Apr 20, 2021
ملخص تقرير تسليط الضوء على التنمية المستدامة 2020 - عالم مضطرب بحاجة إلى تغيير جذري

نظرة عامة - ملخص تقرير تسليط الضوء على التنمية المستدامة 2020 / سبوت لايت

عالم مضطرب بحاجة إلى تغيير جذري

بقلم ينس مارتينس، منتدى السياسة العالمية


لتحميل الملخص الرجاء الضغط هنا - ولتحميل التقرير كامل باللغة الإنجليزية الرجاء الضط هنا


لقد أدت جائحة كوفيد-19 والاستجابات الوطنية لها إلى حالة إغلاق شبه تام في جميع أنحاء العالم تقريبًا. توقفت الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العديد من الأماكن، وأغلقت الحدود وانقطعت الحركة التجارية. في جميع مناطق العالم تدخلت الدول بدرجات متفاوتة لتقييد حريات مواطنيها من أجل إبطاء انتشار الوباء ومنع أنظمة الرعاية الصحية من الانهيار.

لا يمكن حتى الآن التنبؤ بشكل كامل بالعواقب السياسية والاقتصادية والاجتماعية الطويلة المدى لـكوفيد-19. إلا أن هناك دلائل على أن التدابير البعيدة المدى المتخذة لمكافحة الوباء سيكون لها تأثير هائل على حقوق الإنسان وتحقيق أهداف التنمية المستدامة المتفق عليها دولياً. يؤثر الركود الاقتصادي العالمي الحالي على جميع دول العالم، فقد ارتفعت معدلات البطالة والفقر والجوع بشكل كبير، كما أن تدابير مكافحة الاحتباس الحراري وانقراض الأنواع قد تنزل إلى أسفل قائمة الأولويات السياسية.



وما يزيد الوضع سوءاً أن العديد من البلدان كانت تواجه مشكلات اجتماعية وبيئية واقتصادية ضخمة حتى قبل الأزمة، ولم تختف تلك الأزمات الآن. كما يستمر تغير المناخ مع عواقبه المدمرة بوتيرة سريعة، ويؤدي التمييز العنصري والجنساني المنهجي إلى إدامة عدم المساواة والظلم وتقويض التكاتف الاجتماعي، ويمثل العدد المتزايد للأنظمة الاستبدادية في العالم انتكاسة خطيرة لحقوق الإنسان والتحول الاجتماعي والإيكولوجي المطلوب بشكل ملحّ.

بالإضافة إلى ذلك، حتى قبل تفشي فيروس كورونا، كانت قد تدهورت حالة الاقتصاد العامة في العديد من البلدان بسبب الحلقة المفرغة للديون وسياسات التقشف التي تهدد التنمية الاجتماعية والاقتصادية.



خسائر وأضرار هائلة، لكنها موزعة بصورة غير متكافئة


عندما تم اكتشاف فيروس كورونا الجديد لأول مرة في الصين في نهاية عام 2019 كان من شأن قرار إغلاق مناطق واسعة من أجل وقف انتشار الفيروس حماية حياة المواطنين قبل كل شيء، على أن يتم التعامل مع الخسائر والأضرار الاقتصادية في وقت لاحق. اتخذت معظم حكومات العالم واحدة تلو الأخرى قرارات مماثلة (وإن لم يكن بشكل جماعي) وقيّدت حرية التجمع والتنقّل للسكان على نطاق عالمي غير مسبوق. وقد أثر ذلك على البلدان بطرق مختلفة، حسب سياقها الاجتماعي والاقتصادي. الخسائر والأضرار هائلة، لكنها موزعة بصورة غير متكافئة على البلدان المختلفة.



فقد أشار إلى ذلك الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بوضوح عندما قال: "لقد تم تشبيه كوفيد-19 بالأشعة السينية، فقد كشف الوباء عن كسور في الهيكل العظمي الهش للمجتمعات التي بنيناها، وفضح المغالطات والزيف في كل مكان، منها أكذوبة أن الأسواق الحرة يمكن أن توفر الرعاية الصحية للجميع، وأن عمل الرعاية غير مدفوع الأجر ليس عملاً، والوهم بأننا نعيش في عالم ما بعد العنصرية، وكذلك الأسطورة أننا جميعاً في نفس القارب. إذ بينما نطفو جميعنا على البحر نفسه، من الواضح أن بعضنا في يخوت عملاقة، بينما يتشبث البعض الآخر بالحطام العائم".



