من يقرر مَن هي "الدولة المتقدمة"؟
معركة الالتزامات البيئية في COP17 للتنوع البيولوجي مقدمة لمعركة اكبر في cop31 للمناخ
حبيب معلوف
يناقش حبيب معلوف الخلاف في مؤتمر التنوع البيولوجي COP17 بشأن مراجعة قائمة الدول المتقدمة الملزمة بتمويل حماية الطبيعة، وإمكان اعتماد تصنيفات البنك الدولي للدخل معيارًا لإعادة توزيع المسؤوليات. ويتناول الاعتراضات القانونية والسياسية للدول النامية، واحتمال امتداد آثار هذا النقاش إلى مفاوضات المناخ COP31، مع التأكيد على العدالة البيئية والتمويل ونقل التكنولوجيا.
هل تتحول التصنيفات الاقتصادية الخارجية إلى أداة لإعادة توزيع المسؤوليات البيئية الدولية؟ وهل يمكن الاستفادة من موضوع التصنيفات التي تبحث الآن وحتى نهاية هذا الشهر في cop 17 للتنوع البيولوجي في ال cop31 لتغير المناخ واضافة دول ناشئة جديدة الى المسؤولية التاريخية للدول المتقدمة؟ وهل يمكن أن تصبح الدولة متقدمة، بالمعنى الذي يحمّلها التزامات مالية إضافية بموجب اتفاقية بيئية دولية، لمجرد أن تصنيفًا اقتصاديًا خارجيًا أدرجها ضمن الدول ذات الدخل المرتفع؟ وهل يكفي مرور عشرين عامًا على اعتماد قائمة الدول المتقدمة لتبرير إعادة النظر فيها، حتى لو أدى ذلك إلى تغيير هوية الدول الملزمة بتمويل حماية الطبيعة؟
هذه ليست أسئلة افتراضية. إنها أحد الأسئلة التي تتصارع حولها الوفود المشاركة في مؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية التنوع البيولوجي (COP17)، المنعقد في يريفان، أرمينيا، بين 19 و30 تشرين الأول/أكتوبر 2026. وتكمن أهمية هذا الخلاف في أنه يتجاوز آليات تمويل حماية الأنواع والأنظمة البيئية، ليصل إلى مسألة أكثر جوهرية: مَن يحدد المسؤوليات في الاتفاقيات البيئية الدولية، وبأي مرجعية، وهل يمكن إعادة توزيعها من خلال معايير لم تتوافق الدول على اعتمادها لهذا الغرض؟
من تمويل حماية الطبيعة إلى إعادة تعريف المانحين
تأتي هذه المواجهة في وقت لا يزال فيه تمويل التنوع البيولوجي بعيدًا عن الأهداف المتفق عليها دوليًا. فالإطار العالمي للتنوع البيولوجي، الذي اعتُمد في كونمينغ ومونتريال عام 2022، يدعو إلى تعبئة ما لا يقل عن 200 مليار دولار سنويًا من جميع المصادر بحلول عام 2030، بما في ذلك 30 مليار دولار سنويًا من التمويل الدولي. كما نصّ على هدف مرحلي يقضي بتعبئة 20 مليار دولار سنويًا من التمويل الدولي للدول النامية بحلول عام 2025.
لكن تقرير التقييم العالمي للتقدم في تنفيذ الإطار، الذي نشرته اتفاقية التنوع البيولوجي قبل مؤتمر يريفان، أشار إلى أن التمويل المتحقق لا يزال بعيدًا عن الاحتياجات والأهداف المعلنة. وبحسب تحليل نشرته منصة "كاربون بريف" في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026، لم يتجاوز متوسط التمويل العام الدولي للتنوع البيولوجي، وفق البيانات المجمعة للفترة 2020–2023، نحو 4.4 مليارات دولار سنويًا، وهو أقل بكثير من الهدف المرحلي البالغ 20 مليار دولار سنويًا.
