Mar 18, 2026
من النووي إلى المنطقة العازلة: حرب على إيران أم إعادة هندسة الشرق الأوسط؟ - زياد عبد الصمد
زياد عبد الصمد
المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
زياد عبد الصمد

من النووي إلى المنطقة العازلة: حرب على إيران أم إعادة هندسة الشرق الأوسط؟

زياد عبد الصمد

ما بدأ حربًا بعنوان واضح — البرنامج النووي الإيراني، تخصيب اليورانيوم، المنصات الصاروخية، والصواريخ الباليستية — يتحول تدريجيًا إلى مواجهة تتجاوز حدود الملف النووي لتطال شكل النظام الإقليمي بأسره، واستطرادًا ملامح النظام الدولي نفسه.

فالسبب المُعلن للعمليات العسكرية ضد إيران هو منعها من بلوغ العتبة العسكرية النووية وتفكيك بنيتها الصاروخية. إلا أن التطورات المتسارعة تشير إلى أن الصراع لم يعد تقنيًا أو عسكريًا فقط، بل بات سياسيًا–استراتيجيًا بامتياز.

بالنسبة إلى إسرائيل والولايات المتحدة، فإن امتلاك إيران قدرة تخصيب متقدمة مع منظومة صاروخية بعيدة المدى يغيّر ميزان القوى جذريًا. أما بالنسبة للنظام الإيراني، فهذه القدرات ليست مجرد مشروع نفوذ إقليمي، بل ضمانة بقاء وردع في بيئة إقليمية ودولية معادية. ومن هنا يصبح التخلي عنها، في نظر طهران، مساسًا بجوهر النظام نفسه.

انتقال في طهران… لكن تحت النار

اغتيال المرشد الأعلى لم يؤدِّ إلى انهيار النظام. فقد فعّل النظام الإيراني بسرعة الآليات الدستورية عبر مجلس خبراء القيادة، ما أدى إلى تعيين مجتبى خامنئي في انتقال بدا معدًا له مسبقًا، بما عكس الطبيعة المؤسسية–الأمنية للنظام.

غير أن هذا الانتقال لم يُنهِ الجدل. فقد أثار تعيين المرشد الجديد تساؤلات حول قدرته السياسية والنفسية على الإمساك الكامل بمفاصل القرار، رغم أن أول بيان أصدره حمل رسالة واضحة مفادها الاستمرار الكامل على نهج والده، سواء في الملف النووي أو في إدارة المواجهة الإقليمية.

لكن التطور الأخطر تمثل في اغتيال علي لاريجاني، الذي كان يُنظر إليه بوصفه أحد أهم العقول الاستراتيجية للنظام، واليد السياسية الأقرب إلى مركز القرار. ومع اغتيال قيادات عسكرية وأمنية من الحرس الثوري والباسيج، يصبح السؤال مطروحًا حول قدرة النظام على الحفاظ على تماسكه التنفيذي في ظروف الحرب.

وتشير التقديرات إلى أن الضربات العسكرية حدّت بشدة من فعالية القدرات الجوية والبحرية الإيرانية، ما يجعل المنظومة الصاروخية الأداة العسكرية الأساسية المتبقية للنظام في إدارة الردع والرد.

الخليج يدخل قلب المواجهة

رد إيران لم يعد مقتصرًا على إسرائيل أو الجبهات التقليدية. فقد امتدت الضربات إلى الخليج، عبر استهداف منشآت ومواقع في الإمارات العربية المتحدة والكويت، مع ضربات طالت السعودية وقطر وعمان.

المعطيات المتداولة تشير إلى أن حجم الاستهداف الذي طال بعض دول الخليج بات يفوق في بعض مراحله حجم الضربات المباشرة على إسرائيل، ما يعني أن طهران أرادت نقل الرسالة إلى البنية الاقتصادية العالمية: إذا جرى خنق إيران، فإنها قادرة على تعريض النظام الاقتصادي العالمي نفسه للاهتزاز.

إغلاق مضيق هرمز وتهديد باب المندب أديا إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة واضطراب الأسواق الدولية.

لكن استخدام النفط كسلاح يفتح أيضًا باب الخطر على إيران نفسها، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن احتمال استهداف جزيرة خرج، التي تُعد الرئة النفطية الأساسية للنظام الإيراني، أو ربما احتلالها، وأي ضربة لها قد تتحول إلى ضربة استراتيجية تمسّ القدرة المالية للدولة مباشرة.

وفي هذا السياق، برز موقف أوروبي حذر؛ إذ رفضت الدول الأوروبية الحليفة لواشنطن الانخراط المباشر في الحرب، مع تأكيد أن أي تحرك عسكري محتمل سيقتصر على حماية أمن الملاحة ودعم دفاعات الخليج.

القوى الكبرى على هامش النار… أم في قلب إعادة الترتيب؟

إذا كان إغلاق المضائق يضغط على الغرب، فإنه في الوقت نفسه يهدد مصالح الصين، الشريك الاقتصادي الأبرز لإيران والأكثر اعتمادًا على تدفق الطاقة من الخليج.

فبكين، رغم شراكتها الاستراتيجية مع طهران، أعلنت أنها ليست في وارد التدخل العسكري. وهي تدرك أن الانخراط المباشر قد يعرّض مصالحها التجارية العالمية لمخاطر واسعة، لذلك يرجح أن تواصل الضغط دبلوماسيًا لمنع انهيار الممرات البحرية، مع الحرص في الوقت نفسه على منع سقوط إيران الكامل لما لذلك من تداعيات على توازناتها الدولية.

