Sep 18, 2026
الفضاء المدني العراقي: تحولات المفهوم، أزمات الحريات، وآفاق التحول الديمقراطي
سعد سلوم
مؤسس منظمة مسارات / أستاذ جامعي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
سعد سلوم

الفضاء المدني العراقي: تحولات المفهوم، أزمات الحريات، وآفاق التحول الديمقراطي

بقلم د. سعد سلوم

يتتبع د. سعد سلوم تحولات الفضاء المدني في العراق منذ عام 2003، من مرحلة تأسيس المنظمات والاعتماد على التمويل الخارجي، مرورًا بمرحلة الاحتراف والمراجعة، وصولًا إلى صعود الحركات الاحتجاجية والمبادرات الشبابية والمجتمع المدني الرقمي. ويناقش المقال قدرة المجتمع المدني على التأثير في السياسات والوعي المجتمعي، بالتوازي مع ما يواجهه الصحافيون والناشطون والمدافعون عن حقوق الإنسان من قيود قانونية وضغوط وتهديدات. كما يتناول التحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية في أنماط المشاركة المدنية، ويطرح في ختامه تصورًا لعلاقة جديدة بين الدولة والمجتمع المدني تقوم على الشراكة والحقوق والتعددية والمساءلة، ضمن عقد اجتماعي يعزز دور المواطن بوصفه فاعلًا في المجال العام.

يشهد الفضاء المدني وحرية التعبير في العراق مرحلة بالغة الحساسية والدقة، تتنازعها رغبة جامحة من الفاعلين الاجتماعيين والشباب في ترسيخ أسس الدولة الديمقراطية والمساءلة، وقمع ممنهج وتضييق مستمر تفرضه قوى الشد العكسي والمتربصون بالأصوات الحرة.

وانطلاقًا من معاينة ميدانية ومتابعة لمسار العمل المدني امتدت لأكثر من ثلاثة وعشرين عامًا، يتضح أن الصحافة والنشاط الحقوقي هما نبض أي مجتمع حي، فالواقع العراقي يضع الصحافيين والناشطين وأصحاب الأصوات النقدية في خط النار الأول، حيث تدفع الكلمة الحرة ثمنًا باهظًا من التهديدات والاعتداءات المباشرة، مما ينعكس بشكل عميق على قدرة المجتمع المدني على أداء دوره في الرقابة، والمحاسبة، والدفاع عن قضايا العدالة والمشاركة العامة.

ولهموم هذا الفضاء وتطوراته قصة هيكلية تبدأ من تحول المفهوم نفسه، فلفهم طبيعة الضغوط الحالية، لا بد من قراءة التحول البنيوي الذي مر به مفهوم «المجتمع المدني» في العراق منذ عام 2003 وحتى اليوم، إذ لم يعد المفهوم يقتصر على الكيانات المسجلة رسميًا، بل اتسع ليشمل شبكة واسعة من النقابات، والحركات الاجتماعية، والمبادرات الشبابية، والمراكز البحثية والإعلامية التي تعمل في المجال العام خارج إطار الدولة والأحزاب، عابرةً الأطر الكلاسيكية لتشمل حملات الضغط والمناصرة وشبكات المدافعين عن حقوق الإنسان.

ثلاث محطات في مسيرة المجتمع المدني

لقد عبر هذا المشوار بثلاث محطات، بدأت بمرحلة التأسيس والتمويل الخارجي بين عامي 2003 و2010، حيث برزت آلاف المنظمات بسرعة مدفوعة بدعم المانحين الدوليين للتركيز على الإغاثة والديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا أن الارتباط بالتمويل الخارجي أكثر من الارتباط بالبيئة المحلية أضفى عليها طابع «منظمات المشاريع». ثم تلتها مرحلة الاحتراف والمراجعة بين 2011 و2018، التي شهدت تطورًا مهنيًا ملحوظًا وظهور منظمات نوعية في مجالات العدالة الانتقالية وبناء السلام وتمكين النساء والشباب، بالتوازي مع تنامي المبادرات المستقلة والحركات الاحتجاجية، وصولًا إلى المرحلة الثالثة منذ عام 2019 وحتى الآن، التي تحول فيها المجتمع المدني مع انتفاضة تشرين إلى فاعل مباشر وصوت للشارع ومصدر للشرعية الأخلاقية، مندمجًا مع الحركات الاحتجاجية ومؤسسًا لشبكات دفاع ومراقبة ومبادرات سياسية واجتماعية جديدة، وهو ما جعله يتجاوز شيئًا فشيئًا تهمة التمويل ليكتسب شرعية مجتمعية وقدرة على التأثير في السياسات العامة، منتقلًا من العمل من الخارج إلى العمل من الداخل في صلب الهموم المجتمعية.