المفارقة هنا أن النقاش لا يدور فقط حول كيفية توفير الأموال الناقصة، بل أيضًا حول مَن ينبغي أن يتحمل مسؤولية توفيرها. فبدلًا من أن ينحصر البحث في كيفية وفاء الدول بالتزاماتها القائمة، برز اقتراح بتوسيع قاعدة الدول المساهمة في التمويل، من خلال مراجعة قائمة الدول المتقدمة المعتمدة في الاتفاقية.
وهنا يبدأ الخلاف الحقيقي.
ماذا تقول الاتفاقية؟
تنص المادة 20، الفقرة الثانية، من اتفاقية التنوع البيولوجي على أن الدول المتقدمة الأطراف تقدم موارد مالية جديدة وإضافية لتمكين الدول النامية من تحمل تكاليف تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاقية. وتتيح المادة نفسها لدول أخرى أن تتولى هذه الالتزامات طوعًا، كما تنص على أن مؤتمر الأطراف ينشئ قائمة بالدول المتقدمة وبالدول الأخرى التي تتولى طوعًا التزاماتها، وأن يراجع هذه القائمة دوريًا ويعدلها عند الضرورة.
وقد اعتُمدت القائمة المعمول بها حاليًا في قرار مؤتمر الأطراف الثامن عام 2006. ومنذ ذلك الحين، تغيرت الأوضاع الاقتصادية في العالم، وارتفعت دخول بعض الدول، وظهرت تحولات جديدة في موازين الاقتصاد العالمي.
تستند مجموعة من الدول المتقدمة إلى هذه التحولات لتقول إن مراجعة القائمة أصبحت ضرورية، وإن توسيع قاعدة المساهمين يمكن أن يتيح موارد إضافية لحماية التنوع البيولوجي. ويطرح اقتراح تقدمت به كندا نيابة عن أستراليا وكندا واليابان ونيوزيلندا والنرويج وسويسرا والمملكة المتحدة، وانضمت إليه لاحقًا آيسلندا، استخدام تصنيف البنك الدولي للدول ذات الدخل المرتفع معيارًا لمراجعة القائمة وتعديلها، مع استثناء الدول الجزرية الصغيرة النامية.
لكن الاعتراض لا يتعلق بمجرد تحديث قائمة قديمة. إنه يتعلق بالمرجعية التي سيجري اعتمادها، وبما إذا كان التصنيف الاقتصادي الخارجي سيصبح معيارًا تلقائيًا لتحديد الالتزامات القانونية بموجب الاتفاقية.
هل الدخل المرتفع يعني أن الدولة أصبحت متقدمة؟
اعترضت 83 دولة نامية على المقترح خلال اجتماع الهيئة الفرعية المعنية بالتنفيذ في نيروبي في آب/أغسطس الماضي. وشملت هذه الدول المجموعة الأفريقية، إلى جانب دول من مناطق مختلفة، من بينها البرازيل والصين والهند والأردن وقطر والسعودية والإمارات والبحرين.
واعتبرت الدول المعترضة أن تصنيف البنك الدولي صُمّم لأغراض اقتصادية وإدارية خاصة بالمؤسسة، ويستند أساسًا إلى نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي، وليس إلى تقييم شامل لمستوى التنمية أو القدرة الفعلية على تحمل الالتزامات الدولية.
فالدخل وحده لا يكشف حجم المديونية، أو التفاوت الاجتماعي، أو معدلات الفقر، أو ضعف البنية التحتية، أو الهشاشة الاقتصادية والبيئية. وقد تسجل دولة دخلًا مرتفعًا وفق المعيار المعتمد، لكنها تظل تواجه اختلالات بنيوية أو تفاوتات داخلية كبيرة.
