Apr 28, 2021
وعود بايدن والسلام المنتظر في اليمن

تدلف اليمن في السنة السادسة حرب دون أن يلوح في الأفق بوادر حقيقية لسلام ينهي الصراع الدامي الذي راح ضحيته حتى الان ما يقرب من ربع مليون شخص منهم مائة ألف شخص لقوا حتفهم بشكل مباشر منذ سيطرت جماعة الحوثيين " أنصار الله " على العاصمة صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤م والتدخل السعودي ضمن ما سمى بالتحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن في مارس ٢٠١٥م.


وفي حين تتصاعد كلفة الحرب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا تدور حاليا في الكواليس نقاشات متعددة لاستئناف عملية السلام المتعثرة منذ مشاورات السلام بين الأطراف اليمنية في استكهولم في ديسمبر ٢٠١٩م؛ مدفوعة بضغط امريكي قوي لتحقيق ما وعد به الرئيس الأمريكي المنتخب جون بايدن بدعم إحلال السلام في اليمن وما تلاه من تعيين مبعوث امريكي خاص.


وفي حين تدور اجتماعات يومية مكثفة خلف الأبواب المغلقة في العاصمة العمانية مسقط حيث يقيم ممثلي جماعة الحوثي او في الرياض حيث يقيم الرئيس اليمني وحكومته الا أنه لم تتبلور حتى الان رؤية واضحة لمسار المفاوضات المقبلة. وتبدو جلية ضبابية الرؤية الامريكية في معالجة الازمة اليمنية لاسيما وأن لها امتداد إقليمي مرتبط بعلاقاتها مع السعودية وإيران وتطورات مفاوضات الملف النووي والصراع في دول الشرق الاوسط بصورة عامة.


ورغم ان السلام يعد مطلبا لكل اليمنيين الراغبين بعودة الاستقرار والحياة الطبيعية الا ان التحديات تبدو أكبر من الجميع. داخليا نشأت كوابح محلية تشكل عبء إضافي لأي جهود يمكن ان تجري لتحقيق السلام تتمثل في تشكل كيانات مليشاوية محلية تمتلك نفوذ سياسي وعسكري، بعضها يمتلك أذرع استثمارية ومصالح اقتصادية تجعل من استمرار الحرب مصدر مهم لتدفق الاموال اليها. فجماعة الحوثي على سبيل المثال التي استولت على السلطة في ٢٠١٤م بإمكانات اقتصادية محدودة باتت تدير اقتصاد دولة يتجاوز ٢ مليار دولار سنويا ويمثل ما يقرب من ثلثي النشاط الاقتصادي في البلد وهي متخلفة عن أي تبعات تجاه الخدمات الأساسية للمواطنين وتسليم المرتبات؛ فمنذ ثلاثة أعوام لم يتسلم قطاع واسع من الموظفين المدنيين الواقعين تحت سيطرة الجماعة مرتباتهم في حين تتضخم استثمارات الجماعة وارصدة النافذين فيها، وتتوسع دائرة الجبايات والأموال المستقطعة بمسميات متعددة.


ويسيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم اماراتيا بصورة فعلية على العاصمة المؤقتة عدن رافعا مطالب الانفصال ومستفيدا من الامتيازات المالية التي تقدم له وللقوات التابعة لها خارج إطار الحكومة الرسمية المعترف بها دوليا كما أنه يضع يده على بعض الموارد المحلية في عدن والمدن المجاورة ناهيك عن خطواته المستمرة في تمكين كوادره من السيطرة على المؤسسات الرسمية في عدن، لاسيما بعد تعثر الشق الأمني والعسكري مما يعرف باتفاق الرياض الموقع بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي في نوفمبر ٢٠١٩ برعاية سعودية.


وعلى مقربة منها في الساحل الجنوبي الغربي لليمن يزداد نفوذ قوات "حراس الجمهورية" المدعوم اماراتيا والتي يرأسها طارق صالح نجل الرئيس اليمني الراحل على عبد الله صالح كأحد الأطراف التي بدأت تتطلع للعب أدوار سياسية أيضا لاسيما عقب الإعلان عن تأسيس مكتب سياسي. وكانت حتى وقت قريب تعرف نفسها بأن تسعى إلى الاسهام في المعركة الوطنية لتحرير اليمن من قبضة الحوثي وإن كانت حتى الان لا تعترف بسلطة الرئيس اليمني او تنخرط رسميا في إطار هياكل القوات المسلحة اليمنية.


