Oct 25, 2026
ما بعد الاستقرار المالي: الأجندة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة في صميم التعافي وإعادة الإعمار - زهرة بزّي
زهرة بزّي
مديرة برنامج

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
زهرة بزّي

ما بعد الاستقرار المالي: الأجندة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة في صميم التعافي وإعادة الإعمار

تأملات من الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لعام 2026 في بانكوك

انطلاقًا من مشاركة شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لعام 2026 في بانكوك، يناقش هذا المقال لماذا لا يكفي الاستقرار المالي وحده لتحقيق تعافٍ عادل ومستدام. ويسلط الضوء على الترابط بين الحوكمة والدين العام والحماية الاجتماعية والعمل وإعادة الإعمار في المنطقة العربية، مع التركيز على لبنان. ويؤكد أن نجاح التعافي يجب ألا يُقاس بالمؤشرات المالية فحسب، بل أيضًا بمدى احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز مساءلة المؤسسات، وتحسين حياة الناس.

بينما كنت أستعد للمشاركة في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لعام 2026 في بانكوك، لفت انتباهي تطوران بارزان في لبنان. ففي أيلول/سبتمبر 2026، رحّب صندوق النقد الدولي باستهداف مشروع موازنة عام 2027 تحقيق التوازن المالي، وبالإجراءات الرامية إلى تعزيز الامتثال الضريبي. وفي الشهر نفسه، كشف تقييم أجرته اليونيسف عن واقع مختلف تمامًا، إذ تبيّن أن أربع أسر من كل خمس تواجه صعوبة في تأمين احتياجاتها الأساسية.

تكشف هاتان القراءتان عن الفجوة بين تحقيق الاستقرار على مستوى الاقتصاد الكلي والتعافي الاجتماعي. فقد ينجح بلد ما في تحسين وضعه المالي، بينما يواصل سكانه مواجهة صعوبات في تلبية احتياجاتهم الأساسية. وثمة بُعد آخر يساعد على فهم هذه الفجوة، يتمثل في الحوكمة. ففي حزيران/يونيو 2026، نشر صندوق النقد الدولي تقريره التشخيصي بشأن الحوكمة والفساد في لبنان، مسلطًا الضوء على أوجه ضعف هيكلية في إدارة المالية العامة والرقابة والمساءلة وعمل مؤسسات الدولة. ولهذه الاختلالات تداعيات اجتماعية مباشرة، إذ تؤثر في كيفية تحصيل الموارد وإنفاقها، وفي الجهات المستفيدة من السياسات العامة، وفي قدرة المواطنين على مساءلة صانعي القرار.

شكّلت هذه القضايا محور مشاركتي، ممثلةً شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية (ANND)، في الاجتماعات السنوية. فمن خلال جلسات منتدى سياسات المجتمع المدني (CSPF)، التي شاركت الشبكة في تنظيمها مع منظمات مجتمع مدني وطنية ودولية، ومن خلال التبادلات مع ممثلي المجتمع المدني والمؤسسات المالية الدولية، تناولنا الاقتصاد السياسي للقرارات المالية، والحوكمة والمساءلة، والحماية الاجتماعية، وتحديات التعافي وإعادة الإعمار.

الحوكمة والاقتصاد السياسي للقرارات المالية

إن التوازنات المالية ونسب الدين مهمة، لكنها لا تروي القصة كاملة. فالسؤال الأساسي لا يتعلق فقط بقدرة بلد ما على الوفاء بالتزاماته المالية، بل بكيفية تعبئة الموارد وتوزيعها، والمصالح التي تخدمها سياساته، والجهات التي تتحمل في نهاية المطاف تكاليف الأزمات الاقتصادية وإجراءات التكيّف معها.

تعكس القرارات المالية علاقات القوة والترتيبات المؤسسية. فهي تحدد الأنشطة الاقتصادية التي تخضع للضرائب، والمصالح التي تستفيد من الإعفاءات، والخدمات العامة التي تحصل على الاستثمارات، وكيفية مراقبة الإنفاق العام. وحيث تكون الرقابة ضعيفة وآليات المساءلة غير فعالة، قد تُساء إدارة الموارد العامة، وتُنقل تكاليف الإخفاق المؤسسي إلى الأسر.

توضح أزمة الكهرباء في لبنان هذه الديناميات. فقد دفعت سنوات من عدم كفاية إمدادات الكهرباء العامة الأسر والمؤسسات إلى الاعتماد على المولدات الخاصة، ما أضاف أعباء كبيرة إلى ميزانياتها المثقلة أصلًا. ومع إخفاق الدولة في توفير خدمات أساسية موثوقة وميسورة الكلفة، يتولى القطاع الخاص سدّ هذه الفجوة. ومع مرور الوقت، قد تترسخ هذه الترتيبات، وتنشأ مصالح اقتصادية تستفيد من استمرار إخفاقات القطاع العام، وقد تقاوم الإصلاحات التي تهدد مواقعها.

يوفر التقرير التشخيصي للحوكمة الصادر عن صندوق النقد الدولي نقطة انطلاق مهمة لمعالجة هذه الاختلالات المؤسسية. لكن إصلاح الحوكمة يجب أن يتجاوز التحسينات التقنية. فالموازنات الشفافة والرقابة الفعالة وإتاحة الوصول إلى المعلومات والمساءلة العامة عناصر أساسية لضمان توجيه الموارد لخدمة الاحتياجات الجماعية وتحقيق نتائج منصفة من الإصلاحات.

التكيّف المالي والديون والحقوق الاجتماعية

غالبًا ما يُقدَّم ضبط أوضاع المالية العامة باعتباره ضرورة لاستعادة الاستقرار وإدارة الدين العام وإعادة بناء الثقة. غير أن تداعياته تعتمد على كيفية تصميم إجراءات التكيّف، وعلى الطريقة التي تُوزّع بها تكاليفها ومنافعها.

في مختلف أنحاء المنطقة العربية، تواجه الحكومات ضغوطًا تمويلية متزايدة بالتوازي مع احتياجات اجتماعية هائلة. ففي مصر، قدّر تحليل للموازنة أجرته منظمات من المجتمع المدني أن مدفوعات الفوائد على الدين المحلي والخارجي ستستحوذ على نحو 87% من الإيرادات الضريبية المتوقعة في السنة المالية 2025/2026. وتوضح هذه الضغوط الخيارات الصعبة التي تواجهها الحكومات عندما تستنزف خدمة الدين موارد تحتاج إليها أيضًا الرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمارات الإنتاجية.

لذلك، ينبغي تقييم استدامة الدين ليس فقط من منظور قدرة البلد على سداد مستحقات الدائنين، بل أيضًا من منظور قدرته على الوفاء بالتزاماته المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ويتطلب ذلك إيلاء اهتمام أكبر للضرائب التصاعدية والتهرب الضريبي والإعفاءات غير المبررة وأولويات الإنفاق غير المنصفة، بدلًا من الاعتماد بصورة غير متناسبة على خفض النفقات أو اتخاذ تدابير تزيد كلفة المعيشة.

الحماية الاجتماعية بوصفها أساسًا للتعافي

تصبح تداعيات القرارات الاقتصادية أكثر وضوحًا عندما تفقد الأسر مصادر رزقها، ويتعذر الوصول إلى الخدمات العامة، وترتفع تكاليف المعيشة. وفي لبنان، يوفر برنامج «أمان» للمساعدات النقدية دعمًا مهمًا للأسر المستحقة، لكن السقف الشهري للمساعدة البالغ 125 دولارًا أميركيًا يوضح محدودية الاعتماد على التحويلات الموجهة وحدها، في وقت تواجه فيه الأسر تكاليف متعددة ومتزايدة.

الحماية الاجتماعية حق ومسؤولية عامة، وليست مجرد تعويض عن إجراءات التكيّف المالي أو بند إنفاق مشروط بتوافر الحيز المالي. وتتطلب النظم الشاملة القائمة على الحقوق استثمارًا عامًا مستدامًا، وتعبئة تصاعدية للموارد المحلية، وتمويلًا دوليًا يعزز المؤسسات الوطنية ويضمن استمرارية التغطية على المدى الطويل.

ولا يمكن للمساعدات النقدية أن تحل محل الرعاية الصحية المتاحة للجميع، وأمن الدخل، والخدمات العامة الجيدة، والحماية على امتداد مراحل الحياة. وفي البلدان المتأثرة بالنزاعات، تبقى المساعدات الإنسانية ضرورية، لكن ينبغي أن تساهم في تعزيز النظم الوطنية بدلًا من إدامة البرامج المجزأة المعتمدة على التمويل القصير الأجل.

إعادة الإعمار يجب ألا تعيد إنتاج أوجه اللامساواة السابقة

لا يقتصر التعافي وإعادة الإعمار على استعادة البنية التحتية والنشاط الاقتصادي وثقة المستثمرين، بل يسهمان أيضًا في تشكيل النموذج الاقتصادي الذي ينبثق من الأزمة.

لدى مجموعة البنك الدولي استراتيجية جديدة للفترة 2026–2030 للتعامل مع الأوضاع المتأثرة بالهشاشة والصراعات والعنف. وتولي هذه الاستراتيجية اهتمامًا كبيرًا لخلق فرص العمل والتعافي الذي يقوده القطاع الخاص في الأوضاع الهشة والمتأثرة بالنزاعات. ويُعد التشغيل والاستثمار عنصرين أساسيين، لكن عدد الوظائف المستحدثة وحده لا يحدد نجاح التعافي. فجودة الوظائف والأجور وظروف العمل والحقوق العمالية وإمكانية الوصول إلى الحماية الاجتماعية لا تقل أهمية.

يوضح لبنان لماذا يجب معالجة خلق فرص العمل والحماية الاجتماعية معًا. فالبرامج مثل «أمان» توفر مساعدات نقدية أساسية للأسر الهشة، لكن استهداف الفئات الأشد فقرًا لا يمكن أن يعوّض اختلال نظام الحماية الاجتماعية القائم على الاشتراكات. ويواجه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الذي يُفترض أن يوفر تغطية التأمينات الاجتماعية للعاملين في القطاع النظامي، تحديات كبيرة في ضمان الوصول الفعلي إلى المنافع. وفي هذا السياق، لا يؤدي خلق الوظائف تلقائيًا إلى تعزيز الحماية الاجتماعية؛ فقد يلتحق العاملون بوظائف من دون أن يحصلوا على تغطية فعلية بالتأمينات الاجتماعية. ويبرز ذلك محدودية النهج الذي يركز على التحويلات الموجهة وخلق فرص العمل من دون معالجة المؤسسات التي تربط التشغيل بالحماية الاجتماعية.

لذلك، ينبغي أن يعني اتساق السياسات بالنسبة إلى البنك الدولي أكثر من مجرد تمويل خلق فرص العمل إلى جانب المساعدات الموجهة. ويجب أن يشمل أيضًا دعم تعافي نظم التأمين الاجتماعي القائمة على الاشتراكات وتعزيزها، بما في ذلك الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مع توسيع التغطية الفعلية ومعالجة العوائق التي تستبعد العمال، ولا سيما العاملين في الاقتصاد غير المنظم والوظائف الهشة.

يحدد تمويل إعادة الإعمار أيضًا الجهات التي تستفيد من التعافي. ففي لبنان وسوريا، قد يؤدي إعطاء الأولوية للمشاريع التي تحقق عوائد سريعة، مع إهمال البنية التحتية العامة والخدمات الأساسية والقدرات الإنتاجية المحلية، إلى تعزيز أوجه اللامساواة القائمة وتعميق الاعتماد على توفير الخدمات من القطاع الخاص. وبدلًا من ذلك، ينبغي لإعادة الإعمار أن تعزز أسس اقتصاد أكثر شمولًا وقدرة على الصمود، وأن تضمن امتداد منافعها إلى ما يتجاوز المستثمرين والنمو الاقتصادي لتشمل العمال والأسر والمجتمعات المحلية.

من الاستقرار المالي إلى التعافي العادل

أكدت مشاركة شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية في الاجتماعات السنوية مجددًا أهمية ربط النقاشات الاقتصادية العالمية بالواقع الذي يعيشه الناس في مختلف أنحاء المنطقة العربية. وتُعد مشاركة المجتمع المدني ضرورية لضمان أن تعكس القرارات الاقتصادية الاحتياجات الاجتماعية والمسؤوليات العامة، وأن تخضع الحكومات والمؤسسات المالية الدولية للمساءلة عن التزاماتها ونتائج سياساتها.

لا يمكن قياس التعافي الاقتصادي بصورة أساسية من خلال التوازنات المالية ومؤشرات الدين وحجم الاستثمارات. بل يجب تقييمه أيضًا من خلال إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، وجودة فرص العمل، والحد من أوجه اللامساواة، ومساءلة المؤسسات العامة، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

بالنسبة إلى المنطقة العربية، حيث تواصل النزاعات والأزمات الاقتصادية فرض ضغوط هائلة على الناس والمؤسسات العامة، لا يمكن أن يعني التعافي مجرد استعادة الاستقرار المالي أو جذب الاستثمارات الخاصة. بل يجب أن يعزز المؤسسات العامة، ويوسع الحماية الاجتماعية، ويدعم التحول الإنتاجي، ويضمن التوزيع العادل لمنافع التعافي.

الحوكمة والحماية الاجتماعية والعدالة الاقتصادية هي أسس مترابطة لتحقيق تعافٍ عادل. وهذه ليست أهدافًا يمكن تأجيلها إلى ما بعد تحقيق الاستقرار، بل هي شروط أساسية لتحقيقه بصورة مستدامة.


احدث المنشورات
Oct 24, 2026
بيان تضامني مع المملكة الأردنية الهاشمية وإدانة للعمل الإرهابي الذي استهدف المصلّين في الكنيسة
Oct 23, 2026
الصمود لمن؟ آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2026 وفقراء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - خليل جبارة