Oct 21, 2026
من فيضانات إسطنبول إلى COP31: لماذا يجب أن تصبح المياه في قلب مفاوضات المناخ؟ - حبيب معلوف
حبيب معلوف
كاتب وصحافي بيئي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
حبيب معلوف

من فيضانات إسطنبول إلى COP31: لماذا يجب أن تصبح المياه في قلب مفاوضات المناخ؟

بقلم حبيب معلوف

ينطلق حبيب معلوف من فيضانات إسطنبول في تشرين الأول/أكتوبر 2026 ليدعو إلى وضع المياه في قلب مفاوضات COP31. يناقش الترابط بين الفيضانات والجفاف والتخطيط العمراني، وحدود الاعتماد على السدود والتحلية، وأهمية حماية الأحواض المائية والتعاون العابر للحدود، ويطرح خمسة مسارات لدمج الإدارة المتكاملة للمياه في سياسات التكيف والتمويل والعدالة المناخية.

ليست الفيضانات التي شهدتها إسطنبول في منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2026 مجرد حادثة مناخية عابرة، ولا هي ظاهرة يمكن تفسيرها بالأمطار الغزيرة وحدها. فقد سجلت منطقة بيكوز 277.1 ملم من الأمطار، وفق بيانات نقلتها بلدية إسطنبول، وهو أعلى معدل مسجل في محطاتها منذ عام 1942. وأسفرت الفيضانات عن سقوط ضحايا وأضرار واسعة، وغمرت الطرق والأنفاق والمنازل، وعطلت حركة النقل…الخ

اهمية هذه الحادثة لا تقتصر على حجم الأمطار والخسائر، ولا على توقيتها قبل أسابيع من استضافة تركيا مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP31)، في أنطاليا بين 9 و20 تشرين الثاني/نوفمبر. اهميتها انها تفتح بابًا لنقاش أوسع عن موقع المياه في السياسات المناخية، وعن العلاقة بين الظواهر الطبيعية وطريقة إدارتنا للموارد والأراضي والمدن.

فكيف يمكن أن تصبح المياه قضية مركزية في النقاش المناخي، فيما لا تزال إدارتها موزعة بين قطاعات ومؤسسات وسياسات لا تلتقي بالقدر الكافي؟

عندما تتحول الأمطار إلى كارثة

لا يمكن اعتبار الفيضانات ظاهرة غير مسبوقة في إسطنبول؛ فقد شهدت المدينة فيضانات خطيرة في سنوات سابقة، منها عام 2009. لكن شدة الأمطار الأخيرة تعيد طرح مسألة استعداد المدن للظواهر المتطرفة، ومدى ملاءمة أنماط التخطيط العمراني والبنية التحتية للمخاطر المتغيرة.

فالأمطار الغزيرة هي العامل المباشر للسيول، لكن حجم الخسائر لا تحدده كمية المطر وحدها. إذ يتأثر أيضاً بالتوسع العمراني، وتغطية التربة بالإسفلت والإسمنت، والبناء في المناطق المنخفضة ومسارات التصريف الطبيعية، وكفاءة شبكات تصريف مياه الأمطار، ومدى استعداد المؤسسات للتعامل مع المخاطر.

ويضاف إلى ذلك تغير المناخ، الذي يزيد شدة الهطولات القصوى في مناطق عديدة، وإن كان تحديد مقدار مساهمته في هذه العاصفة تحديداً يحتاج إلى دراسة علمية خاصة.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف عندها: قد تتحول المياه التي تحتاج إليها المدن والمجتمعات إلى مصدر للدمار عندما تتجاوز قدرة البنية التحتية على استيعابها، تماماً كما يتحول نقصها إلى تهديد للحياة والزراعة والغذاء والطاقة.

فالمشكلة ليست دائماً في وجود المياه أو غيابها، بل في توقيت وصولها وكميتها ومكانها، وفي كيفية إدارة الدورة المائية وحماية المجتمعات التي تعتمد عليها.

