Oct 15, 2026
أي موقف عربي من بداية المشاورات التي تسبق COP31؟
حبيب معلوف
كاتب وصحافي بيئي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
حبيب معلوف

أي موقف عربي من بداية المشاورات التي تسبق COP31؟

بقلم حبيب معلوف

مع انطلاق المشاورات التحضيرية لمؤتمر الأطراف COP31، يناقش حبيب معلوف أولويات مجموعة التفاوض العربية، من التمويل المناخي ونقل التكنولوجيا إلى التدابير التجارية والانتقال العادل وحق التنمية. ويطرح المقال تساؤلات حول قدرة الموقف العربي على تجاوز المطالب الدفاعية نحو رؤية تنموية بديلة، تضمن عدالة توزيع الموارد والتكنولوجيا ومنافع التحول المناخي، وتفسح مجالًا أوسع لمساءلة الحكومات ودور المجتمع المدني.

بدأت اليوم في 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026 مشاورات رؤساء الوفود (HOD Consultation)، وهي مشاورات «افتراضية» تطلق عليها الأمانة العامة صفة «غير رسمية»، تحضيرًا لوضع جدول الأعمال لمفاوضات COP31. وقد تحضّرت لها مجموعة التفاوض العربية بورقة لتثبيت أولويات البلدان النامية في مفاوضات COP31، ومنع انتقال مركز الثقل من التفاوض متعدد الأطراف إلى مبادرات طوعية تقودها الرئاسة، مع التشديد على التمويل والتكنولوجيا والعدالة المناخية وحق التنمية.

أهمية هذه الورقة أنها لا تقتصر على ما تطالب به المجموعة العربية؛ بل تشمل أيضًا ما تكشفه من خلافات داخل المفاوضات، ومن محاولة للتوفيق بين تنفيذ اتفاق باريس من جهة، والاعتراض على السياسات التجارية والتكنولوجية والاقتصادية التي قد تجعل التحول المناخي مصدرًا جديدًا للتفاوت بين الدول من جهة أخرى.

فما هو موقف مجموعة التفاوض العربية وموقف المجتمع المدني العربي قبيل انعقاد COP31 في أنطاليا؟

1. أولوية المفاوضات الرسمية على المبادرات السياسية الطوعية

تطالب المجموعة بأن تكون القرارات في COP31 منبثقة من تفويضات متفق عليها، وأن تبقى المفاوضات شفافة وتقودها الأطراف، لا أن تحل المبادرات التي تختارها رئاسة المؤتمر محل جدول الأعمال التفاوضي.

وهي لا ترفض أجندة العمل المناخي العالمي (Global Climate Action Agenda) بحد ذاتها، بل تريد إبقاءها مسارًا مكمّلًا للمفاوضات، لا بديلًا منها. والسبب أن المبادرات الطوعية لا تحتاج إلى موافقة جميع الدول، وقد تتحول، إذا اختلطت بالمسار الرسمي، إلى وسيلة لفرض أولويات لا تحظى بتوافق دولي.

2. التمويل المناخي: الاعتراض على التراجع عن الالتزامات

تشير المجموعة إلى تراجع التمويل المناخي، وتطالب بتعزيز صندوق التكيّف، وإحراز تقدم في برنامج عمل التمويل المناخي، وتأمين تجديد طموح لموارد الصندوق الأخضر للمناخ، ومنع التراجع عن التعهدات والمساهمات والتمويل المتوقع في إطار المادة 9، الفقرة 5 من اتفاق باريس.

جوهر الورقة التفاوضية هو أن تنفيذ التزامات الدول النامية لا يمكن أن يعتمد على وعود متناقصة أو تمويل غير مضمون. لكن المداخلة لا تحدد رقمًا مستهدفًا جديدًا للتمويل، ولا تفصّل كيفية توزيع الأعباء بين الدول المتقدمة.

3. رفض الإجراءات التجارية المناخية الأحادية

تعترض المجموعة على التدابير التجارية الأحادية المرتبطة بالمناخ، وخصوصًا تلك التي لها آثار تتجاوز الحدود الوطنية، وتدعو إلى معالجة ما تعتبره إجراءات تقييدية من خلال التعاون متعدد الأطراف.

المقصود هنا، في السياق الأوسع، إجراءات من نوع آليات تعديل الكربون على الحدود، مثل الآلية الأوروبية المعروفة باسم CBAM، وإن كانت الورقة لا تسميها صراحة.

الحجة العربية أن المناخ لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لفرض قواعد تجارية خارجية أو إلى منافسة صفرية تحمّل الاقتصادات النامية تكاليف إضافية من دون مراعاة اختلاف قدراتها ومسؤولياتها.

4. نقل التكنولوجيا والتصنيع في الجنوب العالمي

من أبرز نقاط الورقة الاعتراض على استمرار البلدان النامية في توفير المواد الخام، فيما تُنتج التكنولوجيا المتقدمة في الخارج باستخدام هذه المواد، ثم تُباع إليها بأسعار مرتفعة وتحميها براءات الاختراع.

