنان من أكثر دول العالم اعتمادًا عليها، متقدّمًا بفارقٍ كبير على الأردن (8–9%)، ومصر (6–8%)، والمغرب(6%). ومن غير المؤكد حتى الآن حجم آثار الحرب الإقليمية كما الآثار على حجم هذه التحويلات وتدفّقها، إذ تعتمد هذه المسألة على سرعة انتهاء النزاع، وحجم الخسائر الاقتصادية، ومدى تراجع النشاط الاقتصادي، وفرص العمل، ومستويات الدخل.
ويواجه لبنان، في ظل هذا الغموض، مخاطر لا يمكن الاستهانة بها، إذ يشهد تباطؤاً في نشاطه الاقتصادي الداخلي، وتعثّرًا في مسار الإصلاح، واحتمال تآكل التدفقات المالية الخارجية التي عوّضت جزئيًا عن آليات الدعم الاقتصادي الأخرى، في وقتٍ لا تزال فيه النخبة السياسية تفتقر إلى الإرادة اللازمة لتنفيذ الإصلاحات. ومن ثمّ يبرز سؤالٌ ملحّ: هل يبلغ لبنان القاع هذه المرّة، أم ينجح اللبنانيون، بما عُرف عنهم من قدرة على الصمود، في ابتكار سُبلٍ جديدة للتكيّف؟
احدث المنشورات
تعددية الأطراف عند مفترق طرق: من أزمة النظام إلى أزمة العدالة في المنطقة العربية - زياد عبد الصمد