جدلية التأثير: بين محدودية السياسات وعمق الوعي المجتمعي

وفي قلب هذا السياق المتطور يبرز السؤال الجوهري حول قدرة المنظمات المدنية على إحداث تغيير ملموس، وهي إجابة نسبية وليست مطلقة تتفاوت بحسب المرحلة والمجال والجغرافيا، إذ نجحت المنظمات في التأثير المحدود على السياسات العامة وحققت تأثيرًا أوسع بكثير على مستوى الوعي المجتمعي. ففي المرحلة الأولى انصب التركيز على بناء الهياكل القانونية والدستورية عبر صياغة مواد تخص حقوق الإنسان والمرأة في الدستور، وفي المرحلة الثانية برزت منظمات متخصصة أثرت في النقاش العام حول قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حرية التعبير والسياسات المتعلقة بالأقليات والنازحين، ومنذ عام 2019 أصبح للمجتمع المدني حضور فعلي في المجال السياسي من خلال مراقبة الانتخابات والضغط من أجل المساءلة ونشر ثقافة الاحتجاج السلمي.

وبمعنى آخر، فإن التأثير موجود ولكنه تراكمي وتدريجي، وغالبًا ما يتحقق في الوعي والسلوك أكثر مما يتحقق في التشريعات الجاهزة. ويتجلى هذا التأثير الإيجابي الملموس في حملات مناهضة العنف الأسري التي تحولت من مسألة خاصة إلى قضية رأي عام مع إدراج مسودات قوانين في البرلمان رغم عدم إقرارها النهائي، وفي حماية حقوق الأقليات عبر تضمين حقوق المكونات في التشريعات والتوعية بمفاهيم التنوع والمواطنة، وفي رصد الفساد ومراقبة الانتخابات عبر منظمات نجحت في تطوير مؤشرات النزاهة، فضلًا عن تمكين الشباب والاحتجاجات السلمية بعد عام 2015 التي أدخلت ثقافة جديدة للوعي السياسي أبرزها التمرد على الطائفية والمطالبة بدولة المواطنة وإحياء قيم التضامن الوطني.

علاوة على ذلك، فإن التأثير لا يُختزل في تغيير القوانين فحسب، بل يمتد ليشمل مستويات أعمق وأكثر استدامة تتمثل في التشريعات والسياسات، والوعي والقيم عبر إعادة تعريف المساواة والتسامح والعدالة الاجتماعية، والسلوك اليومي عبر تحويل القيم إلى ممارسة حية لاحترام القانون والتطوع ونبذ العنف والمشاركة الفاعلة حين يصبح المواطن واعيًا بحقوقه وممارسًا لها.

ملامح المجتمع المدني الرقمي وثقافة الجيل الجديد

وإلى جانب هذا التأثير المتنامي، يبرز شكل جديد للمجتمع المدني في زمن الإعلام الرقمي والهوية الرقمية، لم يعد محصورًا في المنظمات التقليدية ذات الهياكل البيروقراطية، بل يتجسد اليوم في شبكات رقمية ومبادرات شبابية وحملات إلكترونية عابرة للمؤسسات، لنكون أمام مجتمع مدني رقمي يتسم بالمرونة وسرعة الحركة.

