Feb 04, 2026
مهزلة ترامب في دافوس - روبرتو بيسيو
روبيرتو بيسيو
منسق الأمانة العامة - الراصد الاجتماعي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
روبيرتو بيسيو

مهزلة ترامب في دافوس

روبرتو بيسيو

في مقدمة دراسته حول صعود لويس بونابرت إلى السلطة، قال الفيلسوف الألماني كارل ماركس عبارته الشهيرة " إن التاريخ يعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة."

كانت المرة الأولى التي حاولت فيها الولايات المتحدة الاستحواذ على جزيرة مجاورة ذات أهمية استراتيجية في عام 1854، وكانت تلك الجزيرة هي كوبا. فبعد أن ضاعفت أراضيها بشرائها لويزيانا من نابليون الأول (عمّ الشخص الذي كتب عنه ماركس) مقابل 15 مليون دولار فقط، أرادت الولايات المتحدة مواصلة التوسع. وأوصى ثلاثة دبلوماسيين أميركيين بارزين في أوروبا بأنه "بعد أن نكون قد عرضنا ثمناً لكوبا يفوق بكثير قيمتها الحالية، وتم رفض هذا العرض، (...) سنكون، وبموجب كل القوانين البشرية والإلهية، مبرَّرين في انتزاعها من إسبانيا؛ وذلك استناداً إلى المبدأ نفسه الذي يبرّر لفرد أن يهدم منزل جاره المحترق إذا لم تكن هناك وسيلة أخرى لمنع ألسنة اللهب من تدمير منزله هو".

وكان أصحاب هذه التوصية : السفير الأميركي في فرنسا جون ماسون (John Y. Mason) والسفير الأميركي في بريطانيا جيمس بوكانان (James Buchanan) والسفير الأميركي في إسبانيا بيار سولي (Pierre Soulé).وعُرف هذا المقترح باسم «بيان أوستند» نسبة إلى المدينة البلجيكية التي اجتمعوا فيها. لاحقاً، أصبح بوكانان، الذي يُعتبر الكاتب الرئيسي للوثيقة، الرئيس الخامس عشر للولايات المتحدة.

يبدأ البيان بالقول: "يجب أن يكون واضحاً لكلّ عقل متأمل أنه، بحكم خصوصية موقعها الجغرافي والاعتبارات المرتبطة به، فإن كوبا ضرورية للجمهورية الأميركية الشمالية بقدر أيٍّ من أعضائها الحاليين، وأنها تنتمي بطبيعتها إلى تلك العائلة الكبرى من الدول التي يشكّل الاتحاد حاضنتها القدرية. فهي بحكم موقعها، تتحكم بمصب نهر المسيسيبي وبالتجارة الهائلة والمتزايدة سنوياً التي لا بد أن تسلك هذا المنفذ إلى المحيط".

كما عبّر السفراء عن خشيتهم من أن يحذو العبيد في كوبا حذو المثال التمردي لهايتي (التي كانت لا تزال تُسمّى سان دومينغو) بالقول: “غير أننا سنكون قد تنكّرنا لواجبنا، وأثبتنا عدم أهليتنا لإرث أسلافنا الشجعان، وارتكبنا خيانة وضيعة بحق نسلنا، إذا سمحنا بإفريقية كوبا وتحوّلها إلى سان دومينغو ثانية، مع كل ما يرافق ذلك من أهوال على العِرق الأبيض، وسمحنا للنيران بأن تمتد إلى سواحلنا المجاورة، فتُعرِّض للخطر الجسيم، أو تلتهم بالفعل، النسيج الجميل لاتحادنا".

ويقرّ مؤلفو البيان بأن "تاريخنا السابق يمنعنا من الاستحواذ على جزيرة كوبا من دون موافقة إسبانيا، وما لم يكن ذلك مبرَّراً بقانون عظيم هو قانون حفظ الذات. ويتعيّن علينا، في كل الأحوال، أن نحافظ على استقامتنا الواعية وعلى احترامنا لذاتنا. ونحن، في اتباعنا هذا المسار، نستطيع أن نتحمّل تجاهل إدانات العالم، التي كثيراً ما تعرّضنا لها وبصورة غير عادلة".