رداً على هذه المشكلات هزت احتجاجات شعبية كانت نساء تقود العديد منها عددًا متزايدًا من البلدان في جميع أنحاء العالم، ففي الإكوادور وتشيلي والبرازيل والأرجنتين والهند ومصر ولبنان وغيرها خرج ملايين الأشخاص إلى الشوارع في أواخر عام 2019 وأوائل عام 2020. صحيح أن الخوف من كوفيد-19 وحظر التجول وغير ذلك من تعليمات "ابق في المنزل" أفرغت الشوارع من المتظاهرين مؤقتًا، ولكن بعد بضعة أشهر عاد الناس إلى الشوارع مرة أخرى في العديد من البلدان، بما في ذلك في تشيلي ولبنان، وكذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، للاحتجاج على العنف والتمييز والجوع و انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان.



استجابات مالية غير مسبوقة


استجابت بعض الحكومات ومنظمات دولية للأزمات الاقتصادية والصحية الناتجة عن جائحة كوفيد-19 والإغلاق العام المتعلق بها. بلغ إجمالي إجراءات السيولة المعلنة وحُزم الإنقاذ وبرامج التعافي 11 بليون دولار أمريكي في أنحاء العالم. فقد اتخذت حوالي 196 دولة وإقليم تدابير سياسية، وإن كانت مختلفة جداً في نطاقها وحجمها، حسب قدراتها المالية ومجال تصرفها السياسي. في العديد من البلدان، لا سيما في جنوب العالم، تكون القدرة المالية ومجال الحراك السياسي مقيدين إلى حد بعيد، مما يجعل تحقيق أجندة عام 2030 وأهداف التنمية المستدامة غير واقعي. وبدون تدابير مضادة فعالة ومتعددة الأطراف ستزداد الفوارق الاقتصادية وعدم المساواة بين البلدان الغنية والفقيرة بصورة ملحوظة. هكذا يمكن اعتبار كوفيد-19 نداء إيقاظ عالمي من أجل تعاون وتضامن دوليين.



في كثير من الأحيان تم استخدام برامج الإنقاذ - مؤقتاً على الأقل - لسد الفجوات المالية الموجودة بسبب ضعف أنظمة الضمان الاجتماعي وغياب الخدمات العامة الفعالة. لا تواجه الحكومات الوطنية فحسب، بل الحكومات المحلية ومقدمو الرعاية الصحية أيضاً تحديات كبيرة في الاستجابة لآثار الأزمة. كان عليهم اتخاذ تدابير طارئة وإنشاء خدمات جديدة لتطبيق عمليات الإغلاق المناسبة واحتواء انتشار الفيروس في مجتمعاتهم. ولكن بعد أن تنتهي المرحلة الأولى من تدابير الدعم بسبب كوفيد-19 ستواجه العديد من المدن زيادة هائلة في نسبة التشرد والجوع، حتى في البلدان الغنية. تلك هي نتيجة حقيقة أن الحكومات أمضت سنوات عديدة في تحرير الأسواق، وخفض التمويل أو الخصخصة للخدمات العامة، بما في ذلك الرعاية الصحية، وإهمال الإسكان الاجتماعي.



حتى قبل كوفيد-19 كانت العديد من بلدان الجنوب العالمي تعاني من أزمات اقتصادية بسبب سياسات مالية تقشفية وتزايد الديون وتدابير سياسة التوفير التي جعلت هذه البلدان أكثر عرضةً لأزمات مستقبلية. ونتيجة لذلك تواجه معظم الحكومات قيوداً مالية ضاغطة في الاستجابة للأزمة الحالية، تفرضها جزئياً شروط صندوق النقد الدولي وتبعية الحكومات للأسواق المالية الدولية ووكالات التصنيف الائتماني، وتفاقمت الأزمة مع تراجع حاد في الإيرادات العامة بسبب انخفاض مدفوعات الضرائب وعائدات التصدير.



لذلك ليس مستغرباً أن تكون الاستجابات المالية لبلدان الجنوب العالمي لفيروس كوفيد-19 أقل بكثير من تدابير بلدان شمال الكرة الأرضية، ليس فقط من ناحية الأرقام المطلقة، بل أيضاً نسبةً بالناتج المحلي الإجمالي.