وتبرز أهم ملامحه في تحول الفضاء الافتراضي إلى ميدان للفعل المدني عبر مواقع التواصل التي أصبحت منصات للتعبئة والنقاش والضغط وصناعة الرأي العام بما يفوق قدرة المنظمات الكلاسيكية، وفي بروز الهوية الرقمية للناشطين حيث يحمل كل ناشط ملفًا رقميًا يؤثر في صورته وصدقيته أكثر من بيانات التسجيل الرسمية، وفي الحملات الإلكترونية العابرة للحدود لمكافحة الفساد والتضامن مع المكونات وقضايا البيئة دون الحاجة إلى تراخيص رسمية، فضلًا عن الشفافية والمساءلة المفتوحة التي تفرض معايير جديدة للثقة والمصداقية بفضل مراقبة الجمهور لحظة بلحظة.

ويرافق هذا التحول تغير جذري في لغة وثقافة الجيل الجديد مقارنة بالجيل السابق؛ فالجيل الجديد ينتقل من اللغة المؤسساتية الرسمية كالتمكين والتدريب إلى اللغة الحياتية اليومية كالكرامة والفرص والحرية الشخصية، معتمدًا على المحتوى الرقمي والتفاعل الفوري ومخاطبة الجمهور مباشرة عبر المنصات من القاعدة الاجتماعية بدلًا من التقارير والاجتماعات وخطاب الإصلاح من الأعلى، وهو جيل يفضل العمل الرمزي والمباشر، محتاجًا إلى التأطير والتراكم المؤسسي لضمان استدامة أثره.

إن هذا التطلع يقود بالضرورة نحو بناء عقد اجتماعي جديد يعيد تنظيم العلاقة على أساس أن الدولة ضامن للحقوق لا مانح لها، والمجتمع المدني شريك لا ملحق ولا خصم سياسي، والمواطن فاعل لا متلقٍ ولا تابع.

معوقات العمل المدني وتحديات البيئة القمعية وأثرها على العدالة

إلا أن هذا الصعود المتنامي للمجتمع المدني والصحافة الحرة اصطدم بواقع شديد القسوة تتداخل فيه التحديات الهيكلية مع الضغوط السياسية والأمنية، إذ تبرز أهم المعوقات في التمويل عبر الاعتماد الكبير على الدعم الخارجي الذي يجعل بعض المنظمات تخضع لأولويات المانحين بدلًا من أولويات الناس، فضلًا عن ضعف التمويل المحلي الذي يهدد استدامة العمل، وفي البيئة القانونية حيث لا تزال القوانين النافذة كقانون المنظمات غير الحكومية رقم 12 لسنة 2010 تقيّد العمل المدني عبر الروتين والرقابة الأمنية مع غياب تشريعات تضمن حرية التنظيم، فضلًا عن التخوف المستمر من استخدام نصوص قانون العقوبات أو محاولات إقرار تشريعات مقيدة للفضاء الرقمي وحرية التعبير، مثل مشاريع قوانين جرائم المعلوماتية.

وتتجسد خطورة هذا المناخ القمعي والانتهاكات المباشرة – التي توثقها تقارير رصد الحريات كالاغتيالات والاعتقالات والتهديدات المستمرة وسط حالة من الإفلات من العقاب – في كونها لا تستهدف الأفراد فحسب، بل تضرب في العمق قضايا المساءلة والعدالة. فحين يتعرض الصحفي الاستقصائي أو الناشط الحقوقي للملاحقة بسبب نبش ملفات الفساد المالي والإداري، يتعطل الدور الرقابي وتُجهض مسارات المساءلة.

وتكشف التقارير الحقوقية لعام 2025، مثل تقرير مركز ميترو وشبكة تحالف المادة 19، عن بيئة عمل شديدة الخطورة تتميز بالإفلات من العقاب، حيث سُجّل في إقليم كوردستان وحده 315 انتهاكًا ضد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، ترافق مع 120 حالة منع وتمايز وحجب للمعلومات الحكومية. وبالمثل، فإن تضييق الخناق على النشطاء الذين يوثقون الانتهاكات يقطع صلة الوصل بملفات العدالة الانتقالية وجبر الضرر في المجتمعات المتعددة، مما يحول الضحايا إلى أرقام مهملة ويغيّب العدالة الجنائية لصالح ثقافة الصمت والخضوع.

