May 22, 2026
لماذا ما زلنا نشارك؟ تأملات من الدورة السبعين للجنة وضع المرأة - كارلا عقيل
كارلا عقيل
باحثة ومنسقة مشاريع

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
كارلا عقيل

لماذا ما زلنا نشارك؟ تأملات من الدورة السبعين للجنة وضع المرأة (CSW70)

كارلا عقيل

شكّلت مشاركتي هذا العام في لجنة وضع المرأة التابعة للأمم المتحدة (CSW) المرة الرابعة لي في هذا الحدث السنوي، الذي يُعدّ أكبر تجمع عالمي مخصص للمساواة الجندرية وحقوق النساء. ففي كل عام، يجتمع ممثلو الحكومات ووكالات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني والناشطون/ات في نيويورك لتقييم التقدم المحرز، والتفاوض حول الأولويات، والدفاع عن حقوق النساء على المستوى العالمي.

ركّزت الدورة السبعون هذا العام على ضمان وتعزيز وصول جميع النساء والفتيات إلى العدالة، من خلال أنظمة قانونية شاملة وعادلة، وإلغاء القوانين والسياسات والممارسات التمييزية، ومعالجة العوائق البنيوية. كما أعادت المراجعة التركيز على مشاركة النساء في الحياة العامة والقضاء على العنف ضد النساء والفتيات.

بدا موضوع الدورة هذا العام شديد الإلحاح، خصوصًا في لحظة تواجه فيها نساء كثيرات حول العالم، لا سيما في المناطق المتأثرة بالنزاعات مثل منطقتنا، تضييقًا متزايدًا على الحيز المدني، وهجمات على الحقوق، وتراجعًا في الحمايات القانونية، وتصاعدًا في العوائق المرتبطة بالعدالة والمساءلة. وفي منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا (SWANA) تحديدًا، لا يمكن فصل النقاش حول حقوق النساء عن واقع الحرب والنزوح والاحتلال والانهيار الاقتصادي والاستبداد. فهذه الأزمات تؤثر بشكل عميق على الحياة اليومية للنساء، وعلى وصولهن إلى الأمان، والتنقل، والرعاية الصحية، وسبل العيش، والمشاركة السياسية.

وكما جرت العادة، كانت المشاركة من منطقتنا محدودة للغاية. بل إنني لاحظت خلال السنوات الأخيرة تراجعًا مستمرًا في حجم المشاركة القادمة من منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا. ويمكن تفهّم هذا التراجع لأسباب عديدة. أولًا، أصبح الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة أكثر صعوبة وكلفةً وعدم قابلية للتوقع بالنسبة للعديد من الناشطين/ات والباحثين/ات والعاملين/ات في المجتمع المدني في منطقتنا. وإلى جانب رفض التأشيرات أو التأخير في إصدارها، هناك أيضًا خوف متزايد لدى كثيرين من التوقيف أو الاستجواب أو منع الدخول في المطارات الأميركية. وهذه المخاوف ليست افتراضية، بل تؤثر فعليًا على قرار الأشخاص بشأن محاولة السفر من الأساس.

في الوقت نفسه، تعيش منطقتنا منذ سنوات حالة مستمرة من الحرب والنزوح وعدم الاستقرار. وفي حالتي الشخصية، تعرّضت المنطقة الواقعة عند نهاية شارعي للقصف ليلة سفري إلى نيويورك، رغم أنها تُعتبر “أكثر أمانًا” مقارنة بمناطق أخرى في بيروت. اضطررنا حينها إلى تغيير تذاكر السفر في اللحظة الأخيرة، وأصبح العثور على بدائل شبه مستحيل، فيما تضاعفت الأسعار ثلاث مرات خلال ليلة واحدة. وبالنسبة لكثيرين غيري، لم تكن المشاركة في CSW ممكنة ماليًا أو لوجستيًا أو نفسيًا. ومع ذلك، وصلنا إلى هناك رغم كل شيء. وربما كانت هذه الحقيقة بحد ذاتها من أكثر ما شكّل تجربة كثيرين منا داخل هذا الفضاء هذا العام.

ومن أبرز الملاحظات خلال دورة هذا العام، الفارق الواضح بين الفعاليات الرسمية التابعة للأمم المتحدة، وتلك الموازية التي نظمتها منظمات المجتمع المدني. فعلى الرغم من أن كلا النوعين يندرجان رسميًا ضمن إطار CSW، إلا أنهما يختلفان سياسيًا بشكل كبير.

بدت الفعاليات الرسمية، التي تنظمها عادة الدول الأعضاء ووكالات الأمم المتحدة، منزوعًا عنها الطابع السياسي إلى حد كبير، وهو أمر غير مفاجئ. فقد ظلت النقاشات في كثير من الأحيان تقنية وحذرة ومنفصلة عن إلحاح اللحظة السياسية الراهنة. وكان التركيز الأكبر على اللغة السياساتية والالتزامات المؤسسية وأطر التنمية، مقابل غياب واضح للاستعداد لمواجهة الحقائق التي تقوّض حقوق النساء عالميًا بشكل مباشر. كما بدت النقاشات المتعلقة بالعسكرة، والاعتداءات على الحيز المدني، والعنف الذي تمارسه الدول، والقمع، وتصاعد الحركات المناهضة للحقوق، إما مخففة أو غائبة بالكامل.

في المقابل، كانت العديد من الفعاليات الموازية التي نظمتها الحركات النسوية ومنظمات المجتمع المدني أكثر مباشرة وإلحاحًا وتجذرًا سياسيًا. فقد تناولت هذه المساحات بشكل صريح الهجمات على الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، وتجريم التنظيم النسوي، وحماية المدافعات عن حقوق الإنسان، والمراقبة الرقمية، والتصاعد المنسّق للحركات المناهضة للحقوق عالميًا. وبدا أن هذه النقاشات تعكس بصورة أكبر الواقع الذي تواجهه الحركات النسوية اليوم.