تطالب المجموعة بتمويل مناخي أكبر وأفضل نوعية، وبنقل حقيقي للتكنولوجيا بشروط تفضيلية، وبالتوزيع الجغرافي العادل للقيمة المضافة والتصنيع وفرص العمل.

هذه نقطة تتجاوز مفهوم نقل التكنولوجيا بوصفه تبادلًا تقنيًا؛ فهي تطرح سؤالًا عن من يمتلك التكنولوجيا، ومن يملك المواد الأولية، ومن يحقق الأرباح، ومن يتحمل كلفة التحول المناخي؟

5. التكيّف مع الاحترار وتجاوز عتبة 1.5 درجة

تقرّ المجموعة بأن احتمال تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية أصبح واقعًا يجب الاستعداد له، وتؤكد ضرورة تسريع التقدم في التكيّف، ولا سيما في إطار الهدف العالمي للتكيّف (GGA)، والاستماع إلى احتياجات الجنوب العالمي.

وتربط ذلك أيضًا بتقنيات إزالة ثاني أكسيد الكربون واحتجازه واستخدامه وتخزينه، باعتبارها جزءًا من النقاش حول تجاوز العتبة الحرارية والحد من الاحترار.

هنا يجدر التمييز بين أمرين: الاتفاق على ضرورة التكيّف لا يعني الاتفاق على كيفية تمويله أو قياسه، كما أن الإشارة إلى تقنيات إزالة الكربون واحتجازه لا تعني أن جميع هذه التقنيات متساوية في الفاعلية أو النضج أو الملاءمة لكل بلد. مع الإشارة أيضًا إلى تحفظ المجتمع المدني العربي في مواقفه السابقة على صرف البلدان النفطية الكثير من الأموال على هذه التقنية غير المعترف بها، وتمويل انتقال وتوطين الطاقات المتجددة وإجراءات تكيّف أخرى بدلًا منها.

6. حماية استقلالية العلم

تدعو المجموعة إلى حماية العمليات العلمية من الأجندات السياسية، وإتاحة الوقت الكافي لمشاركة الخبراء والمؤسسات في البلدان النامية. وهذا مطلب مهم لأن إنتاج المعرفة المناخية وتحديد الأولويات والتقييمات العلمية لا ينبغي أن يخضع لاحتكار المؤسسات الأكثر تمويلًا وقدرة على المشاركة. ويضيف المجتمع المدني على هذا المطلب تحرير التقنيات الخضراء من قواعد منظمة التجارة العالمية ورفع حماية الملكية الفكرية عنها.

7. تدابير الاستجابة والانتقال العادل وحق التنمية

تحذّر المجموعة من أن سياسات الاستجابة لتغيّر المناخ قد تفرض أعباء اقتصادية إضافية على البلدان النامية، حتى عندما تستهدف خفض الانبعاثات. لذلك تطالب بالتقدم في ملف تدابير الاستجابة (Response Measures) والانتقال العادل (Just Transition).

وتستند إلى حجة تاريخية وأخلاقية: الدول التي أسهمت بصورة أكبر في استهلاك الميزانية الكربونية العالمية لا يجوز أن تضع قيودًا على حق الدول الأخرى في التنمية والتصنيع من دون توفير التمويل والتكنولوجيا والبدائل المناسبة.

ما الذي تقوله الورقة عن الخلافات داخل مفاوضات المناخ؟

ثمة خلافات أساسية يمكن استخلاصها من النص: إدارة المؤتمر والأولويات والمبادرات ودورها، ومدى الالتزام بالتعهدات وزيادة التمويل، ورفض الإجراءات الأحادية وإعطاء الأولوية للتكيّف، وتحميل الدول المتقدمة مسؤولية توفير وسائل التنفيذ، مع التخوف من أن يقود التحول المناخي إلى إعادة إنتاج التبعية الاقتصادية بدلًا من تعاون عادل.

هذه الخلافات ليست جديدة، لكنها تكتسب أهمية إضافية عندما ينتقل العالم من الاتفاق على الأهداف إلى التنافس على الأسواق والتكنولوجيا والمعادن الاستراتيجية وسلاسل الإمداد.

فقد يكون هناك توافق واسع على ضرورة التحول إلى اقتصاد منخفض الانبعاثات، لكن ذلك لا يعني وجود توافق على من يملك أدوات هذا التحول، أو من يموله، أو من يحصل على منافعه الاقتصادية.

وتجدر الإشارة إلى أن الموقف التفاوضي الرسمي والنص الذي يتحدث باسم المجموعة العربية، ويعرض أولويات مشتركة تريد الدفاع عنها في المفاوضات، يمكن ألّا يعبّر عن المصالح الوطنية الفعلية. فالدول العربية ليست متطابقة في أوضاعها الاقتصادية أو الطاقوية أو المناخية. فهناك دول مصدّرة للنفط والغاز، ودول تعتمد على استيراد الطاقة، ودول شديدة التأثر بندرة المياه وارتفاع الحرارة، ودول تواجه أزمات مالية وتنموية حادة.