والأهم من ذلك أن الدول المعترضة ترى أن استخدام تصنيف خارجي لتعديل القائمة قد يحوّل معيارًا اقتصاديًا إلى أداة لإعادة تحديد الالتزامات القانونية. ووفقًا لتقرير شبكة العالم الثالث الصادر في 25 آب/أغسطس 2026، شددت هذه الدول على أن أي تغيير من هذا النوع يجب أن يبقى مستندًا إلى الإطار القانوني للاتفاقية، لا إلى معيار خارجي يُطبَّق بصورة تلقائية.
في المقابل، تقول الدول التي تقدمت بالمقترح إن الأوضاع الاقتصادية العالمية تغيرت خلال العقدين الماضيين، وإن من الضروري مراجعة القائمة وزيادة مصادر تمويل التنوع البيولوجي. وتؤكد أن غايتها ليست تقليص التزامات الدول المتقدمة الحالية.
إذن، ليس الخلاف حول الحاجة إلى التمويل الإضافي بحد ذاتها، بل حول الطريقة التي يمكن من خلالها تعبئته، وما إذا كان توسيع قاعدة المساهمين ينبغي أن يتم طوعًا، أم عبر إعادة تحديد الفئات التي تتحمل التزامات مالية بموجب الاتفاقية.
ما الذي يجعل المسألة خطيرة قانونيًا؟
تسمح المادة 20 بمراجعة القائمة وتعديلها عند الضرورة. ولذلك لا يكفي القول إن القائمة لا يجوز تعديلها مطلقًا. لكن وجود صلاحية للمراجعة لا يحسم وحده السؤال المتعلق بالمعايير التي ينبغي أن تحكمها، ولا يعني بالضرورة أن تصنيفًا خارجيًا يمكن أن يؤدي تلقائيًا إلى تغيير وضع الدول والتزاماتها.
هنا تكمن المسألة القانونية الدقيقة: هل تعني المراجعة الدورية أن مؤتمر الأطراف يستطيع اعتماد معيار جديد بعد التفاوض والتوافق، أم أن المقترح المطروح يذهب أبعد من ذلك، من خلال إنشاء آلية تلقائية تربط القائمة بتصنيف البنك الدولي؟
هذا التمييز جوهري. فهناك فرق بين أن تتفق الدول الأطراف، ضمن الإجراءات المعتمدة، على تعديل قائمة أو وضع معايير جديدة، وبين أن يصبح تصنيف صادر عن مؤسسة دولية أخرى سببًا مباشرًا لتغيير الالتزامات من دون موافقة صريحة من الدول المعنية على تحملها. ولا يعني ذلك أن كل استخدام للتصنيفات الخارجية مخالف للقانون الدولي بالضرورة؛ بل إن السؤال هو كيفية استخدامها، ومدى اتساقها مع نص الاتفاقية وأحكامها ومبادئها وإجراءات اتخاذ القرار فيها.
كما أن المادة 20 لا تتعلق بالتمويل وحده بمعزل عن بقية الاتفاقية. فالمادة 20، الفقرة الرابعة، تربط قدرة الدول النامية على التنفيذ الفعلي لالتزاماتها بمدى وفاء الدول المتقدمة بالتزاماتها المتعلقة بالموارد المالية ونقل التكنولوجيا. وهذا يعكس تفاهمًا تفاوضيًا أساسيًا: إن توزيع المسؤوليات لا ينفصل عن توزيع وسائل التنفيذ.
من التنوع البيولوجي إلى مفاوضات المناخ
اهتمت المجموعة العربية بهذه المسألة كثيرا، خوفا من أن تتجاوز آثارها المحتملة مؤتمر التنوع البيولوجي الى مؤتمرات تغير المناخ. فهذه السابة يمكن أن تفتح بابًا للنقاش حول العلاقة بين التصنيفات الاقتصادية والالتزامات البيئية في النظام الدولي. وإذا جرى اعتماد مبدأ استخدام معيار خارجي لإعادة تحديد فئات الدول الملزمة بالتمويل في اتفاقية التنوع البيولوجي، فقد تستند أطراف في مفاوضات بيئية أخرى إلى هذه السابقة للمطالبة بمقاربات مشابهة، لاسيما في موضوع الكوارث المناخية التي تعتبر كلفتها اكبر بكثير من قضايا حماية التنوع البيولوجي.
