هل كانت ثورات أم مجرّد مظاهرات؟ بين أدونيس والعطب الثقافي في السياسة العربية - زياد عبد الصمد
زياد عبد الصمد
هل كانت ثورات أم مجرّد مظاهرات؟
بين أدونيس والعطب الثقافي في السياسة العربية
منذ سنوات، كرّر الشاعر والمثقف السوري أدونيس رأيه بأنّ ما شهدته المنطقة العربية بعد 2011 لم يكن «ثورات» بل «مظاهرات». قد يبدو الحكم صادماً للوهلة الأولى، لكنه ليس حكماً سياسياً بقدر ما هو تعريفٌ ثقافي ـ سوسيولوجي لمفهوم الثورة. فالثورة في نظره ليست إسقاط نظام سياسي أو استبدال قيادة بأخرى، بل تغييرٌ في البنية الأعمق: العلاقات الاجتماعية، والاقتصاد السياسي، والمنظومة الثقافية التي تنتج السلطة وتعيد إنتاجها.
وفق هذا المعيار، يصبح السؤال مشروعاً: ماذا تغيّر فعلاً؟
أسقطت بعض الدول رؤوس أنظمة أو بدّلت قيادات، لكن النظام الاجتماعي بقي على حاله، وكذلك المنظومة الذهنية والقيمية التي تؤسّس للسلطة: من الطاعة إلى العصبية، ومن القداسة إلى الريع، ومن الرعية إلى المواطن المعلّق في فضاء التحوّل.
في معظم التجارب، بقيت الدولة على صورتها القديمة: إمّا دولة عميقة تُعيد ابتلاع التغيير كما حصل في مصر، أو دولة منهارة لم يُبنَ بديل منها في ليبيا واليمن وسوريا، أو دولة تبحث عن صيغة جديدة دون أن تلامس الجذر الثقافي كما في تونس. لم تولد ثورات اقتصادية، ولم تشمل تغييرات في نمط الإنتاج، ولا إعادة توزيع للسلطة أو الثروة أو الرمزية. بمعنى آخر، بقيت «طبيعة السلطة» كما هي، وإن تغيّرت وجوهها.
هنا يطلّ عامل آخَر لا يقلّ حساسية: الثقافة السياسية العربية وثقلها التاريخي. فجوهرها ـ في أغلب تجلياتها ـ يقوم على نظرية الطاعة والبيعة لا على نظرية العقد والمساءلة. السلطة فيها ليست وظيفة بل قداسة، والمعارضة ليست حقاً بل خروجٌ على الجماعة. تراث طويل من الفقه والسلطة والدولة السلطانية والقبيلة والطائفة كرّس علاقة رأسية بين الحاكم والمحكوم، وبين الدولة والمجتمع. في مثل هذا السياق، يصير التغيير السياسي من دون تغيير ثقافي أشبه بترميم سقف بيت تتصدّع أساساته.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال ما جرى في مجرّد «مظاهرات»، ولا التعامل مع الأمر بنبرة قدرية. فالتحوّلات التي أنتجتها موجات الاحتجاج لا تُقاس فقط بنتائجها المؤسساتية، بل أيضاً بكسر المحرّمات: كسر الخوف من السلطة، تطبيع فكرة إسقاط الحاكم، اتّساع المساحة النقدية تجاه الدين والسياسة، وتحوّل الفرد إلى فاعل سياسي بعد عقود من الإقالة القسرية القسرية. هذه كلها ظواهر كانت غير ممكنة قبل 2011، وهي وإن لم تُنتج ثورة مكتملة، فقد أنتجت ما يمكن تسميته «تصدّع الشرعية التقليدية للسلطة». وهذا أثر تاريخي لا يُمحى بسهولة.
بين رؤية أدونيس وواقع المنطقة مسافة من التعقيد: هو يرى أن الثورة لا تكتمل ما لم تُقلب البنى لا الرموز، وما لم يُمسّ الجذر الثقافي لا الظاهر السياسي. وهو موقف فلسفي أكثر منه تقويماً سياسياً. لكن التجارب التاريخية الكبرى ـ من فرنسا إلى إيران ـ تُظهر أن المسارات الثورية لا تُقاس بلحظة واحدة، وأن التغيير السياسي قد يسبق الثقافي أو يليه، وقد يتقدّم خطوة ويتراجع خطوتين قبل أن يستقر على شكلٍ جديد.
2026: مهام المرحلة
بعد أكثر من عقد على انطلاق الموجة الأولى من الاحتجاجات ، يصل العالم العربي إلى العام 2026 أمام مشهدٍ مزدوج: أنظمة رسّخت أدوات السيطرة التقليدية والدول العميقة، ومجتمعات فقدت أوهام التغيير السريع لكنها لم تفقد شرعية الأسئلة. لم تعد المواجهة اليوم بين «ثورة» و«نظام» كما بدا عام 2011، بل بين واقعٍ ينهار ببطء ومجتمعاتٍ تبحث عن معنى جديد للسياسة خارج لغة الحشود وداخل لغة الفعل التراكمي.
في هذا السياق، تتقدّم إلى الواجهة مهام المرحلة، أو ما يمكن اعتباره شروط الموجة المقبلة من التحوّل:
1. تفكيك البنية الثقافية للسلطة بما يسمح بالانتقال من الطاعة إلى المواطنة، ومن القداسة إلى المساءلة.
2. تحرير الاقتصاد من الريع والزبائنية لأن لا ثورة بلا تغيير أو إصلاح في الاقتصاد.
3. إعادة بناء المجال العام بين القمع من فوق والتشظّي من تحت.
4. تحويل الفرد من تابع وعضو في رعية إلى مواطن فاعل سياسياً عبر المشاركة والمساءلة لا عبر الرمز والشعار فقط.
5. وصل الوطني بالإقليمي والعالمي لأن حدود الدولة الوطنية لم تعد وحدها قادرة على إنتاج حلول.
قد لا تكون هذه المهام مشروع ثورة بالمعنى الكلاسيكي، لكنها شروط أي تحوّل مستقبلي قادر على كسر الحلقة المفرغة بين الانفجار والانكفاء. وربما هنا تكمن المفارقة: ما بدأ قبل أكثر من عشرة أعوام بوصفه «مظاهرات» وفق لغة أدونيس، قد لا يكتمل إلا حين تنضج الثورة الثقافية التي تأخّرت أكثر مما يجب. التاريخ لا يتحرّك بخطّ مستقيم، لكنه أيضاً لا يقف طويلاً عند النقطة نفسها.
احدث المنشورات
النشرة الشهرية - عام 2025 في المنطقة العربية: حروب، أزمات، وفضاء مدني تحت الضغط