من الفيضانات إلى الجفاف: المياه في قلب أزمة المناخ

تؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن الاحترار العالمي يؤثر في الدورة المائية، وأن مخاطر الفيضانات والجفاف تتفاقم في مناطق عديدة بفعل التغيرات المناخية، إلى جانب عوامل اجتماعية واقتصادية وعمرانية متعددة.

فالاحترار يؤثر في التبخر والهطولات ورطوبة التربة وتغذية المياه الجوفية، كما يغيّر أنماط تساقط الثلوج وتوقيت ذوبانها وتدفقات الأنهار. ولا تتوزع هذه التغيرات بالتساوي بين المناطق، بل تتداخل مع طبيعة الأحواض المائية والأنظمة البيئية وأنماط استخدام الأرض.

لكن المياه ليست مجرد ضحية لتغير المناخ فقط؛ إنها أيضاً حلقة أساسية في سلسلة آثاره على الإنسان والطبيعة.

فالجفاف يؤثر في المحاصيل والأمن الغذائي، ويزيد الضغط على المياه الجوفية، ويهدد النظم البيئية، ويرفع كلفة تأمين مياه الشرب والطاقة. والفيضانات قد تدمر البنى التحتية والمساكن، وتلوث مصادر المياه، وتجرف التربة، وتتلف المحاصيل. أما ذوبان الأنهار الجليدية وتغير الغطاء الثلجي، فيؤثران في انتظام تدفقات الأنهار وفي المجتمعات التي تعتمد عليها… وفي زيادة السيول والفيضانات ايضا.

وتتجاوز آثار المياه حدود البيئة بالمعنى الضيق، لتطال الاقتصاد والصحة والهجرة والاستقرار الاجتماعي. كما تتداخل مع قضايا الطاقة، سواء من خلال اعتماد التحلية والضخ والمعالجة على الكهرباء، أو من خلال دور المياه في إنتاج الطاقة وتبريد المنشآت الصناعية، لاسيما صناعة الذكاء الالكتروني مؤخرا.

لهذا، فإن التعامل مع المياه بوصفها قطاعاً منفصلاً عن بقية القطاعات لا يعكس حقيقة الترابط بين أزمات المناخ والبيئة. والمطلوب هو النظر إليها باعتبارها أحد المحاور التي ينبغي أن تتكامل حولها السياسات المناخية.

هل تكفي السدود الضخمة لحل مشكلة المياه؟

تطرح فيضانات إسطنبول سؤالاً عن العلاقة بين البنية التحتية والأنظمة الطبيعية. فالسدود والخزانات والمنشآت الهندسية تؤدي وظائف مهمة في تخزين المياه والري وإنتاج الكهرباء وتنظيم بعض التدفقات، لكنها لا تشكل وحدها استراتيجية متكاملة لإدارة المياه.

فسد أتاتورك، مثلاً، يقع على نهر الفرات، ولا تربطه علاقة مباشرة بالفيضانات التي تضرب شوارع إسطنبول، لاختلاف الأحواض المائية المعنية. لكن المثال يتيح طرح سؤال أوسع بشأن خيارات إدارة المياه: هل ينبغي أن نقيس نجاح السياسات المائية بحجم المياه التي نستطيع تخزينها، أم بقدرتنا على إدارة الموارد بصورة مستدامة، وحماية الناس من الفيضانات والجفاف معاً؟

إن بناء سد جديد لا يعالج بالضرورة استنزاف المياه الجوفية أو الهدر في شبكات التوزيع، كما أن تخزين المياه لا يعوض عن تدهور الأحواض الطبيعية أو اختلال أنماط استخدامها. وقد تكون بعض المشاريع الكبرى ضرورية، لكن تقييمها ينبغي أن يشمل آثارها البيئية والاجتماعية، ومخاطرها المناخية المستقبلية، وتأثيراتها في المجتمعات الواقعة أعلى الحوض وأسفله.