في المرحلة الأولى شمل العديد من برامج الطوارئ الحكومية الخاصة بـكوفيد-19 بعض العوامل الاجتماعية، فكانت تهدف إلى توفير دعم خاص (مستهدف نوعاً ما) للأسر المحتاجة ومنع البطالة والحفاظ على الشركات الصغيرة وسيولتها. ولكن بغض النظر عن أنّ حتى مبالغ ضخمة من الأموال لا يمكن أن تمنع زيادة البطالة والفقر وإفلاس الشركات في العالم؛ فإن الإجراءات المؤقتة أنتجت في أفضل الأحوال ومضة ستنطفئ بسرعة عندما ينتهي الدعم، وبالتالي ستأتي الكارثة الاجتماعية متأخرةً فقط. من ناحية أخرى، لم تلعب الاعتبارات البيئية أي دور في المرحلة الأولى من برامج الإغاثة الخاصة بكوفيد-19، فقد تراجعت تلك الاعتبارات إلى أسفل قائمة أولويات العديد من الحكومات. بالعموم، كانت حزم الإغاثة الاقتصادية "عمياء" من الناحية البيئية.



بشكل عام، لم تُدرك المرحلة الأولى من الاستجابات لكوفيد-19طلب العديد من منظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية بأن عمليات إنقاذ الشركات وتوزيع الأموال العامة ينبغي أن تخضع لشروط من شأنها أن تحمي وتدعم العمال، وتضع حداً للتهرب الضريبي وتُنهي ممارسات الشركات التي تؤجج عدم المساواة وانهيار المناخ وانتهاك حقوق الإنسان.



لذلك من المهم للغاية الآن، في المرحلة الثانية من الاستجابات السياسية، ألا تدعم حُزم التحفيز الاقتصادي الطويلة الأجل الانتعاش الاقتصادي فحسب، بل وتعزز أيضاً تغييراً هيكلياً ضرورياً، مثل دعم أنظمة الضمان الاجتماعي العامة، وتحسين أجور العاملين في مجال الرعاية الصحية وحقوقهم، والانتقال إلى "اقتصادات إعادة التدوير" التي تسعى إلى فصل النمو الاقتصادي عن استهلاك الموارد المحدودة.



إذا تمت ممارستها بطريقة صحيحة، يمكن أن توفر هذه السياسات فرصة لتصبح محركاً للتحول الاجتماعي والإيكولوجي المطلوب بشكل ملحّ والمعلن في خطة التنمية المستدامة لعام 2030.



أجندة "8 R" للتغيير المنهجي


تُظهر سلسلة الكوارث الإنسانية المستمرة، سواء إن كانت فيضانات في جنوب شرق آسيا، أو آفة الجراد في شرق إفريقيا، أو الانفجار المدمر في ميناء بيروت، أو الدمار الناجم عن حرائق الغابات في البرازيل وكاليفورنيا، أو الأعاصير في الخليج الكاريبي، أنّ الأزمات والويلات لا تتوقف بسبب كوفيد-19. على العكس من ذلك، فكلها نتيجة لنظام مختلّ يضع أرباح الشركات فوق حقوق وخير الناس والكوكب.



كاستجابة لأزمة كوفيد-19 أطلق المنتدى الاقتصادي العالمي مبادرة "إعادة التشغيل الكبرى" من أجل تشكيل "رأسمالية أصحاب المصالح"، وصرّح أصحاب المبادرة أن "ضعف وتناقضات الأنظمة المتعددة - من الصحة والأمور المالية إلى التعليم – أصبحت مكشوفة اليوم أكثر من أي وقت مضى".



لكن مجرد الضغط على زر إعادة التشغيل لن يؤدي إلا لإعادة اللعبة، دون تغيير قواعدها أو حتى اللعبة نفسها. يمسح زر إعادة التشغيل الذاكرة فقط، ويعيد تشغيل النظام (القديم)، وهو نظام أثبت أنه لا يستطيع منع حدوث الأزمات الحالية، بل تسبّبها.



كبديل، نود هنا أن نقدم أجندة "8 R" للتغيير الجذري.


لا تمثّل المجالات الثمانية ("8 R") برنامج إصلاح شامل، إنما توضح بشكل مصغّر ثمانية قضايا طال انتظار إصلاحات سياسية وحَوكمية فيها، بل وتتطلب تغييراً في السردية التي تشكل أساسها. ويُعدّ التصرّف في هذه المجالات شرطًا ضروريًا لإحراز تقدم نحو التحول الاجتماعي والإيكولوجي المعلن في خطة التنمية المستدامة لعام 2030.



1-  إعادة تقدير أهمية الرعاية في المجتمعات: أعاد الوباء إحياء فكرة وجود وظائف أساسية لا بد منها. وتأتي وظائف الرعاية على رأس تلك القائمة، ولو لم يتم الاعتراف بها عبر التاريخ، بل تم التقليل من قيمتها الاجتماعية، وأجرها ضعيف، مع فوائد وحماية قليلة أو غير موجودة للعاملين بها. من شأن الاعتراف بأهمية الرعاية أن يعزز تحولاً اجتماعياً. توسيع آفاق الرعاية بشكل ديمقراطي ومتساوٍ، وتخصيص الموارد العامة اللازمة لإنشاء البنية التحتية للرعاية والاعتراف بترتيبات الرعاية المجتمعية وتعزيزها، هي عناصر أساسية في أي عملية لبناء طريقة مختلفة للخروج من الأزمة العالمية الحالية.



2-  إعادة تمكين الخدمات العامة: حول العالم يتلقى موظفو الخدمة العامة الذين يعملون "على الخطوط الأمامية" الثناء والدعم لدورهم الحيوي في الاستجابة لأزمة كوفيد-19، إلا أن نقص التمويل لهذه الخدمات العامة وظروف العمل القاسية فيها ليست حتمية، بل هي نتيجة عقود من الإضعاف المتعمد لخدماتنا العامة من خلال خفض الميزانيات والخصخصة وإهمال التوظيف. يجب أن نعمل من أجل تمويل جيد لهذه الخدمات، كما أننا بحاجة إلى نظام ضريبي عالمي أفضل يضمن أن تدفع الشركات والأثرياء نصيبهم العادل وألا تُستخدم قوتهم الاقتصادية للتأثير على السياسة العامة. وقد أظهرت موجة إعادة الخدمات العامة تحت سيطرة البلديات في أكثر من 2400 مدينة في 58 دولة مدى إمكانية وشعبية مثل هذه الخطوة.



3- إعادة التوازن إلى سلاسل القيمة العالمية والمحلية: لقد كشفت جائحة كوفيد-19 مجدداً مواضع الضعف الناتجة عن الاعتماد الكامل على سلع معينة وعلى سلاسل القيمة العابرة للحدود. إنها تعكس النموذج السائد لتقسيم العمل عالمياً الذي يتجاهل الآثار الخارجية الهائلة المتعلقة باستغلال الموارد الطبيعية والتدهور البيئي وتشريد سكان الكثير من المناطق وانتهاك حقوق الإنسان وحقوق العمل. تتيح الأزمة الحالية فرصة لإعادة التفكير وإعادة صياغة استراتيجيات التنمية غير المتوازنة والمعتمدة على التصدير، ونقل مركز الثقل بعيداً عن الاقتصاد المُعولم واتخاذ قرارات جريئة بخصوص السياسة العامة والاستثمارات ولتعزيز اقتصادات دائرية محلية. هناك ثلاث ركائز أساسية للتحول الاقتصادي المطلوب، هي تعزيز نظم غذائية محلية مستدامة، وتقوية التعاون الإقليمي (أو المحلي) للتغلب على قيود الطلب المحلي المحدود، وإصلاحات منهجية في أنظمة التجارة والاستثمار الدولية بهدف توسعة مجال تحرك السياسة الوطنية من أجل التغيير.



4- تعزيز التحول نحو عدالة مناخية: على خلفية تزايد آثار تغير المناخ بشكل مفرط على الفقراء، لا سيما في البلدان النامية، واحتمال تعميق فجوة التنمية وعدم المساواة العالمية نتيجة لهذه الأزمات وغيرها، يجب اتّباع نهج عادل ومنصف لمعالجة تغير المناخ. فعلى وجه الخصوص، على بلدان الشمال أن تُنهي تدريجياً دعمها والتنقيب عن الوقود الأحفوري واستخراجه وإنتاجه والاستثمار فيه، والانتقال سريعاً إلى استخدام الطاقات النظيفة والمتجددة بنسبة مئة في المائة بحلول عام 2030. ينبغي توسيع نطاق التمويل المتعلق بالمناخ لما لا يقل عن 100 مليار دولار أمريكي بحلول نهاية عام 2020 وزيادة ذلك بصورة ملحوظة بين عامي 2020 و 2030.



