Oct 19, 2026
الاستقرار الاقتصادي حين لا يحمي من الفقر - أحمد عوض
أحمد عوض
مؤسس ومدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
أحمد عوض

الاستقرار الاقتصادي حين لا يحمي من الفقر

بقلم أحمد عوض

يناقش أحمد عوض التناقض بين أولويات الاستقرار المالي والنقدي ومواجهة الفقر، في ضوء النقاشات التي شهدتها الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك. ويسلّط الضوء على محدودية النمو والتشغيل في ضمان أجور كافية وحياة كريمة، وتحديات الذكاء الاصطناعي والمديونية والسياسات التقشفية في دول الجنوب العالمي. ويدعو إلى إعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو العمل اللائق، والعدالة الضريبية، والحماية الاجتماعية الشاملة، وجعل منع الإفقار معيارًا أساسيًا لتقييم برامج المؤسسات المالية الدولية.

وضعت الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك قضية الوظائف في مواجهة مباشرة مع أولويات الاستقرار المالي والنقدي. ففيما ركز رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، على تعبئة الاستثمارات لمواجهة فجوة التشغيل، شددت مديرة الصندوق، كريستالينا جورجيفا، على ضبط المديونية والتضخم. وبين الأولويتين، تبرز مسألة جوهرية: مدى قدرة السياسات المقترحة على تحسين دخول الناس ومنع انزلاق المزيد منهم إلى الفقر.

حذر بانغا من بلوغ نحو 1.2 مليار شاب سن العمل خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، مقابل توقعات بتوفير نحو 400 مليون وظيفة في العالم النامي. وأكدت جورجيفا أن صمود الاقتصاد العالمي يواجه ضغوط الديون والطاقة والتحولات التكنولوجية. تعكس الرسالتان إدراكاً لحجم الاختلالات، لكنهما تستدعيان مراجعة للأدوات التي ساهمت في تشكيل مسارات التنمية وتوزيع عوائدها.

فالتحدي يتجاوز عدد الوظائف إلى قيمتها الاقتصادية والاجتماعية. وتباطؤ النمو يحد من توسع التشغيل، بينما يسمح نمط النمو الاقتصادي السائد بزيادة الإنتاج والأرباح دون تحسن موازٍ في الأجور. وعندما تصبح كلفة العمل المنخفضة أساساً لجذب الاستثمار، تتوسع الوظائف الهشة، ويتحول ضعف الدخل إلى سمة مستمرة في سوق العمل. عندئذ تتراجع قدرة الوظيفة على حماية صاحبها من الفقر.

وفي الدول العربية غير المصدرة للنفط، تتجسد المشكلة في أن غالبية العاملين بأجر لا تكفيهم أجورهم لتأمين حياة كريمة لهم ولأسرهم. وهي مسألة تتجاوز خطوط الفقر النقدية الضيقة إلى القدرة على تحمل تكاليف السكن والغذاء والتعليم والصحة والنقل، ومواجهة الطوارئ دون اقتراض أو استنزاف المدخرات. لذلك، فإن قياس نجاح السياسات بمعدلات التشغيل وحدها يحجب واقع الأسر التي يعمل أفرادها ويظلون عاجزين عن تغطية احتياجاتهم الأساسية.

ويزيد الذكاء الاصطناعي تعقيد هذه المعادلة. فالاقتصادات المتقدمة أقدر على الاستثمار في البنية الرقمية والبحث والمهارات، بينما تواجه دول الجنوب العالمي بما فيها غالبية الدول العربية قيود التمويل والمديونية وضعف الخدمات العامة. ويقر كل من صندوق النقد والبنك الدوليين بأن تفاوت الجاهزية التكنولوجية قد يوسع الفجوات بين الدول. كما يمكن أن تتركز المكاسب داخل الدول لدى الشركات الكبرى ومالكي رأس المال والمهارات الأعلى، ما لم تتدخل السياسات لتوزيع عوائد الإنتاجية.