في المدن، لا تقل أهمية حماية الغابات والتربة والأراضي الرطبة، واستعادة المساحات القادرة على امتصاص مياه الأمطار، ومنع البناء في مجاري السيول، وتطوير أنظمة التصريف والإنذار المبكر.

المطلوب، إذاً، ليس المفاضلة المطلقة بين المنشآت الهندسية والطبيعة، بل الانتقال إلى إدارة متكاملة تجمع بين البنية التحتية وحماية النظم البيئية والتخطيط العمراني الرشيد. فإدارة المياه لا تبدأ عند السدود والخزانات، بل تبدأ من الأحواض التي تتجمع فيها المياه، والتربة التي تمتصها، والغابات التي تؤثر في استجلابها وجريانها، والمدن التي تستقبلها. ولذلك بات ملحا المطالبة بحماية هذه الاحواض المائية تماما كما كنا نطالب سابقا بالمحميات البرية والبحرية.

المياه العابرة للحدود: من إدارة الموارد إلى إدارة العلاقات بين الدول

تأخذ القضية بعداً أكثر تعقيداً عندما نتحدث عن الأنهار والأحواض الجوفية التي تعبر الحدود السياسية. فالمياه لا تتوقف عند الحدود، لكن القرارات المتعلقة بتخزينها وتحويلها واستخدامها وتوقيت إطلاقها تخضع لسلطات وطنية قد تتفاوت في قدراتها الاقتصادية والتقنية والسياسية.

ويظهر ذلك بوضوح في أحواض مثل دجلة والفرات، حيث تتداخل احتياجات الشرب والزراعة والطاقة مع خيارات بناء السدود والتخزين وتغير التدفقات والتحديات المناخية.

ولا يمكن فهم الأمن المائي في هذه الأحواض من خلال كمية المياه المتاحة طبيعياً وحدها. فتوقيت وصول المياه، ومقدار ما يخزن منها، وأنماط استخدامها، ومدى التعاون في تبادل البيانات والتخطيط، كلها عوامل تؤثر في قدرة المجتمعات على مواجهة الجفاف والفيضانات.

ومن هنا، يصبح التعاون المائي جزءاً من التكيف مع تغير المناخ، لا مجرد مسألة دبلوماسية منفصلة عنه. فالتكيف داخل دولة واحدة قد يبقى محدود الفاعلية إذا نقلت إجراءاتها المخاطر إلى دولة أخرى أو إلى مجتمعات أضعف قدرة على حماية حقوقها.

لذلك، ينبغي أن تشمل السياسات المناخية تعزيز تبادل البيانات والإنذار المبكر، والتقييم المشترك للمخاطر، والتعاون في إدارة الأحواض، ومراعاة احتياجات السكان والنظم البيئية في مختلف أجزائها.

ولا يعني ذلك استبدال الأطر القانونية والمؤسسات المختصة بالمياه باتفاقية المناخ، بل بناء التكامل بينها، حتى لا تُناقش المخاطر المناخية من دون فهم القرارات التي تتحكم بالمياه، ولا تُتخذ القرارات المائية الكبرى من دون حساب آثار تغير المناخ.

تخزين المياه وتحليتها: من يتحمل الكلفة؟

تدفع ندرة المياه بعض البلدان إلى التوسع في بناء السدود والخزانات وحفر الآبار، فيما تتجه بلدان أخرى، خصوصاً في المناطق الساحلية، إلى تحلية مياه البحر وإعادة استخدام المياه المعالجة.

لكن هذه الخيارات ليست متساوية في آثارها أو كلفتها. فالتحلية قد تؤمن مورداً مهماً لمناطق تعاني شحاً مزمناً، لكنها تحتاج إلى الطاقة والاستثمارات والبنية التحتية، وقد تترك آثاراً بيئية مرتبطة بتصريف المياه الملحية المركزة. وإذا اعتمدت على مصادر طاقة كثيفة الانبعاثات، فقد تزيد البصمة الكربونية لتأمين المياه.