ومن ناحية أخرى تشكلت سلطات محلية تحت مظلة السلطة الشرعية للرئيس هادي في تعز وحضرموت وشبوة ومأرب ويخضع بعضها لنفوذ قوى من قبل حزب التجمع اليمني للإصلاح كما هو الحال في تعز ومأرب وشبوة في حين ما تزال حضرموت واقعة تحت نفوذ الامارات بصورة مباشرة أو من خلال ما يسمى قوات "النخبة الحضرمية" التي مولت انشاءها وما زالت تقدم لها الدعم والرعاية في حين تبسط السعودية نفوذها المتزايد شرق اليمن وفي محافظة المهرة تحديدا.  


وتكمن المشكلة في كل تلك السلطات التابعة للحكومة المعترف بها دوليا بأنها تعمل كجزر منعزله ليس فقط على الصعيد المؤسساتي والخدمي وانما على الصعيد العسكري والدليل على ذلك أنه عندما أعلنت السلطات المحلية في تعز ما يسمى "النفير العام" لتحرير المحافظة من سيطرة قوات الحوثيين خاضت المعارك منفردة وبإمكاناتها المحدودة وينطبق الامر على مأرب التي تخوض حرب شرسة في حدودها مع قوات جماعة الحوثي منذ أشهر ولم يتعدى الدعم الحكومي لها الجانب المعنوي والتصريحات عبر وسائل الاعلام!


وتعد هذه التشكيلة المعقدة من القوى والاطراف المحلية المتصارعة عامل مهم في التأثير على أي مشاورات سلام يمكن أن تتم خلال المرحلة الراهنة، رغم أن العامل الأكثر أهمية في تقديرنا يتمحور حول التأثير الخارجي؛ اذ ان المؤكد ان معظم هذه القوى المحلية تمثل انعكاس للصراع الإقليمي بين السعودية وإيران.


وفي حين تعد جماعة الحوثي أداة إيرانية لتهديد السعودية وخوض حرب يمنية بالوكالة بالإضافة إلى كونها جماعة تؤمن ان لديها حق إلهي في الحكم باعتبارها من سلالة النبي محمد، فإن الكيانات الأخرى تمثل أداة سعودية واماراتية صرفه، وتعد السعودية صاحبة النفوذ القوي والمتحكم في كافة الاحداث المحلية بما في ذلك تشكيل الحكومة وتسمية أعضاءها.


ويمكن القول هنا أن اليمن باتت تعاني حرفيا من لعنة الجغرافيا، ولا يخفى أن هذا يمثل جزء من تفسيرات الحرب الدائرة حيث تتزايد حدة البحث عن نفوذ في اليمن لاسيما في إطار المتغيرات والصراعات التي يشهدها الشرق الاوسط.


ويعطينا هذا التشريح المبسط لطبيعة القوى المحلية والإقليمية الأرضية لتحليل طبيعة الصراع وطبيعة التحديات اثناء البحث عن افق لمشاورات سلام حقيقية، وما يمكن التأكيد عليه أن ما يطبخ اليوم خلف الأبواب المغلقة في العاصمة العمانية مسقط وفي الرياض إن لم يراعي تلك الحقائق سوف نعود من جديد لجولة أخرى من الصراع.


إن اليمنيين اليوم بحاجة ماسة لوقف الحرب ولجهود سلام تفضي إلى تشكيل سلطة وطنية قوية تمثل الجميع وجيش موحد ورؤية واضحة لمعالجة مخلفات الحرب وتداعياتها وفقا لمبادئ العدالة الانتقالية، وأن يتزامن ذلك مع مسار اقتصادي يتضمن إعادة إعمار ما خلفته الحرب من دمار.



مصطفى نصر
رئيس مركز الدراسات والاعلام الاقتصادي في اليمن