وبناء على ذلك، لا يكفي تقديم التكنولوجيا بوصفها محركاً للنمو، أو التدريب بوصفه جواباً شاملاً لتحولات التشغيل. المطلوب سياسات إنتاجية وتعليمية وعمالية مترابطة، تدعم المنشآت المحلية، وتوسع الاستخدام المنتج للتكنولوجيا، وتضمن انتقال جزء من مكاسبها إلى الأجور وتحسين الحماية الحماية الاجتماعية. وإلا قد تتسارع الإنتاجية في قطاعات محدودة، بينما تتوسع الأعمال منخفضة الأجر في بقية الاقتصاد.

وتطرح أولويات الاستقرار المالي والنقدي سؤال توزيع الكلفة. فلا خلاف على أن التضخم المرتفع والمديونية غير المستدامة يضران بالتنمية. لكن خفض العجز عبر الضرائب الاستهلاكية والضغط على الأجور وتقليص الإنفاق العام يحمل نتائج تختلف عن معالجته بضريبة تصاعدية فعالة، ومكافحة التهرب الضريبي، ومراجعة الإعفاءات، ورفع كفاءة الإنفاق. الخيار الأول يضغط على الطلب ومستويات المعيشة، وقد يضعف النشاط الاقتصادي الذي يفترض أن يدعم استدامة المالية العامة.

كذلك، تنتقل آثار التشديد النقدي في الاقتصادات الكبرى إلى دول الجنوب عبر ارتفاع كلف التمويل وخدمة الدين. وتجد هذه الدول نفسها مطالبة بخفض الإنفاق، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى استثمارات أكبر في الإنتاج والمهارات والخدمات. ولهذا، ينبغي أن تتوزع مسؤولية معالجة الديون بين الحكومات والدائنين والمؤسسات الدولية، من خلال إعادة هيكلة مبكرة، وتوسيع التمويل الميسر، وحماية الاستثمار الاجتماعي والمنتج.

تفرض هذه التحديات على البنك الدولي وصندوق النقد، باعتبارهما المؤسستين الماليتين الدوليتين الأكثر تأثيراً في مسارات التنمية والاقتصاد العالمي، إعادة النظر في برامجهما وشروط تدخلاتهما. وينبغي أن يصبح منع وقوع المزيد من الناس في الفقر هدفاً صريحاً يمكن قياسه، إلى جانب خفض العجز وتعبئة الاستثمار. ويتطلب ذلك تقييم أثر البرامج على الأجور والدخل المتاح والخدمات والتفاوت، قبل اعتمادها وخلال تنفيذها.

كما يتطلب الانتقال من الاكتفاء بشبكات المساعدة الموجهة إلى الفقراء، إلى دعم بناء نظم حماية اجتماعية شاملة تستند إلى إطار أرضيات الحماية الاجتماعية. ويقوم هذا التوجه على ضمان الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية وأمن الدخل عبر مراحل الحياة، مع توسيع التغطية تدريجياً، بما يشمل العاملين في الاقتصاد غير المنظم والفئات التي تستبعدها النظم القائمة. فالحماية الفعالة تبدأ قبل فقدان الدخل وتدهور المعيشة.

معيار النجاح المطلوب واضح: وظائف بأجور كافية، وخدمات عامة جيدة، وحماية اجتماعية تقلل المخاطر وتمنع الإفقار. وعلى هذا الأساس، تستطيع المؤسستان تقليص التفاوت بين الدول المتقدمة والجنوب العالمي، واللامساواة داخل الدول. أما استمرار فصل الاستقرار المالي عن أمن الناس الاقتصادي، فسيترك الاقتصادات أمام توازنات حسابية هشة ومجتمعات أقل قدرة على تحمل الصدمات.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تعكس بالضرورة مواقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
احدث المنشورات
Oct 23, 2026
الصمود لمن؟ آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2026 وفقراء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - خليل جبارة
Oct 22, 2026
الإعلام والتنمية: من نقل الأخبار إلى تمكين المواطن وإعادة بناء العقد الاجتماعي - زياد عبد الصمد