أما روسيا، فحساباتها أكثر تعقيدًا. فهي لا تبدو راغبة في مواجهة مباشرة، لكنها ترى في أي فراغ إقليمي فرصة لإعادة تثبيت حضورها السياسي والعسكري.

وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن احتمال دور روسي في جنوب لبنان، خصوصًا مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان نهاية هذا العام. فإذا تعذر التجديد بالشروط الحالية، قد يُطرح دور روسي موسع ضمن ترتيبات أمنية جديدة، وهو احتمال يبقى مرتبطًا بمدى قبول الأطراف الدولية والإقليمية.

أما تركيا، التي طالتها تداعيات أمنية مباشرة، فهي تؤكد ضبط النفس، لكنها تراقب بحذر أي ترتيبات جديدة قد تعيد رسم خرائط النفوذ في المشرق وشرق المتوسط.

هذه الأسئلة قد يكون من المبكر حسم الإجابة عنها، لكنها مطروحة بحدة لأن مواقف القوى الكبرى والمتوسطة باتت عنصرًا حاسمًا في تحديد مسار الحرب ومآلاتها.

لبنان: من ساحة ردع إلى ساحة تقرير مصير

في لبنان، دخل التصعيد مرحلة مختلفة مع استئناف حزب الله إطلاق الصواريخ، ورد إسرائيل بضربات مكثفة وتهديد بتوغل بري محدود.

لكن التطور الأخطر داخليًا كان قرار الحكومة اللبنانية حظر النشاط العسكري والأمني للحزب وإلزامه بتسليم سلاحه، مع تكليف الجيش اللبناني تنفيذ القرار بغطاء سياسي واسع.

هذا القرار شكّل لحظة سيادية فارقة لأنه للمرة الأولى منذ عقود يتبلور شبه إجماع على أن استمرار ازدواجية السلاح يهدد الكيان اللبناني نفسه.

غير أن الحزب رفض القرار، واستمر في إطلاق الصواريخ، لينتقل الصراع إلى مواجهة داخلية بين منطق الدولة ومنطق الذراع الإقليمية.

من التوغل المحدود إلى المنطقة العازلة

التهديد الإسرائيلي بالتوغل المحدود قد لا يبقى محدودًا. فالتجربة اللبنانية تُظهر أن المناطق العازلة كثيرًا ما تتحول إلى وقائع طويلة الأمد.

لكن الفرق الأساسي بين تجربة الشريط الحدودي السابقة وبين المشروع الحالي هو أن الاحتلال السابق كان في مناطق مأهولة، بينما يقوم التصور الحالي على التهجير الجماعي وإفراغ القرى من سكانها، ما يفرض أولوية وطنية تتمثل أولًا في إعادة السكان إلى قراهم وإعادة البناء.

التأخر في استكمال بسط سلطة الدولة شمال الليطاني يمنح إسرائيل ذريعة إضافية لتبرير أي توغل باعتباره ملءً لفراغ أمني.

لبنان يدخل باب التفاوض

في تطور بالغ الحساسية، أطلق الرئيس جوزيف عون مبادرة لفتح مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية.

لكن هذا المسار يواجه عقبات جدية

فـالرئيس نبيه بري يشترط وقف إطلاق النار أولًا والانسحاب الإسرائيلي، فيما يرفض حزب الله المسار برمته ويعتبره تهديدًا مباشرًا للتوازن الداخلي.

في المقابل، أبدت إسرائيل استعدادًا سياسيًا أوليًا عبر تسمية رئيس وفد رفيع ومقرب من دوائر القرار، لكنها تربط وقف الحرب بتسليم حزب الله سلاحه.

الحدود البحرية تعود إلى الواجهة

التطور اللافت أيضًا هو إعادة فتح ملف الاتفاق البحري.

إسرائيل تسعى إلى إعادة النظر في بعض بنوده، فيما يستمر الجدل اللبناني حول الخط 23 والخط 29، ما يجعل هذا الملف جزءًا محتملًا من أي مفاوضات أوسع.

إلى أين؟

نحن أمام لحظة مفصلية تتقاطع فيها ثلاثة مسارات:

المسار النووي–العسكري
المسار اللبناني
المسار الإقليمي–الاقتصادي

لكن السؤال الحاسم لم يعد فقط من يملك القدرة على الضرب، بل من يملك القدرة على وقف التصعيد قبل أن يتحول عدم الاستقرار إلى نظام دائم.

ما يجري لم يعد مجرد مواجهة بين مشروعين إقليميين، بل لحظة اختبار دولي مفتوح على إعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط.

فالحروب التي تبدأ بعنوان محدد قد تنتهي بإعادة رسم خرائط سياسية كاملة.

أما الهندسة تحت القصف، فهي نادرًا ما تنتج سلامًا مستقرًا؛ بل غالبًا ما تنتج توازنات هشّة تنتظر الجولة التالية.

احدث المنشورات
Mar 16, 2026
نشرة خاصة - حقوق النساء في المنطقة العربية: بين الحروب والتحولات السياسية
Mar 13, 2026
ثلاثة مسارات لإنتاج الحروب - جيهان ابوزيد