ولا يذكر البيان أن تحوّل كوبا إلى ولاية في الاتحاد كان سيُرجّح كفة السلطة في الكونغرس لصالح الولايات الجنوبية، بإضافة عضوين في مجلس الشيوخ وتسعة نواب إلى كتلة مالكي العبيد. صحيح أنه لم يكن مسموحاً للعبيد بالتصويت، لكنهم كانوا يُحتسبون بوصفهم ثلثي شخص عند توزيع مقاعد مجلس النواب على ولايات مالكيهم.

حين صوّت مجلس النواب على إجبار البيت الأبيض على نشر البيان، أثار مضمونه رد فعل عنيفاً أدى إلى انقسام الحزب الديمقراطي الذي كان في السلطة آنذاك، وساهم في دفع المعارضين للعبودية إلى إنشاء الحزب الجمهوري، وأجبر إسبانيا على التخلي عن أي مفاوضات للبيع وتعزيز أسطولها البحري بدلاً من ذلك. وبقيت الجزيرة تحت الحكم الأوروبي عدة عقود أخرى.

لقد أعاد التاريخ نفسه عندما توجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى دافوس في كانون الثاني/يناير 2026 معلناً نيته الاستحواذ على جزيرة أخرى، هي غرينلاند، بأي وسيلة كانت، خلافاً لإرادة شعب غرينلاند ومملكة الدنمارك التي تُعد الجزيرة جزءاً منها. لكن استخفاف ترامب بإدانات العالم أدى إلى نهاية متسارعة لمهزلته. فأعلن في اليوم التالي لخطابه في دافوس، أنه توصّل إلى «إطار لاتفاق مستقبلي بشأن غرينلاند» مع مارك روته، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، الذي لا يملك أي سلطة على الإطلاق على الجزيرة.

كان اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في كانون الثاني/يناير 2026 أيضاً المناسبة التي أطلق فيها ترامب «مجلس السلام» الخاص به، موسّعاً التفويض الأصلي الذي أصدره مجلس الأمن الدولي في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 لدعم إعادة إعمار غزة، ومعلناً بدلاً من ذلك أن مجلس السلام سيكون منظمة دولية دائمة، في منافسة واضحة مع الأمم المتحدة.

وكانت تركيا والمجر العضوين الوحيدين في حلف شمال الأطلسي اللذين انضما إلى المجلس. أما حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيون مثل فرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة والسويد فقد رفضوا الدعوة، كما لم ترد 24 دولة أخرى، من بينها البرازيل والصين والهند واليابان وروسيا والكرسي الرسولي.

أما كندا، فقد تم سحب دعوتها بعد أن ألقى رئيس الوزراء مارك كارني خطاباً في دافوس لم يكتفِ بانتقاد سياسات ترامب، بل حظي أيضاً بتعليقات وإشادة تفوق بكثير تلك التي نالها تدخل ترامب.

إن مجلساً يتمتع رئيسه (دونالد ترامب، بالطبع) بحق النقض الحصري، وبسلطة دعوة الأعضاء وسحب الدعوة منهم متى شاء، لا يبدو كمنظمة دولية جدّية، بل يشكّل مثالاً حيّاً لما وصفه رئيس الوزراء الكندي بـ"القطيعة في النظام العالمي، ونهاية وهم مريح، وبداية واقع قاسٍ، لا تخضع فيه الجيوسياسية، تلك الجيوسياسية الكبرى المهيمنة، لأيّ حدود أو قيود".

«في دافوس لا يعلن المستثمرون عمّا تعلموه أو عن رهاناتهم المستقبلية، لكن الأسواق تكشف عن مخاوفهم وآمالهم»

المنتدى الاقتصادي العالمي هو، قبل كل شيء، بمثابة الاجتماع السنوي للمستثمرين، يشارك في رئاسته لورانس د. فينك، الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك، أكبر مدير أصول في العالم. في دافوس لا يعلن المستثمرون عمّا تعلموه أو عن رهاناتهم المستقبلية، لكن الأسواق تكشف عن مخاوفهم وآمالهم. فقد واصل الدولار الأميركي تراجعه بعد دافوس، فيما ارتفعت أسعار الذهب والفضة إلى مستويات قياسية. وغالباً ما يُشار إلى عدم قابلية التنبؤ بسياسات الولايات المتحدة بوصفه عاملاً مساهماً في هذه النتائج.