يقول البعض انه لا يجب الخلط بين الاتفاقيات. فاتفاقية التنوع البيولوجي واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ ليستا نصًا قانونيًا واحدًا، ولا تنتقل آثار أي قرار من إحداهما إلى الأخرى بصورة تلقائية. فلكل اتفاقية أحكامها وقوائمها وسياقها التفاوضي.
ومع ذلك، فإن المسألة تكتسب أهمية خاصة في مفاوضات المناخ، حيث يحتل مبدأ "المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة والقدرات ذات الصلة"، المنصوص عليه في المادة الثالثة من الاتفاقية الإطارية، موقعًا محوريًا في النقاش حول التمويل ونقل التكنولوجيا والعمل المناخي. ويعني هذا المبدأ أن حماية المناخ مسؤولية مشتركة، لكنها ليست مسؤولية متطابقة بين جميع الدول؛ إذ ينبغي أخذ اختلاف المساهمات التاريخية في المشكلة والقدرات المتاحة في الاعتبار. ولا يكفي، بالتالي، النظر إلى مستوى الدخل الحالي وحده لفهم كيفية توزيع المسؤوليات. وإذا تحولت التصنيفات الاقتصادية الخارجية إلى وسيلة لإعادة رسم فئات الدول في اتفاقية ما، فقد يتجدد السؤال في اتفاقيات أخرى: هل تُحدَّد المسؤوليات وفق النصوص التي تفاوضت عليها الدول، أم وفق مؤشرات اقتصادية متغيرة يجري إعدادها لأغراض مختلفة؟
هذه ليست نتيجة قانونية حتمية، لكنها سابقة سياسية وتفاوضية ينبغي التعامل معها بجدية، خصوصا أن هناك من اقترح أن يتم دمج الاتفاقيات الثلاثة التي اقرت قمة الارض في الريو العام 1992.
تكامل الاتفاقيات أم إعادة توزيع المسؤوليات؟
يكتسب هذا الخلاف أهمية إضافية إذا وضعناه في سياق النقاش المتصاعد حول تعزيز التكامل بين الاتفاقيات البيئية الثلاث التي يُشار إليها باسم "اتفاقيات ريو": اتفاقية التنوع البيولوجي، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر.
ففي التحضير لمؤتمر المناخ COP31، الذي تستضيفه تركيا في أنطاليا في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، برز اتجاه نحو تعزيز التنسيق بين هذه الاتفاقيات، انطلاقًا من حقيقة علمية لا خلاف عليها: لا يمكن مواجهة تغير المناخ بمعزل عن حماية التنوع البيولوجي واستعادة الأراضي المتدهورة، كما لا يمكن مكافحة التصحر والجفاف من دون معالجة الضغوط المناخية وحماية النظم البيئية.
وقد قادت تركيا هذا المسار من خلال "حوارات أنطاليا" في أيار/مايو 2026، ثم جرى في آب/أغسطس إطلاق مسار تحضيري تقوده رئاسة COP31 باتجاه إنشاء مجموعة عمل طوعية تقودها الدول لتعزيز التكامل بين الاتفاقيات الثلاث، مع التوجه إلى إطلاقها في مؤتمر أنطاليا. والمقصود هنا ليس دمج الاتفاقيات قانونيًا في اتفاقية واحدة، بل تعزيز التنسيق في التخطيط والتنفيذ والتمويل وتبادل المعلومات، والحد من ازدواجية التقارير والإجراءات.