وقد أصبح هذا التوتر المتزايد بين الخطاب المؤسساتي والواقع النسوي القاعدي أكثر وضوحًا خلال السنوات الماضية. ولا تزال حادثة وقعت خلال دورة العام الماضي معبّرة بشكل خاص. ففي إحدى الفعاليات المخصصة لمناقشة الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، تعمّد أفراد مرتبطون بجماعات مناهضة للإجهاض تعطيل الجلسة عبر منصة “Mentimeter” المستخدمة لمشاركة الجمهور. فقد أغرقوا الشاشة برسائل تتهم المشاركين/ات بالترويج لـ”قتل الأطفال” وغيرها من الخطابات التحريضية. وعندما واجههم المنظمون/ات وطلبوا تدخل الأمن، أنكروا مسؤوليتهم رغم أن عملية التعطيل كانت واضحة ومنسقة.

وما كان لافتًا حقًا لم يكن التعطيل بحد ذاته فقط، بل مستوى التنظيم الذي تقف خلفه هذه الجماعات. فالحركات المناهضة للحقوق اليوم تتمتع بقدرات استراتيجية عالية، وروابط عابرة للحدود، وتمويل ضخم. وهي تستثمر بشكل مكثف في المناصرة والضغط والحملات الرقمية والتدخلات المنسقة داخل الفضاءات الدولية مثل الأمم المتحدة. ولا يمكن للحركات النسوية والتقدمية أن تستخف بهذه الحقيقة. فرغم الاختلاف الجذري في القيم والسياسات، ثمة الكثير مما يمكن تعلمه من مستوى التنسيق والتخطيط طويل الأمد وحشد الموارد الذي نجحت هذه الجماعات في تطويره.

ومن أبرز التأملات التي أثارتها دورة هذا العام أيضًا، الأسئلة المتزايدة حول جدوى هذا الفضاء وفعاليته. فقد اختارت العديد من المنظمات والأفراد مقاطعة CSW بالكامل هذا العام، لأسباب متعددة ومفهومة: القيود المرتبطة بالتأشيرات، وكلفة المشاركة وصعوبتها، والإحباط من محدودية مسارات الأمم المتحدة، والتشكيك المتزايد في قدرة المؤسسات الدولية على الاستجابة الجدية للفظائع والانتهاكات المستمرة.

هذه الانتقادات مشروعة بالفعل. فثمة غضب متزايد تجاه الفضاءات متعددة الأطراف التي تبدو في كثير من الأحيان منفصلة عن الواقع الميداني، خاصة بالنسبة للمجتمعات التي تعيش الحروب والاحتلال والنزوح القسري والانهيار الاقتصادي. ويتساءل كثير من الناشطين/ات عمّا إذا كانت هذه المنتديات لا تزال تحمل إمكانية تغيير حقيقية، أم أنها باتت مجرد مساحات رمزية منفصلة عن التحولات السياسية المادية الفعلية.

ومع ذلك، خرجت هذا العام من CSW أكثر اقتناعًا بأن الانسحاب الكامل من هذه المساحات سيكون خطأ. فنحن نعيش في سياق عالمي يشهد تقلصًا متسارعًا للحيز المدني والسياسي. والحركات النسوية تتعرض للهجوم في أماكن عديدة حول العالم. كما يتم تجريم المدافعين/ات عن حقوق الإنسان، بينما يصبح تمويل العمل النسوي والحقوقي أكثر هشاشة وصعوبة. وفي المقابل، توسّع الحركات المناهضة للحقوق نفوذها داخل المؤسسات الدولية ومساحات صنع السياسات بشكل عدواني ومتسارع.

في ظل هذه الظروف، لا يمكننا التخلي عن المساحات العالمية القليلة التي لا تزال تتيح للأصوات النسوية التدخل والتنظيم والتوثيق والمقاومة وبناء التضامن. صحيح أن هذه المساحات غير مثالية وغير متكافئة وغالبًا ما تكون محبطة للغاية، لكن انسحاب الحركات النسوية منها بالكامل سيتركها مفتوحة أمام الحركات المناهضة للحقوق لتفرض هيمنتها دون مواجهة.

«كما قالت لي مرشدتي، لينا ابو حبيب، ذات مرة في لحظة من اليأس: «أقل ما يمكننا فعله هو أن نجعل الأمر صعبًا عليهم.»

وربما تكون هذه واحدة من أهم الدروس التي حملتها معي من دورة هذا العام. ففي لحظة يتقلص فيها الحيز المدني وتتزايد فيها الهجمات على التنظيم النسوي، فإن التخلي الكامل عن هذه المنصات يعني تركها للحركات المناهضة للحقوق. هذه المساحات لم تكن لتوجد لولا عقود من النضال النسوي والمناصرة والتنظيم. ولا يمكننا ببساطة أن نسلّمها. فالبقاء حاضرًا، وخوض المواجهة داخل هذه المساحات، ورفض التخلي عنها، هو بحد ذاته جزء من النضال.

احدث المنشورات
May 22, 2026
اجتماعات الربيع لصندوق النقد: لغة جديدة وأدوات قديمة - محمد رمضان
May 22, 2026
من مرحلة ما قبل المنتدى العربي للتنمية المستدامة إلى المنتدى السياسي الرفيع المستوى 2026: رؤى المجتمع المدني من المنطقة العربية - بيهتر موسكيني