5- إعادة توزيع القوة والموارد الاقتصادية: تُعدّ حُزم الإغاثة والتعافي التي قدمتها الحكومات والمؤسسات الدولية في سياق الجائحة وسيلة هامة لمعالجة أوجه عدم المساواة الهيكلية التي كشف عنها وأدامها كوفيد-19. وعند تصميم هذه الحزم وتنفيذها تُتاح للحكومات فرصة البدء في تغيير الوضع الراهن وتفكيك تركيز قوة الشركات والنخبة في جذور عدم المساواة هذا. إلا أن معظم الحكومات تفشل حالياً في استغلال هذه الفرصة. تُعد إعادة التوزيع أمراً بالغ الأهمية لتحقيق التعافي العادل من كوفيد-19، وإحلال حقوق الإنسان للجميع، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. لكن إعادة التوزيع بحد ذاتها ليست كافية - فعلينا أيضاً التفكير في كيفية خلق الرفاهية والموارد والسلطة في المقام الأول. وتشمل المجالات الحاسمة لسياسة "ما قبل التوزيع" في هذا الصدد سياسات العمل والأجور والتنظيم المالي وضبط الشركات.



6- إعادة ضبط النظام المالي العالمي: لقد أوضحت أزمة فيروس كورونا وما نتج عنها من إغلاق اقتصادي أنه يجب اتخاذ خطوات أساسية للتنظيم المالي ولإصلاح البنية المالية الدولية. وقد أحدثت الأزمة، إلى حد ما على الأقل، زخماً سياسياً جديداً لمثل هذه الخطوات مؤخراً. من العناصر الأساسية في ذلك إنشاء آلية لتسوية الديون السيادية، ويتطلب ذلك مؤسسة تتخذ قرارات مستقلة ومُلزمة بشأن إعادة هيكلة الديون السيادية على أساس معايير موضوعية، وقادرة على تطبيقها بطريقة غير منحازة. كما ينبغي إنشاء هيئة ضريبية دولية - ذات عضوية عالمية وتفويض قوي - تحت رعاية الأمم المتحدة لمعالجة مشاكل التهرب الضريبي الذي تيسرّه قوانين السرية المالية والنظام الضريبي العالمي غير العادل.



7- إعادة إحياء تضامن متعدد الأطراف: يجب أن تبدأ حشد الدعم للتعاون الدولي وللأمم المتحدة بإعادة تشكيل الحَوكمة، ورفع شأن الناس من مساهمين إلى أصحاب مصلحة وأصحاب حقوق. هناك العديد من المعايير العالمية التي يمكن تطويرها لقياس هذا التقدم، ويجب أن تكون في طليعة السعي نحو تعددية أطراف حقيقية قائمة على حقوق، ليس تعددية صورية فقط. ومن المفترض أن تضع الأمم المتحدة تلك المعايير على المستوى العالمي، بدل أن تكون مجرد ميسّر محايد للمشاركة العامة والخاصة. ويتطلب ذلك موارد عامة مستدامة يمكن الاعتماد عليها، يقوّضها حاليًا التهرب الضريبي والتدفقات المالية غير المشروعة وتحويلها لخدمة ديون غير مستحقة. الشرط الضروري - وغير الكافي - للتضامن المتعدد الأطراف والمحرك لتغيير الاتجاه هو ميثاق تمويل جديد على المستوى الوطني وتمويل نظام أممي محايد وفعال قائم على مبدأ القيم.



8- إعادة تعريف معايير التنمية والتقدم: يحثّ هدف التنمية المستدامة 17-19 من أجندة 2030 المجتمع الدولي على "تطوير مقاييس للتقدم في التنمية المستدامة إكمالاً للناتج المحلي الإجمالي". وقد أظهر كوفيد-19 أن هذا ليس تفصيلاً إحصائياً وإنما مسألة حياة أو موت. يوضح مثال مؤشر الأمن الصحي العالمي (GHSI)، وهو أداة تحليلية تهدف إلى تحديد الثغرات في الاستعداد للأوبئة والجوائح، أنّ تجاهل العوامل الاجتماعية والبيئية للصحة، والتركيز بدلاً من ذلك على البنية التحتية والتكنولوجيات المتقدمة والأطر التنظيمية المحرَّرة، قد يؤدي إلى تفسيرات خاطئة واستنتاجات سياسية مضللة. الرسالة الرئيسية لنموذج التنمية التي لا تزال سائدة هي أن البلدان يجب أن تصبح أكثر ثراءً، وليس أكثر استدامةً، وأنه لكي تتسلق تلك البلدان السلّم وتصبح "متطورة"، يجب عليها اتّباع نصيحة ونموذج الدول الأغنى منها. لا بد من التغلب على هذه العقلية نهائياً.



ترجمة: غونتر أورت