ولمواجهة هذه التحديات، يتطلب الأمر حتمًا إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، فالنموذج التقليدي القائم على الترخيص والرقابة لم يعد صالحًا، وينبغي الانتقال إلى نموذج يقوم على الشراكة لا الوصاية، لتكون الدولة طرفًا في المجال العام وليست سلطة مراقبة مطلقة، والتكامل في الأدوار بحيث تنفذ الدولة السياسات ويراقب المجتمع المدني ويقترح ويعبّر عن الاحتياجات، والاعتراف بالتعددية بالتعامل مع المجتمع المدني كشبكة مصالح ورؤى مرنة، والتحديث القانوني لمراجعة القوانين لتشمل الحركات الرقمية والمبادرات غير الرسمية، لتُبنى العلاقة الجديدة على الثقة والتنسيق لا الشك والمراقبة.

ولخلق درع حماية وتحالفات قوية، لا بد من الانتقال من المنافسة إلى التكامل لتجنب تبديد الجهود، وتشكيل شبكات ضغط وطنية مشتركة تتبنى مواقف موحدة، وربط خبرة المركز بحيوية المحافظات، وإشراك النقابات والجامعات والإعلام لتوسيع قاعدة التأثير بإدارة شفافة وآليات فاعلة.

آفاق المستقبل: المنظومة القيمية والعقد الاجتماعي الجديد

ورغم كل التحديات الجسام والانتهاكات المستمرة التي تستهدف الصحافة وحرية التعبير، فإن التطلع إلى المستقبل يفرض على المجتمع المدني التمسك بروح لا تُختزل في الهياكل أو التمويل، بل تتجسد في منظومة قيم تحمي استقلاله وتمنحه صدقيته، كالاستقلالية ليكون صوته نابعًا من المجتمع لا من المانحين أو الأحزاب، والشفافية والمساءلة ليكون نموذجًا لما يطالب به، والعدالة والكرامة الإنسانية بالدفاع عن الإنسان كقيمة مطلقة بغض النظر عن الدين أو القومية، والتضامن الفعلي بين الفاعلين المدنيين، والتجديد الفكري المستمر لمواكبة عصر الإعلام الرقمي والتحولات الاجتماعية، بوصف هذه القيم رأسمالًا رمزيًا لا غنى عنه لقوته الأخلاقية.

وفي زمن الاستقطاب السياسي والطائفي الذي أفقده بوصلته أحيانًا، يُطالب المجتمع المدني باستعادة دوره كضمير جمعي عبر الوقوف على مسافة واحدة من الجميع دفاعًا عن المبادئ لا الأشخاص، وتبني خطاب يعلو فوق الانقسامات ويركز على المشترك الوطني، وتجسيد القيم في الممارسة اليومية، وحماية المجال العام من خطاب الكراهية بمبادرات تعيد تعريف الاختلاف بوصفه مصدر غنى لا تهديد.

إن هذا التطلع يقود بالضرورة نحو بناء عقد اجتماعي جديد يعيد تنظيم العلاقة على أساس أن الدولة ضامن للحقوق لا مانح لها، والمجتمع المدني شريك لا ملحق ولا خصم سياسي، والمواطن فاعل لا متلقٍ ولا تابع، ضمن ثلاثية الاعتراف المتبادل، والتضامن الفعلي، والعدالة الشاملة؛ فحين يشعر المواطن بأن صوته يُسمع وكرامته مصانة، لن يحتاج إلى وسيط ليمثله، بل سيصبح هو جوهر المجتمع المدني ذاته وبذرة تحوله الثقافي طويل الأمد.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر حصراً عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء أو مواقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
احدث المنشورات
Sep 21, 2026
ورقة موقف: موازنة لبنان 2027: أي مالية عامة للتعافي والعدالة الاجتماعية؟
Sep 21, 2026
انتكاسة من بغداد إلى نيويورك - منار زعيتر