وهذا التفاوت لا ينفي وجود مصالح مشتركة، لكنه يطرح سؤالًا عن مدى قدرة المجموعة على تحويل خطاب العدالة المناخية إلى برنامج عمل يراعي اختلاف أوضاع أعضائها.

فالدول المصدّرة للوقود الأحفوري قد تعطي أهمية أكبر لتدابير الاستجابة وحق التنمية، بينما قد تكون دول عربية أخرى أكثر إلحاحًا في المطالبة بتمويل التكيّف والمياه والأمن الغذائي والخسائر والأضرار.

كما أن الاعتراض على الإجراءات التجارية الأحادية لا يعفي الدول العربية من تطوير سياسات صناعية وطاقوية تجعل اقتصاداتها أقل عرضة لتلك الإجراءات مستقبلًا.

وهنا تكمن إحدى الفرص المهمة أمام المجتمع المدني العربي: مساءلة الحكومات عن كيفية توزيع فوائد التمويل والتكنولوجيا والتحول الطاقوي داخل المنطقة، وليس فقط عن مواقفها في مواجهة الدول المتقدمة.

نحو موقف عربي أكثر قوة

رغم أهمية المداخلة، هناك نقاط تحتاج إلى توضيح أو تطوير إذا أردنا تحويلها إلى موقف عربي أكثر قوة.

ربطت الورقة بين تجاوز 1.5 درجة والحاجة إلى إزالة ثاني أكسيد الكربون واحتجازه واستخدامه وتخزينه. لكن هذه التقنيات ليست بديلًا متكافئًا عن خفض الانبعاثات من مصادرها، ولا ينبغي أن تصبح ذريعة لتأجيل التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري.

ومن الضروري التمييز بين إزالة الكربون التي تحقق إزالة فعلية ودائمة للغازات من الغلاف الجوي، واحتجاز الانبعاثات عند مصدرها، وبين الوعود التقنية التي لم تثبت بعد قدرتها على العمل على نطاق واسع وبتكلفة مقبولة.

أما عن حق التنمية الذي طالما طالب به المجتمع المدني أيضًا، والذي يمكن ربطه بحق الدول النامية أن تصنّع وتخلق فرص عمل وتحسّن مستوى المعيشة، لكن السؤال هو: هل ينبغي أن تسلك طريق التنمية الكربونية نفسه الذي سلكته الدول الصناعية، أم أن المطلوب توفير بدائل تكنولوجية وتمويلية تسمح بالتنمية من دون تكرار الأضرار نفسها؟

العدالة المناخية لا تعني تجميد الفوارق القائمة باسم خفض الانبعاثات، لكنها لا تعني أيضًا منح أي مشروع تنموي حصانة من المساءلة البيئية. المطلوب هو تغيير شروط التنمية وربما تجاوز هذا المفهوم نحو العودة إلى فلسفة الكفاية القديمة.

في الخلاصة: من الموقف الدفاعي إلى مشروع بديل

يمكن القول إن الموقف العربي موقف دفاعي مهم، لكنه يحتاج إلى مشروع بديل. تدافع المجموعة العربية عن ثلاثة مبادئ مترابطة: عدالة التمويل، وعدالة توزيع التكنولوجيا والقيمة المضافة، وعدالة الانتقال المناخي مع الحفاظ على حق التنمية. وهي تحاول، في الوقت نفسه، حماية المسار التفاوضي المتعدد الأطراف من أن تحل محله مبادرات سياسية أو اقتصادية لا تحظى بتوافق الدول.

لكن قوة هذا الموقف لن تُقاس فقط بقدرته على الاعتراض على التمويل المتراجع أو الإجراءات التجارية الأحادية أو احتكار التكنولوجيا، بل ستُقاس أيضًا بقدرته على تقديم تصور بديل: كيف ننتج الطاقة؟ كيف نوزع منافعها؟ كيف نحمي المياه والغذاء؟ كيف نخلق فرص العمل؟ وكيف نضمن ألّا يتحول التحول المناخي إلى سباق جديد للسيطرة على الموارد والأسواق؟

وهذا يفتح أمام المجتمع المدني العربي مجالًا أساسيًا للعمل في COP31: الانتقال من الدفاع عن حق البلدان النامية في التنمية إلى طرح شروط تنمية عادلة، منخفضة الانبعاثات، تحمي المجتمعات والموارد، وتعيد توزيع القوة الاقتصادية والتكنولوجية بصورة أكثر إنصافًا.

فالمسألة في النهاية ليست فقط من يخفض الانبعاثات وبأي سرعة، بل أيضًا من يملك وسائل الخفض، ومن يدفع ثمنه، ومن يستفيد من الاقتصاد الجديد الذي يتشكل باسمه.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تعكس بالضرورة مواقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
احدث المنشورات
Oct 14, 2026
العدالة المناخية في لبنان: تقرير نتائج مجموعة النقاش المركّزة
Oct 14, 2026
تعزيز العمل الشامل للمجتمع المدني في المنطقة العربية من أجل تحقيق العدالة المناخية