Oct 23, 2026
حين يختلف العالم على العلم وتوقيته - حبيب معلوف
حبيب معلوف
كاتب وصحافي بيئي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
حبيب معلوف

حين يختلف العالم على العلم وتوقيته

تعثّر التقرير المناخي السابع قبل COP31 يكشف أزمة ثقة وتمويل وعدالة

بقلم حبيب معلوف

يناقش المقال تعثّر الاتفاق على الجدول الزمني للتقرير المناخي السابع للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) قبيل مؤتمر COP31، وما يكشفه الخلاف من تحديات تتعلق بالعلاقة بين العلم والسياسة، وعدالة إنتاج المعرفة العلمية وتمويلها. كما يتناول انعكاسات التأخير المحتمل على التقييم العالمي الثاني لاتفاق باريس، وأهمية ضمان مشاركة البلدان النامية في إنتاج المعرفة المناخية من دون تأخير توفير الأدلة العلمية اللازمة لاتخاذ القرارات.

لم يكن انتهاء الاجتماع الخامس والستين للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، الذي عُقد في أديس أبابا بين 12 و16 تشرين الأول/أكتوبر 2026، من دون اتفاق على جدول زمني لتقارير التقييم المناخي السابع (AR7)، مجرد تعثّر إداري داخل مؤسسة علمية دولية. لقد كشف الخلاف، للمرة السادسة على التوالي، عن أزمة أعمق تتعلق بالعلاقة بين العلم والسياسة، وبالعدالة في إنتاج المعرفة المناخية وتمويلها، وبقدرة المجتمع الدولي على توفير الأدلة العلمية في الوقت الذي يحتاج إليها لاتخاذ قراراته.

تكمن أهمية هذا الخلاف في توقيته تحديداً. فمؤتمر الأطراف الحادي والثلاثون لاتفاقية الأمم المتحدة للمناخ (COP31)، الذي تستضيفه أنطاليا في تشرين الثاني/نوفمبر 2026، سيشهد الانطلاق الرسمي لعملية التقييم العالمي الثاني (GST2) بموجب اتفاق باريس، على أن تُختتم هذه العملية في COP33 عام 2028. وهي عملية يفترض أن تقيّم التقدم الجماعي في مواجهة تغير المناخ، وأن تساعد البلدان على تعزيز التزاماتها وإجراءاتها ودعمها المتبادل. وهنا يصبح السؤال أكثر من تقني: ماذا يحدث عندما تتأخر المعرفة العلمية التي يُفترض أن تساعد العالم على قياس الفجوة بين ما تعهّد به وما يفعله فعلياً؟ وهل الخلاف على الجدول الزمني محاولة مشروعة لضمان مشاركة أوسع وأكثر عدالة، أم أن استمرار الخلاف قد يحرم المفاوضات من مرجع علمي أساسي في لحظة حاسمة؟

من ستة تقارير إلى معركة على التقرير السابع

تأسست الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ عام 1988 بمبادرة من المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، لتقييم المعرفة العلمية المتعلقة بتغير المناخ وآثاره وخيارات مواجهته. ومنذ تقريرها الأول عام 1990، أصدرت ستة تقارير تقييمية رئيسية، كان لكل منها دور في تطور الاستجابة الدولية للأزمة المناخية.

ساعد التقرير الأول في إطلاق المفاوضات التي أفضت إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ عام 1992. وقدّم التقرير الثاني، عام 1995، أساساً علمياً مهماً للمفاوضات التي سبقت بروتوكول كيوتو عام 1997. أما التقرير السادس، الذي اكتملت خلاصته التركيبية في آذار/مارس 2023، فقد وفّر المرجعية العلمية للتقييم العالمي الأول لاتفاق باريس في العام نفسه.

لم تكن قيمة هذه التقارير في أنها تنتج معرفة علمية جديدة فحسب، بل أيضاً في أنها تجمع آلاف الدراسات، وتقيّم درجات اليقين والاختلاف، وتحوّل حصيلة البحث المتخصص إلى مرجع مشترك يمكن للحكومات الاستناد إليه، حتى عندما تختلف في مصالحها السياسية والاقتصادية.

وقد أثبتت مراجعة علمية منشورة عام 2020 أن معظم النماذج المناخية التي أُنتجت بين سبعينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي نجحت في توقع اتجاهات الاحترار اللاحقة، ولا سيما عندما أُخذت الفروق بين الانبعاثات المفترضة فعلياً والانبعاثات التي تحققت في الاعتبار. وهذا لا يعني أن كل توقع سابق كان دقيقاً في كل تفصيل، أو أن السيناريوهات المناخية تنبؤات حتمية؛ فالسيناريوهات تصف مسارات محتملة تبعاً للانبعاثات والسياسات والظروف المستقبلية. لكنه يعني أن التحذيرات الأساسية بشأن الاحترار لم تكن مجرد تخمينات عابرة.

لذلك، فإن تعثّر التقرير السابع لا يهدد مجرد موعد نشر وثائق جديدة. إنه يطرح سؤالاً عن قدرة النظام الدولي على صون الصلة بين تراكم المعرفة العلمية وتوقيت القرار السياسي.

ما الذي تعثّر في أديس أبابا؟

بدأت دورة التقييم السابع رسمياً عام 2023، وتتضمن ثلاثة تقارير رئيسية: تقرير الأساس العلمي الفيزيائي لتغير المناخ، وتقرير الآثار والتكيف والهشاشة، وتقرير التخفيف من تغير المناخ. وتكمن العقدة في موعد إقرار هذه التقارير، لا في وجود خلاف علمي على حقيقة تغير المناخ.

كان الهدف من بعض الجداول الزمنية المطروحة إنجاز التقارير الثلاثة في عام 2028، بحيث تتاح نتائجها خلال عملية التقييم العالمي الثاني أو قبل اكتمالها. لكن دولاً أخرى دفعت باتجاه تمديد المهل، مع اقتراح أن يتأخر تقرير أو أكثر إلى عام 2029، بحجة توفير وقت كافٍ لإعداد التقارير ومراجعتها، وتعزيز قدرة العلماء والحكومات الأقل امتلاكاً للموارد على المشاركة فيها.

وبحسب التغطيات المتخصصة لاجتماع أديس أبابا، برزت ضمن الدول التي طالبت بمزيد من الوقت الصين والهند وروسيا والسعودية وكينيا، في حين أبدت دول أخرى، بينها دول جزرية صغيرة، مخاوف من أن يؤدي التأخير إلى حرمان التقييم العالمي من أحدث مرجعية علمية متكاملة في الوقت المناسب. وانتهى الاجتماع من دون اتفاق على الجدول الزمني، بعد خمسة اجتماعات سابقة لم تنجح بدورها في حسم الخلاف. ومن المهم هنا توضيح نقطة أساسية: ليس صحيحاً أن دورة التقرير السابع بكاملها كان يفترض أن تنتهي عام 2028. فالنقاش يدور حول إمكان إنجاز تقارير مجموعات العمل الرئيسية في الوقت المناسب للتقييم العالمي الثاني، فيما يُستهدف إنجاز التقرير التركيبي النهائي للدورة في موعد لاحق، أواخر عام 2029 وفق الجدول المطروح. لذلك فإن جوهر الخلاف هو مدى إمكان توفير التقارير الرئيسية في الوقت الذي تحتاج فيه المفاوضات لها، لا مجرد تأخر التقرير التركيبي النهائي.

لكن اختزال الخلاف في صراع بين دول تريد العلم وأخرى تريد تعطيله سيكون تبسيطاً مضللاً. فالحجج المتعلقة بالوقت والمراجعة والقدرة على المشاركة تستحق أن تُناقش بجدية. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن التأخير قد تكون له نتائج سياسية فعلية، حتى إن لم يكن هذا هو الهدف المعلن للدول المطالبة به… الا اذا كان الهدف الضمني المماطلة تجنبا من الاستفادة من هذه التقارير من أجل وضع خارطة طريق للخروج من الوقود الأحفوري!

العدالة في إنتاج المعرفة: مَن يكتب التقرير المناخي؟

تطرح الدول التي تطالب بوقت إضافي سؤالاً مشروعاً: هل تكفي المشاركة الرسمية في عملية دولية لتكون المعرفة المنتجة فيها ممثلة للعالم فعلاً؟ فالعلم المناخي لا يُنتج في فراغ. انه يحتاج إلى جامعات ومراكز أبحاث ومختبرات، وإلى قواعد بيانات طويلة الأمد، وأجهزة رصد، وتمويل مستقر، ووقت متاح للباحثين… بالاضافة الى توجهات وتوجيهات حول ماذا نريد أن نبحث ومن أجل اية اهداف. وهذه الموارد العلمية مثل التوجهات موزعة بصورة شديدة التفاوت بين الدول. كما أن القدرة على ترشيح العلماء، ومتابعة مسودات التقارير، والمشاركة في جولات المراجعة، وحضور الاجتماعات الدولية، ليست متساوية بين مؤسسة علمية في بلد غني ومؤسسة تعاني نقص التمويل في بلد نامٍ.

لهذا لا ينبغي التعامل مع مطلب تعزيز مشاركة البلدان النامية باعتباره تفصيلاً إجرائياً. فمن حق هذه البلدان أن تكون خبراتها المحلية ومعارفها المتعلقة بالجفاف والفيضانات والتصحر والصحة والزراعة والمياه حاضرة في تقييم المخاطر والحلول، لا أن تبقى مجرد موضوع للدراسة من جانب مؤسسات تقع في مراكز القوة العلمية والمالية.

لكن العدالة في إنتاج المعرفة لا تُقاس بعدد الجنسيات المدرجة في قائمة المؤلفين فقط. ينبغي النظر أيضاً إلى توزيع المسؤوليات العلمية، ومن يتولى تنسيق الفصول وقيادة صياغتها، ومن يمتلك الوقت والتمويل لمتابعة العمل، ومن يستطيع المشاركة في مراجعة آلاف الصفحات، ومن تُؤخذ خبرته المحلية بجدية عند صياغة الاستنتاجات النهائية.

وقد أعلنت الهيئة في آب/أغسطس 2025 اختيار 664 خبيراً للمشاركة في التقرير السابع، من 111 دولة، من أصل 3,771 مرشحاً. وبلغت نسبة الخبراء القادمين من البلدان النامية والبلدان التي تمر اقتصاداتها بمرحلة انتقالية 51%، مقارنة بـ44% في دورة التقرير السادس. كما بلغت نسبة النساء 46%. مع العلم أن نسب مشاركة خبراء البلدان النامية كانت اقل بكثير في بداية انتاج هذه التقارير التي كانت تصدر كل خمس سنوات تقريبا.

هذه الأرقام مهمة، وتشير إلى تحسن في التمثيل الإجمالي. لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تحقق العدالة العلمية، كما أنها لا تثبت العكس. فالسؤال الأهم هو كيف تتوزع الأدوار القيادية والموارد والقدرة على التأثير بين هؤلاء الخبراء، وما إذا كانت المؤسسات العلمية في البلدان الأقل دخلاً قادرة على توفير الشروط العملية لمشاركة مستمرة ومتكافئة.

ومن هنا، ينبغي أن تتحول المطالبة بتمثيل أوسع إلى برنامج ملموس: تمويل مشاركة العلماء، وتوفير الدعم اللغوي والتقني، وتعزيز قواعد البيانات والمراكز البحثية في البلدان النامية، وإتاحة الوقت الكافي للمراجعة من دون تحويل هذه الحاجة إلى تأجيل مفتوح… بالاضافة الى مطلب اعادة الاعتبار لفلسفة العلم التي كان يفترض أن تحدد هي الرؤية والاهداف وان توجه البحث العلمي وتحدد من يخدم فعلا في النهاية. وهذا يتطلب أن تطعم الهيئات العلمية بفلاسفة او مشتغلين بفلسفة العالم لتستقيم مراجعة الابحاث والتقارير والبيانات بعد أن يتم تقييم المواضيع المختارة للدراسة والمنهجيات والقيم العالمية الوجودية التي يفترض احترامها.

التمويل: هل يمكن ضمان علم عالمي بموارد غير مستقرة؟

تكتسب مسألة التمويل أهمية إضافية لأن الصندوق الاستئماني للهيئة يعتمد على مساهمات طوعية من الحكومات الأعضاء، ويشكّل آلية أساسية لدعم مشاركة حكومات وعلماء من البلدان النامية في أعمالها. وقد حذرت قيادة الهيئة في اجتماعات سابقة من أهمية توفير مساهمات مالية مستمرة ويمكن التنبؤ بها لضمان استدامة العمل العلمي وشموليته.

وهنا تظهر مفارقة لا يمكن تجاهلها: يطالب المجتمع الدولي الهيئة بإنتاج أكثر التقييمات العلمية شمولاً ودقة، لكنه يعتمد في تمويل جانب أساسي من عملها على مساهمات طوعية غير مضمونة بالضرورة على المدى الطويل. ولا يعني ذلك أن التمويل وحده يفسر تعثر اجتماع أديس أبابا، أو أن الدول التي تطالب بوقت إضافي تفعل ذلك بسبب نقص التمويل تحديداً. فهذه استنتاجات تحتاج إلى أدلة مستقلة. لكن من المشروع طرح سؤال بنيوي: كيف يمكن ضمان مشاركة علمية عادلة ومستقرة إذا لم تكن الموارد اللازمة لهذه المشاركة مستقرة بدورها؟ فالوقت الإضافي لا يصنع العدالة تلقائياً. إذا مُددت المهل من دون توفير دعم مالي وتقني فعلي للباحثين والمؤسسات الأقل موارد، فقد ينتهي الأمر إلى تأخير التقارير من دون معالجة الاختلالات التي قيل إن التأخير ضروري لمعالجتها.

والعكس صحيح أيضاً: فإن الإصرار على جدول زمني ضيق من دون معالجة فجوات المشاركة قد يضعف ثقة بعض البلدان بالعملية، ويعزز الشعور بأن سرعة إنتاج التقرير أهم من عدالة إنتاجه. المطلوب، إذاً، ليس الاختيار بين السرعة والإنصاف، بل تصميم مسار يضمنهما معاً قدر الإمكان.

العلم والسياسة: مَن يستفيد من التأخير؟

لا تعمل الهيئة الحكومية الدولية في عزلة عن التوازنات السياسية والاقتصادية. فالتقارير المناخية تؤثر في النقاشات المتعلقة بخفض الانبعاثات، والتكيف، وتمويل الخسائر والأضرار، والتحول في أنظمة الطاقة، ومسؤولية الدول عن الفجوة بين التعهدات والنتائج.

ومن الطبيعي، في هذا السياق، أن تختلف الحكومات في تصورها للوقت اللازم لإنتاج التقييم، وفي تقديرها لأهمية إتاحته قبل موعد تفاوضي معين. كما أن الدول لا تدخل المفاوضات من المواقع نفسها: فهناك دول راكمت ثروتها الصناعية عبر الوقود الأحفوري، ودول ما زالت تكافح لتأمين الطاقة والتنمية والخدمات الأساسية، ودول جزرية تواجه تهديدات وجودية رغم ضآلة مساهمتها في الانبعاثات العالمية.

لكن لا ينبغي القفز من هذه الحقيقة إلى اتهام دولة أو مجموعة دول بأنها تعمدت تعطيل التقرير لخدمة مصالح الوقود الأحفوري أو لتفادي المساءلة. إثبات الدوافع يحتاج إلى أدلة تتجاوز مجرد الموقف من الجدول الزمني.

الأدق أن نقول إن الخلاف على توقيت التقرير يجري داخل نظام دولي تتعارض فيه المصالح، وقد تترتب على التأخير نتائج سياسية غير متكافئة، مهما كانت الحجج المعلنة وراءه. فحين تتأخر المعرفة التي تساعد على قياس فجوة العمل المناخي، قد يصبح من الأصعب استخدام أحدث التقييمات العلمية في لحظة مراجعة التعهدات. وحين تكون المهل ضيقة من دون تمويل كافٍ للمشاركة، قد تتفاقم الاختلالات في إنتاج المعرفة. لذلك لا يمكن فصل النقاش الإجرائي عن أسئلة السلطة والتمويل والعدالة، كما لا يجوز استخدام هذه الأسئلة بديلاً عن إثبات الوقائع.

هل خذل العلم العالم في السابق؟

تحتاج مناقشة أزمة الهيئة إلى التمييز بين أداء العلم وأداء السياسة. فمنذ التقرير الأول عام 1990، تطورت المعرفة المتعلقة بتأثير النشاط البشري في المناخ، وتحسنت النماذج وأساليب الرصد والإسناد، وأصبحت الأدلة أكثر وضوحاً بشأن آثار الاحترار ومخاطره. وفي دراسة منشورة عام 2020، راجع الباحث زيك هاوسفايلدر وزملاؤه أداء إسقاطات نماذج مناخية سابقة، وخلصوا إلى أن معظم النماذج التي دُرست نجحت في توقع الاحترار اللاحق عندما قورنت النتائج مع مراعاة الاختلافات بين الانبعاثات المفترضة والانبعاثات الفعلية. لا يعني ذلك بالطبع أن التقارير السابقة لم تخطئ في بعض التقديرات أو أن كل سيناريو تحقق. فالنموذج المناخي لا يحدد مسبقاً القرارات الاقتصادية والسياسية التي ستتخذها البشرية، بل يحسب النتائج المحتملة لمسارات مختلفة من الانبعاثات والعوامل المؤثرة في المناخ. لذلك فإن السيناريو الأعلى للانبعاثات ليس نبوءة حتمية، كما أن السيناريو الأقل لا يتحقق تلقائياً من دون تغييرات في السياسات والسلوك والاستثمار.

لكن التاريخ يدعم استنتاجاً مهماً: التحذير العلمي من الاحترار لم يكن مبالغة عابرة، في حين أن الاستجابة السياسية ظلت أقل من مستوى التحذير. ولهذا لا ينبغي أن يتحول الخلاف على جدول التقرير السابع إلى ذريعة للتشكيك في العلم المناخي نفسه. إن تأخر تقرير جديد لا يلغي ما تراكم من أدلة، كما أن عدم اكتمال التوافق على موعده لا يعني غياب المعرفة اللازمة للتحرك.

ماذا يعني ذلك لمؤتمر COP31 والتقييم العالمي الثاني؟

تتضاعف أهمية الخلاف لأن التقييم العالمي الثاني لاتفاق باريس سيبدأ رسمياً في COP31، على أن تنتهي مراحله في COP33 عام 2028. وهو ليس مجرد تقرير إضافي، بل آلية لمراجعة التقدم الجماعي في تنفيذ الاتفاق، واستخلاص ما يلزم لتعزيز العمل والدعم والتعاون الدوليين.

إذا لم تكن تقارير مجموعات العمل الرئيسية للتقييم السابع جاهزة في الوقت المناسب، فقد يضطر التقييم العالمي إلى الاعتماد بدرجة أكبر على مصادر علمية أخرى وعلى التقييمات المتاحة، أو إلى الاستفادة من أجزاء من العمل الجاري. ولا يعني ذلك أن عملية التقييم العالمي ستتوقف؛ فهي تستند إلى طيف أوسع من المعلومات والمصادر. لكن غياب أحدث تقييم متكامل للهيئة قد يضعف إحدى أهم المرجعيات العلمية المشتركة التي يمكن للحكومات الاستناد إليها.

وتتجاوز القضية توقيت صدور التقارير. فالتقييم العالمي يفترض أن يختبر ما إذا كانت التعهدات والسياسات الحالية تتناسب مع أهداف اتفاق باريس، وأن يقيّم التقدم في التكيف ووسائل التنفيذ والدعم. وهذه قضايا تتداخل فيها الأدلة العلمية مع أسئلة التمويل والإنصاف والمسؤولية.

بالنسبة إلى البلدان العربية، فإن أهمية هذه العملية لا تقتصر على مستوى خفض الانبعاثات. فالمنطقة تواجه مخاطر متزايدة تتصل بالإجهاد المائي، وارتفاع الحرارة، والتصحر، والضغط على الزراعة والصحة والبنى التحتية. وتحتاج بلدانها إلى معرفة إقليمية موثوقة، وإلى تمثيل أوسع لخبراتها، وإلى تمويل يسمح لمؤسساتها البحثية بالمشاركة في إنتاج التقييمات، لا بالاكتفاء بتلقي نتائجها.