لكن هنا تحديدًا تبرز أهمية الخلاف الجاري في COP17 للتنوع البيولوجي. فإذا كان المجتمع الدولي يتجه نحو مزيد من التكامل في معالجة الأزمات البيئية، فهل سيقود هذا التكامل إلى تعزيز الالتزامات القائمة وتوفير الموارد اللازمة لتنفيذها، أم سيُستخدم أيضًا مدخلًا لإعادة تعريف الدول التي تتحمل مسؤولية تمويلها؟
إن تكامل الأزمات البيئية ينبغي أن يقود إلى تكامل الاستجابات، لا إلى تمييع المسؤوليات. فهناك فرق بين تنسيق المشاريع والبرامج والتمويل لتحقيق أهداف مشتركة، وبين تغيير الأساس القانوني الذي يحدد مَن يتحمل التزامات مالية بموجب كل اتفاقية. وقد يكون المشروع الواحد مفيدًا للمناخ والتنوع البيولوجي ومكافحة التصحر في الوقت نفسه، لكن ذلك لا يلغي اختلاف النصوص القانونية والالتزامات وآليات التمويل التي تفاوضت عليها الدول في كل اتفاقية.
من هنا، فإن أي مسار نحو التكامل ينبغي أن يجيب عن سؤالين متلازمين: كيف نجعل التمويل أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق نتائج مشتركة؟ وكيف نضمن، في الوقت نفسه، ألا تتحول إعادة تنظيم آليات التنفيذ إلى وسيلة لتخفيف الالتزامات القائمة أو نقل أعبائها إلى دول لم توافق على تحملها؟
وهذه مسألة جوهرية بالنسبة إلى الدول العربية والنامية عمومًا. فالتكامل الحقيقي لا يُقاس بعدد المبادرات المشتركة أو بتوحيد التقارير، بل بقدرته على سد فجوة التمويل، وتيسير نقل التكنولوجيا، وتعزيز قدرات الدول على التنفيذ، مع الحفاظ على مبادئ الإنصاف والمسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة حيث تنطبق.
إن نجاح مسار ريو نحو أنطاليا لا ينبغي أن يُقاس فقط بمدى التنسيق بين الاتفاقيات الثلاث، بل أيضًا بمدى قدرته على تحويل هذا التنسيق إلى التزامات أوضح وموارد كافية وتنفيذ أكثر عدالة. فليس المطلوب أن تصبح الاتفاقيات الثلاث متطابقة، بل أن تتكامل أهدافها ووسائل تنفيذها من دون أن تضيع الفوارق القانونية التي تشكل أساس توزيع المسؤوليات بينها.
ماذا يعني ذلك للمجموعة العربية؟
بالنسبة إلى الدول العربية، لا تختصر المسألة في الدفاع عن تصنيف قائم أو رفض أي مساهمة مالية إضافية. فالدول العربية نفسها متفاوتة في دخلها وقدراتها المالية، وفي أوضاعها التنموية والبيئية. ولا يمكن اختزال هذا التنوع في معيار واحد. لكن الاعتراض على استخدام تصنيف الدخل معيارًا تلقائيًا لإعادة تحديد الالتزامات يطرح سؤالًا أوسع عن حق الدول في المشاركة في صياغة القواعد التي تحكمها، وعن ضرورة احترام الإطار القانوني لكل اتفاقية.
ومن هنا، يمكن للموقف العربي أن يستند إلى مجموعة من المبادئ الواضحة:
أولًا: الفصل بين توسيع قاعدة المساهمين في تمويل التنوع البيولوجي وبين إعادة تحديد الدول الملزمة قانونيًا بالتمويل.
ثانيًا: رفض أي آلية تلقائية تُغيّر الالتزامات استنادًا إلى تصنيف خارجي لم يُعتمد لهذا الغرض ضمن الاتفاقية، مع التمييز بين هذا الرفض وبين إمكان التفاوض على معايير مراجعة متفق عليها.
ثالثًا: التأكيد أن زيادة التمويل لا ينبغي أن تصبح ذريعة لتأجيل الوفاء بالالتزامات القائمة أو تخفيفها.