وقبل نهاية كانون الثاني/يناير، واجه الرئيس الأميركي أزمةً أخرى، هذه المرة على الصعيد الداخلي، بعدما أدّت تجاوزات سياساته المناهضة للهجرة إلى انتقادات وانشقاقات حتى في صفوف مؤيديه.

وقد أقرّ كارني — وهو حاكم سابق لبنك إنكلترا —بنفاقه حين قال: "كنّا نعلم أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت جزئياً زائفة، وأن الأقوى يُعفي نفسه عند الاقتضاء، وأن قواعد التجارة تُطبّق بشكلٍ غير متماثل. وكنّا نعلم أن القانون الدولي يُطبّق بدرجات متفاوتة من الصرامة تبعاً لهوية المتهم أو الضحية".

وفي مثل هذا السيناريو، "يتعيّن على القوى المتوسطة أن تتصرّف معاً، لأنه إذا لم نكن على الطاولة، فسنكون على القائمة". ولتنويع شراكاتها بعيداً عن الولايات المتحدة بوصفها الشريك التجاري الرئيسي، وقّعت كندا «شراكة استراتيجية» مع الصين، وهي تتفاوض على اتفاقيات تجارة حرّة مع كل من الهند ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وتايلاند، والفلبين، وتكتل ميركوسور. وفي الأيام التالية، وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقية تجارة حرّة مع ميركوسور (لا تزال رهن موافقة برلمان أوروبي منقسم)، ومع الهند، كما بدأ الاتحاد الأوروبي محادثات حول التعاون التجاري والاستثماري مع الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ (CPTPP)، وهي اتفاقية تجارة حرّة عابرة للمحيط الهادئ.

وشهدت دافوس نقاشات متكررة حول احتمال انسحاب الولايات المتحدة من منظمة التجارة العالمية، أو، كبديل عن ذلك، إنشاء منظمة تجارة عالمية (GTO) ترث قواعد منظمة التجارة العالمية، لكن مع آلية فعّالة لتسوية النزاعات، وهو أمر دأبت الولايات المتحدة على عرقلته منذ عقود.

لقد رحّب كتّاب من الجنوب العالمي باعتراف كارني بأن "القوى الكبرى بدأت تستخدم الاندماج الاقتصادي كسلاح: الرسوم الجمركية كوسيلة ضغط، والبنية التحتية المالية كأداة إكراه، وسلاسل التوريد كنقاط ضعف يُصار إلى استغلالها". لكن الجديد الحقيقي الوحيد هو أن حلفاء الولايات المتحدة المقرّبين باتوا اليوم هم أيضاً متضررين. فكوبا تعاني من حصار اقتصادي منذ نصف قرن، كما أن العقوبات، أو التهديد باستخدامها لتحقيق مكاسب سياسية، كانت سلاحاً استخدمته الولايات المتحدة على مدى عقود.

ومن خلال السماح بإنشاء منظمة التجارة العالمية خارج إطار الأمم المتحدة، وغزو العراق خلافاً لقرار مجلس الأمن، أو النقل التدريجي للسلطة على اقتصادات الجنوب إلى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (حيث تتمتع الولايات المتحدة بحق النقض)، فإن «القوى المتوسطة»، بدءاً بأعضاء مجموعة السبع (فرنسا، كندا، اليابان، المملكة المتحدة، إيطاليا، ألمانيا إلى جانب الولايات المتحدة)، شاركت في صنع «النظام الدولي القائم على القواعد» وبعد أن استفادت منه، باتت اليوم تندد به بوصفه "مجرد وهم" .

بحسب كارني "يمكننا أن نبني من هذا التصدّع، شيئاً أفضل، أقوى، وأكثر عدلاً"، وأن "هذه هي مهمة القوى المتوسطة". لكن هل يمكن لمثل هذه المهمة أن تنجح إذا استمرت في تجاهل «القوى الصغرى» وتركها خارج المعادلة؟

إن تاريخ الفرض الأحادي للعولمة النيو ليبرالية في نهاية الحرب الباردة يجب ألّا يتكرر.

احدث المنشورات
Feb 04, 2026
استعادة التعددية ركيزة لتعزيز الحقوق والعدالة والمساءلة - زهرة بزّي
Jan 28, 2026
استراتيجية 2026–2029 لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية