بعثة صندوق النقد إلى لبنان: الإصلاح المالي والمصرفي وتوزيع كلفة التعافي
بعثة صندوق النقد إلى لبنان: الإصلاح المالي والمصرفي وتوزيع كلفة التعافي
بقلم زهرة بزّي
اختتمت بعثة صندوق النقد الدولي زيارتها إلى لبنان في 18 أيلول/سبتمبر 2026، بعد أربعة أيام من المناقشات مع السلطات اللبنانية، تناولت بصورة أساسية إصلاح القطاع المصرفي، ومشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، ومشروع موازنة عام 2027، إضافة إلى إعداد إطار مالي متوسط الأجل. وقد اعتبر الصندوق أن التقدم الذي أُحرز، ولا سيما إدخال تعديلات على قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، يشكل خطوة مهمة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن عددًا من الإصلاحات الأساسية لا يزال مطلوبًا قبل الانتقال إلى برنامج محتمل مع الصندوق.
ويأتي ذلك في لحظة مفصلية بالنسبة إلى لبنان، حيث تتقاطع ثلاثة مسارات مترابطة: إعادة هيكلة القطاع المصرفي، استعادة استدامة المالية العامة والدين العام، وتمويل التعافي وإعادة الإعمار والإنفاق الاجتماعي. ومن منظور العدالة الاجتماعية والمالية، تكمن المسألة الأساسية في طبيعة هذا الإصلاح المالي المطروح، وكيفية توزيع كلفته ومن يستفيد من مسار التعافي.
ويكتسب هذا المسار أهمية إضافية في ضوء تقديرات البنك الدولي بأن الاقتصاد اللبناني مرشح للانكماش بنسبة 6.4% في عام 2026 بعد نمو حقيقي مقداره نحو 4.2% في 2025، نتيجة تجدد النزاع وتضرر قطاعات السياحة والاستهلاك والاستثمار والبنية التحتية. كما يشير البنك الدولي إلى أن المالية العامة سجلت فائضًا إجماليًا بلغ 3.9% من الناتج المحلي في 2025، لكنه يتوقع تعرض المالية العامة لضغوط متزايدة نتيجة الإنفاق الإنساني وإعادة الإعمار والضغوط على أجور القطاع العام.
من توازن الموازنة إلى الاستدامة المالية
رحّب صندوق النقد بمشروع موازنة 2027 ولا سيما بالهدف المتمثل بتأمين وضع مالي متوازن، وبالإجراءات الرامية إلى تحسين الالتزام الضريبي والتحصيل. كما دعا إلى إقرار رفع معدل ضريبة القيمة المضافة إلى 12%، وإدراج الإنفاق المموّل من الخارج بصورة شاملة في الموازنة، وإعطاء الأولوية لدعم النازحين، وخلق حيز للإنفاق الاستثماري. وفي المقابل، حذّر من الزيادات الإضافية في الرواتب والأجور والمعاشات من دون إجراءات مقابلة لزيادة الإيرادات. كما أوضح الصندوق أن زيادة الـVAT إلى 12% كانت قد أُقرت في مجلس الوزراء، لكنها لم تكن قد دخلت حيز التنفيذ، وأنها كانت مطروحة أصلًا لتمويل زيادة الرواتب والأجور والمعاشات التي أُقرت في شباط/فبراير 2026.
وكما أشارت الشبكة في موقفها من مشروع موازنة 2027، لا ينبغي النظر إلى الموازنة باعتبارها مجرد تمرين محاسبي سنوي يهدف إلى موازنة الإيرادات والنفقات، بل باعتبارها أداة ضمن رؤية مالية واقتصادية واجتماعية متوسطة الأجل، ترتبط بالنمو والاستثمار والدين العام وإعادة الإعمار والحماية الاجتماعية. ومن هذا المنظور، فإن تحقيق التوازن المالي السنوي يمثل هدفًا مهمًا، لكنه لا يكفي بحد ذاته لضمان استدامة المالية العامة.
ومن هذه الزاوية، تمثل دعوة صندوق النقد إلى إعداد إطار مالي متوسط الأجل خطوة مهمة نحو معالجة المالية العامة بصورة أكثر شمولًا. إلا أن هذا الإطار ينبغي ألا يقتصر على ضبط العجز أو تحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات، بل يجب أن يحدد أيضًا مستوى الإنفاق العام اللازم لإعادة بناء الاقتصاد والخدمات العامة، وحماية الدخول، وتمويل التعافي وإعادة الإعمار. فالاستدامة المالية لا تعني فقط خفض الإنفاق أو زيادة الإيرادات، وإنما تعني كذلك قدرة الدولة على تعبئة الموارد الكافية والمستقرة لتمويل وظائفها الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارية، والحفاظ على قدرتها على الاستجابة للأزمات، على المدى المتوسط والطويل. ومن المهم هنا التمييز بين التوازن المالي السنوي والاستدامة المالية. فالبنك الدولي أشار إلى أن لبنان حقق فائضًا ماليًا إجماليًا بنسبة 3.9% من الناتج في 2025، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لمعالجة مشكلة الدين العام أو احتياجات الإنفاق الاستثماري والاجتماعي، فيما بقي الدين العام غير مستدام. وهذا يوضح أن تحقيق فائض أو توازن في سنة معينة لا يعني بالضرورة أن المالية العامة أصبحت مستدامة.
أما في ما يتعلق بالرواتب والأجور، فإن الاستمرار في اعتماد مقاربة ظرفية تقوم على زيادات مؤقتة لا يتناسب مع حجم التدهور الذي أصاب مداخيل العاملين والمتقاعدين خلال سنوات الأزمة، كما لا يوفر أساسًا مستقرًا ومستدامًا للمالية العامة. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى إصلاح لهيكل الرواتب والأجور ضمن إطار مالي متوسط الأجل يضمن استدامة كلفتها. وينبغي أن يترافق إصلاح الأجور مع إصلاح الإدارة العامة وتعزيز كفاءة الإنفاق. وعليه، فإن التحذير من زيادات إضافية في الرواتب والأجور لا ينبغي أن يتحول إلى تجميد لمعالجة أزمة الأجور، بل أن يكون مدخلًا للانتقال من التدابير الاستثنائية إلى إصلاح هيكلي للأجور، ممول ضمن رؤية مالية متوسطة الأجل وأكثر عدالة في توزيع الموارد العامة.
زيادة الإيرادات والعدالة الضريبية
يشير صندوق النقد إلى أهمية تعزيز الإيرادات المحلية وتحسين الامتثال الضريبي، ويدعو إلى المضي في زيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 12%. ولا شك أن لبنان يحتاج إلى تعزيز قدرته على تحصيل الإيرادات ومكافحة التهرب الضريبي. لكن طريقة زيادة الإيرادات لا تقل أهمية عن حجمها. ففي ظل تراجع القدرة الشرائية للأسر وارتفاع مستويات الفقر وتدهور الخدمات العامة، فإن زيادة الاعتماد على الضرائب غير المباشرة، ولا سيما ضريبة القيمة المضافة، تطرح تساؤلات جدية حول توزيع العبء الضريبي.
كما أن الاعتماد المتزايد على ضرائب الاستهلاك لا يشكل بالضرورة مسارًا مستدامًا للإيرادات، ولا سيما في اقتصاد يعاني من ضعف النمو وتراجع الدخول الحقيقية، وفي منطقة تتكرر فيها الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية والنزاعات. فعندما يتراجع الاستهلاك نتيجة انخفاض القدرة الشرائية أو الصدمات الاقتصادية، تتأثر الإيرادات التي تعتمد عليه، في الوقت الذي ترتفع فيه الحاجة إلى الإنفاق على الحماية الاجتماعية والخدمات العامة والتعافي وإعادة الإعمار. وبالتالي، فإن بناء المالية العامة على زيادة الضرائب على الاستهلاك قد يخلق مفارقة تتمثل في زيادة العبء على الأسر في الأجل القصير، من دون أن يوفر بالضرورة قاعدة إيرادات أكثر استقرارًا وقدرة على الصمود أمام الأزمات.
وتبرز هنا أهمية الوضع الاقتصادي الراهن. فالبنك الدولي يتوقع أن يرتفع التضخم في لبنان إلى 17.5% في 2026، مدفوعًا باضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار النفط، وهو ما يضيف ضغطًا على القوة الشرائية للأسر. كما أشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط له أثر مباشر على لبنان بسبب اعتماده الكبير على النفط في الكهرباء والنقل.
ومن منظور العدالة الضريبية والاستدامة المالية، لا ينبغي أن تقوم زيادة الإيرادات على توسيع الاعتماد على الضرائب غير المباشرة، ولا سيما ضرائب الاستهلاك، باعتبارها مصدرًا سريعًا وسهل التحصيل. فهذه الضرائب تنقل جزءًا أكبر من العبء إلى الأسر، وتصبح أكثر هشاشة كمصدر للإيرادات في الاقتصادات التي تعاني من تراجع القدرة الشرائية وتكرار الصدمات. لذلك، يتطلب تعزيز المالية العامة إعادة التوازن في هيكل الإيرادات نحو ضرائب مباشرة وتصاعدية، ومكافحة التهرب الضريبي، ومراجعة الإعفاءات والحوافز والنفقات الضريبية، وتعزيز مساهمة أصحاب الدخول والثروات والأملاك الأعلى قدرة على الدفع.
وهذا الاتجاه لا يتعارض بالضرورة مع ما طرحه صندوق النقد نفسه في مراحل سابقة؛ ففي عام 2023 دعا الصندوق إلى توسيع القاعدة الضريبية، وإغلاق الثغرات، وتحسين الامتثال، وتعزيز الإدارة الضريبية، بما يسمح بزيادة الإيرادات وخلق حيز للإنفاق الاجتماعي والإنمائي. كما دعا إلى اعتماد قانون دخل أكثر حداثة وفعالية.
إصلاح القطاع المصرفي وتوزيع الخسائر
رحّب صندوق النقد بالتعديلات التي أُدخلت على قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، معتبرًا أنها توفر إطارًا أكثر انتظامًا لمعالجة المصارف المتعثرة وتصفيتها. لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة إدخال تعديلات على مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، بما يتماشى مع المعايير الدولية فيما يتعلق بترتيب تحمّل الخسائر. وهذه خطوة مهمة، لكنها لا تستنفد جوهر المشكلة. فالأزمة المصرفية اللبنانية ليست مجرد مشكلة تقنية تتعلق بكيفية معالجة مصرف متعثر أو تصفيته، بل هي جزء من أزمة مالية أوسع ترتبط بخسائر ضخمة تراكمت منذ الانهيار، وبالتزامات مصرف لبنان، وبالدين العام، وبمصير الودائع.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الخسائر المالية تجاوزت 72 مليار دولار في تقديراته الأولى، ثم تجاوزت 75 مليار دولار في تقدير أحدث يعود إلى عام 2024، وهو رقم يعادل عدة أضعاف الناتج المحلي. كما أظهر تحليل البنك الدولي أن نحو 73% من أصول القطاع المصرفي في نهاية 2023 كانت مرتبطة بالقطاع العام ومصرف لبنان، وأن نحو 88% من هذه النسبة كانت على شكل ودائع لدى مصرف لبنان. وهذا يوضح حجم التشابك بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية الذي شكّل جوهر الأزمة.
ومن هنا، ينبغي أن تقوم إعادة هيكلة القطاع المصرفي على الاعتراف الكامل والشفاف بحجم الخسائر وتحديد مصادرها ومسؤوليات الأطراف المختلفة عنها، قبل تحديد كيفية توزيعها. كما ينبغي أن يحترم هذا التوزيع التسلسل القانوني لتحمّل الخسائر، بحيث لا يتحول المودعون إلى الطرف الأسهل لتحميله كلفة الأزمة، ولا تتحول المالية العامة تلقائيًا إلى آلية لتعويض خسائر القطاع الخاص.
وهذه النقطة تتطابق بصورة واضحة مع موقف صندوق النقد الحالي؛ فقد شدد في بيان أيلول/سبتمبر 2026 على ضرورة احترام ترتيب المطالبات، بحيث لا يتحمل المودعون الخسائر قبل المساهمين والدائنين من الدرجة الأدنى. كما أكد أن خطة سداد الودائع يجب أن تكون متسقة مع قابلية القطاع المصرفي للاستمرار ومع استدامة الدين العام.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء محدودية الموارد المالية للدولة وارتفاع احتياجاتها في مجالات الحماية الاجتماعية وإعادة الإعمار والخدمات والاستثمار. فأي مساهمة عامة في معالجة خسائر القطاع المصرفي يجب أن تكون واضحة ومحددة وقابلة للاستدامة، وأن تُقيّم في إطار المالية العامة والدين العام، لا باعتبارها التزامًا منفصلًا عن بقية الأولويات الاجتماعية والاقتصادية.
ويكتسب الربط بين قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها وقانون الانتظام المالي واسترداد الودائع أهمية خاصة في هذا السياق. فالقانون الأول يحدد بصورة أساسية كيفية التعامل مع المصارف المتعثرة وإعادة تنظيمها أو تصفيتها، فيما يتناول القانون الثاني الإطار الأوسع لمعالجة الاختلالات المالية واسترداد الودائع وتوزيع الخسائر.
ومن المفيد التذكير بأن البنك الدولي سبق أن حذّر من أن تمويل خسائر القطاع المصرفي بالكامل من الأموال العامة سيكون غير قابل للاستدامة، لأن حجم الخسائر يتجاوز بكثير قدرة الدولة على تعبئة الأصول والإيرادات اللازمة. وقد وصف البنك في 2022 القطاع المالي بأنه «أكبر من أن تنقذه الدولة» من خلال الموارد العامة المتاحة، في ضوء خسائر تتجاوز 72 مليار دولار آنذاك.
الحماية الاجتماعية كجزء من الاستدامة المالية
يشير صندوق النقد في بيانه إلى ضرورة خلق حيز مالي لإعادة الإعمار والحماية الاجتماعية، كما يدعو إلى إعطاء الأولوية لدعم النازحين. وهذا أمر مهم، لكن الحماية الاجتماعية ينبغي ألا تُعامل كإنفاق متبقٍ بعد إعادة هيكلة القطاع المالي وضبط النفقات. لقد أدت سنوات الأزمة إلى تآكل كبير في مداخيل الأسر وفي قدرتها على الوصول إلى الخدمات الأساسية، في الوقت الذي تضررت فيه البنية التحتية والخدمات العامة بشكل إضافي نتيجة النزاع والنزوح. لذلك، فإن بناء نظام حماية اجتماعية مستدام وممول بصورة كافية يجب أن يكون جزءًا من الإطار المالي والاقتصادي المتوسط الأجل، وليس مجرد آلية مؤقتة لتعويض الفئات الأكثر فقرًا عن آثار الإصلاح. كما أن تمويل الحماية الاجتماعية يحتاج إلى موارد محلية مستدامة، وليس إلى الاعتماد المستمر على التمويل الخارجي أو البرامج الطارئة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ضوء حجم الاحتياجات الحالية. ففي كانون الثاني/يناير 2026 وافق البنك الدولي على حزمة تمويل بقيمة 350 مليون دولار لدعم الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي والتحول الرقمي في لبنان، مع التركيز على الفئات الفقيرة والهشة وتحسين أنظمة إيصال الحماية الاجتماعية والخدمات العامة. وهذا الرقم لا يمثل وحده حجم الحاجة، لكنه يعطي مؤشرًا على أن الحماية الاجتماعية أصبحت جزءًا من أجندة التعافي الاقتصادي وليس مجرد استجابة إنسانية مؤقتة.
كما أشار البنك الدولي إلى أن انعدام الأمن الغذائي انخفض من ذروة بلغت 24% في أواخر 2024 إلى نحو 13% في أوائل 2026، قبل تجدد النزاع، لكنه بقي مرتفعًا بالمعايير التاريخية. ومع اتساع النزوح والدمار في 2026، فإن الحاجة إلى الحماية الاجتماعية وإلى الإنفاق على الخدمات الأساسية مرشحة لمزيد من الارتفاع.
الإصلاح المالي والمصرفي وإعادة بناء الاقتصاد والدولة
يشكل بيان بعثة صندوق النقد في أيلول/سبتمبر محطة مهمة في مسار الإصلاح الاقتصادي والمالي في لبنان، ويحدد بوضوح أولويات الصندوق، وفي مقدمتها استدامة المالية العامة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإصلاح إطار استرداد الودائع، وتعزيز الإيرادات، ووضع إطار مالي متوسط الأجل. لكن نجاح الإصلاح لا يقاس فقط بضبط العجز أو تحقيق التوازن في الموازنة، بل بقدرته على إعادة بناء اقتصاد قادر على خلق فرص العمل، ودولة قادرة على توفير الخدمات العامة، ونظام ضريبي أكثر عدالة، وحماية اجتماعية مستدامة، وقطاع مصرفي يحمي حقوق المودعين، مع توزيع عادل وشفاف لخسائر الأزمة. لقد أظهرت السنوات الماضية أن تأجيل الاعتراف بالخسائر لا يلغيها، بل ينقل كلفتها تدريجيًا إلى الأسر والمجتمع عبر التضخم وتآكل الأجور والدخول والقيود على الودائع وتراجع الخدمات العامة. كما أن زيادة الضرائب غير المباشرة أو تقليص الإنفاق، من دون معالجة أعمق لمصادر الخلل، قد يحد من قدرة الاقتصاد على التعافي. لذلك، ينبغي أن يشكل الإصلاح المالي والمصرفي جزءًا من مسار أوسع لإعادة بناء الاقتصاد والدولة، يقوم على العدالة في توزيع كلفة الأزمة، والشفافية والمساءلة، وعدالة النظام الضريبي، وحماية المودعين، وتوفير الحماية الاجتماعية، والحفاظ على قدرة الدولة على الاستثمار في التعافي وإعادة الإعمار.
وتؤكد التطورات الأخيرة حجم التحدي: فالبنك الدولي يتوقع انكماش الاقتصاد 6.4% في 2026، بعد أن كان قد قدر النمو الحقيقي في 2025 بنحو 4.2%، بينما يؤكد صندوق النقد أن الصراع وتطوراته الإقليمية أدت إلى أضرار واسعة في البنية التحتية والمساكن ونزوح واسع وتدهور في مستويات المعيشة. وبالتالي، فإن إعادة بناء المالية العامة والمصارف لا يمكن فصلها عن سؤال تمويل التعافي نفسه.
ومن هذه الزاوية، فإن القضية المركزية ليست فقط كم تبلغ كلفة الإصلاح؟ وإنما أيضًا من يتحمل هذه الكلفة، ومتى، وبأي أدوات، ومن يستفيد من الموارد التي ستتوافر بعد الإصلاح؟ فالتجربة اللبنانية أظهرت أن غياب القرار بشأن توزيع الخسائر لا يعني اختفاء الخسائر، بل يؤدي إلى توزيعها بصورة غير معلنة عبر التضخم، وتآكل قيمة المدخرات، وتراجع الأجور الحقيقية، وتقييد الودائع، وتدهور الخدمات العامة. ولذلك، فإن وضوح قواعد توزيع الخسائر، إلى جانب وضوح قواعد تعبئة الإيرادات والإنفاق، ينبغي أن يكون جزءًا أساسيًا من أي إطار مالي متوسط الأجل.
احدث المنشورات