رابعًا: ربط أي نقاش حول توزيع الأعباء المالية بمسألة العدالة في الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا وبناء القدرات، وبالحاجة إلى تمكين الدول النامية من تنفيذ أهداف حماية التنوع البيولوجي.
فالمطلوب ليس إغلاق باب التمويل أمام أي دولة قادرة على المساهمة، بل ضمان ألا يتحول توسيع قاعدة المساهمين إلى وسيلة لإعادة توزيع المسؤوليات من دون اتفاق واضح على الأساس القانوني الذي يحكم ذلك.
من يدفع ثمن حماية الطبيعة؟
في خلفية هذا الخلاف سؤال يتجاوز القوائم والتصنيفات: هل نتعامل مع حماية الطبيعة باعتبارها مسؤولية عالمية مشتركة، أم نعيد توزيع أعبائها بطريقة قد تنقل جزءًا من التكاليف إلى دول لم توافق على تحمل الالتزامات نفسها؟
إن الدول النامية ليست مجرد متلقٍّ للتمويل؛ فهي تضم جزءًا كبيرًا من التنوع البيولوجي العالمي، وتتحمل مسؤولية أساسية في حمايته، وغالبًا ما تواجه قيودًا مالية وتقنية تحول دون تنفيذ الالتزامات الدولية بالسرعة المطلوبة. وحماية هذا التنوع ليست مصلحة محلية فحسب، بل منفعة عالمية تتصل بالمناخ والمياه والأمن الغذائي وسبل العيش.
وفي المقابل، فإن الدعوة إلى زيادة مصادر التمويل ليست بلا أساس؛ فحجم الموارد المطلوبة لحماية الطبيعة كبير، ولا يمكن تحقيق الأهداف المعلنة من دون تعبئة تمويل كافٍ ومستدام من مصادر متعددة. لكن السؤال يبقى: هل ينبغي معالجة نقص التمويل من خلال الوفاء بالالتزامات القائمة وتطوير مصادر إضافية، أم من خلال تغيير تعريف الدول التي تتحمل تلك الالتزامات؟
هذا هو الاختبار الحقيقي لمفاوضات يريفان. فالمشكلة ليست أن العالم يحتاج إلى مزيد من التمويل لحماية التنوع البيولوجي؛ المشكلة أن هذا التمويل لم يصل إلى المستوى المطلوب، فيما يُفتح النقاش حول مَن ينبغي أن يدفع، قبل حسم كيفية الوفاء بما سبق الاتفاق عليه.
وإذا كانت الاتفاقيات البيئية قد نشأت على أساس التفاوض والتوافق بين الدول، فإن استقرارها يتطلب أيضًا احترام القواعد التي اتفقت عليها الأطراف، وعدم تحويل المؤشرات الاقتصادية المتغيرة إلى بديل عن التفاوض القانوني.
فمن يقرر مَن هي الدولة المتقدمة؟ ومن يملك حق إعادة تعريف المسؤولية البيئية؟ وهل يمكن تحقيق العدالة في حماية الطبيعة إذا أصبحت قواعد توزيع الأعباء نفسها موضع إعادة تفاوض مستمرة؟
هذه الأسئلة لا تخص مؤتمر التنوع البيولوجي وحده. إنها تمسّ الثقة التي يقوم عليها النظام البيئي الدولي، وقدرة الدول على الاتفاق على قواعد مشتركة في عالم تتزايد فيه الأزمات، وتتسع فيه الفجوة بين حجم الالتزامات المعلنة والموارد المتاحة لتنفيذها. وهذه لن تتحقق إلا اذا تغير النظام الدولي المسيطر باتجاه المزيد من الاحترام التوازنات النظم البيئية.
احدث المنشورات
النشرة الشهرية للشبكة · تشرين الأول/أكتوبر 2026 ما وراء الاستقرار المالي