كما أن البلدان العربية ليست كتلة واحدة في مفاوضات المناخ في العمق. فاختلاف الموارد ومصالح الطاقة ومستويات الهشاشة والقدرات البحثية يقتضي موقفاً عربياً أكثر وضوحاً في الدفاع عن حق البلدان النامية في المشاركة العلمية العادلة، مع رفض أن يصبح مطلب العدالة سبباً لتأخير المعرفة التي تحتاج إليها المجتمعات الأكثر تعرضاً للخطر.

العدالة المناخية تبدأ أيضاً من عدالة المعرفة

تكشف أزمة الجدول الزمني للتقرير السابع أن العدالة المناخية لا تتعلق فقط بمن يتحمل كلفة تغير المناخ، أو بمن يدفع تمويل التكيف والخسائر والأضرار. إنها تتعلق أيضاً بمن يمتلك الموارد لإنتاج المعرفة عن الأزمة، ومن يشارك في صياغة هذه المعرفة، ومن يستطيع الوصول إليها واستخدامها، ومتى تصبح متاحة لاتخاذ القرار.

لكن العدالة لا تتحقق بإطالة الوقت وحدها، كما أن السرعة لا تضمن الإنصاف. المطلوب هو توفير تمويل مستقر لمشاركة الخبراء، وتوسيع القدرات البحثية في البلدان النامية، وضمان مراجعة علمية جدية وشفافة، ووضع جدول زمني واضح يمكن متابعته ومحاسبة المؤسسات والدول على الالتزام به. وعلى الدول الأعضاء في الهيئة أن تجد مخرجاً من الجمود لا يقوم على فرض جدول زمني على حساب المشاركة، ولا على إبقاء موعد الإنجاز مفتوحاً إلى أجل غير محدد. وينبغي أن تترافق أي مهلة إضافية مع خطوات قابلة للقياس لتعزيز المشاركة والقدرات، ومع خطة واضحة لإتاحة النتائج التي يحتاج إليها التقييم العالمي الثاني.

فالمشكلة ليست أن العلم يتحرك ببطء أحياناً؛ فالمعرفة الجادة تحتاج إلى وقت ومراجعة وتدقيق. المشكلة أن يتحول الخلاف على شروط إنتاج المعرفة إلى سبب لتأخير استخدامها في مواجهة أزمة تتسارع آثارها. او أن يصبح التعثر حجة عند الذين لا يزالون ينكرون أن تغير المناخ هو بسسبب الانسان وان الكوارث المناخية انسانية وليست مجرد كوارث طبيعة.

في النهاية، لا يمكن مطالبة العلم بأن يكون عالمياً إذا بقيت شروط إنتاجه شديدة التفاوت، ولا يمكن مطالبة السياسة بأن تستند إلى العلم ثم القبول بتعطيل وصوله في اللحظة التي تصبح فيها الحاجة إليه أكثر إلحاحاً. فالعدالة في إنتاج المعرفة العلمية من جهة، وعدم استخدام صعوبات إنتاجها ذريعة لتأجيل العمل المناخي من جهة أخرى، هما شرطان متلازمان لاستعادة الثقة. ومن هنا، سيكون اختبار COP31 ليس فقط ما إذا كانت الحكومات ستطلق عملية التقييم العالمي الثاني، بل أيضاً ما إذا كانت ستنجح في حماية الصلة بين العلم والقرار، وبين المشاركة العادلة والمسؤولية عن التحرك، قبل أن تتحول فجوة المعرفة إلى فجوة إضافية في العمل المناخي.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تعكس بالضرورة مواقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
احدث المنشورات
Oct 25, 2026
ما بعد الاستقرار المالي: الأجندة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة في صميم التعافي وإعادة الإعمار - زهرة بزّي
Oct 24, 2026
بيان تضامني مع المملكة الأردنية الهاشمية وإدانة للعمل الإرهابي الذي استهدف المصلّين في الكنيسة