كذلك، ينبغي تقييم السدود وفق آثارها في الأنهار والرواسب والنظم البيئية والمجتمعات، وليس فقط وفق سعتها التخزينية أو قدرتها على إنتاج الكهرباء.

وهنا تبرز مسألة أساسية: من يختار هذه المشاريع، ومن يمولها، ومن يستفيد منها، ومن يتحمل أعباءها البيئية والاجتماعية والمالية؟

قد تكون الحاجة إلى مشروع جديد حقيقية، لكن إدارة الطلب على المياه، وتقليل الهدر، وحماية الاحواض والمياه الجوفية، وتحسين كفاءة الري، وإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، قد توفر بدائل أو مكملات أقل كلفة في بعض الحالات. لذلك، ينبغي أن تخضع الخيارات المائية لتقييم متكامل يأخذ في الاعتبار آثار المناخ، والاحتياجات الاجتماعية، والعدالة في التوزيع، والبدائل المتاحة، وأثر المشروع على المدى الطويل.

فالتكيف لا يعني بالضرورة بناء المزيد من المنشآت، بل اختيار الحلول المناسبة لكل حوض ومنطقة ومجتمع، ومقارنة كلفتها وفوائدها وآثارها المستقبلية. وقد يكون الحل الأكثر استدامة مزيجاً من البنية التحتية وحماية النظم الطبيعية وإدارة الطلب، لا الاعتماد على خيار واحد.

لماذا يجب أن تدخل إدارة المياه في مفاوضات المناخ؟

هنا نصل إلى جوهر المسألة.

إذا كانت المياه من أبرز المجالات التي تظهر فيها آثار تغير المناخ، وإذا كانت إدارتها تؤثر في قدرة المجتمعات على التكيف، فمن المنطقي أن تحظى بمكانة أكثر وضوحاً في مفاوضات المناخ، وفي التمويل والتكنولوجيا والتعاون الدولي.

ولا يعني ذلك أن المياه غائبة تماماً عن هذه المفاوضات؛ فهي حاضرة بالفعل في خطط التكيف الوطنية ومبادرات عديدة. لكن المطلوب هو الانتقال من الاعتراف بأهميتها إلى إدماج إدارة المياه بصورة أكثر انتظاماً وترابطاً في السياسات المناخية وآليات تنفيذها.

وهذا يتطلب العمل على خمسة مسارات مترابطة:

أولاً: إدماج الإدارة المتكاملة للمياه في خطط التكيف وتمويلها. فلا يكفي التركيز على تأمين الإمدادات المائية، بل ينبغي أيضاً حماية الأحواض الطبيعية، وتحسين تصريف مياه الأمطار، والحد من مخاطر الفيضانات والجفاف، وحماية مصادر المياه الجوفية.

ثانياً: تقييم المشاريع المائية الكبرى من منظور مناخي وبيئي واجتماعي. ويشمل ذلك السدود والخزانات والتحويلات المائية ومحطات التحلية، مع مراعاة آثارها العابرة للحدود وكلفتها طويلة الأجل، ومقارنة بدائلها قبل اتخاذ القرارات الاستثمارية.

ثالثاً: تعزيز التعاون المناخي في الأحواض العابرة للحدود. وذلك عبر تبادل البيانات، والإنذار المبكر، والتخطيط المشترك لمواجهة الجفاف والفيضانات، ودعم التعاون بين المؤسسات المعنية بالمياه والمناخ.

رابعاً: توفير التمويل والتكنولوجيا بشروط عادلة. فالتكيف المائي يحتاج إلى تقنيات للرصد والإدارة والمعالجة وإعادة الاستخدام والتحلية الأكثر كفاءة، وإلى بنية تحتية قادرة على مواجهة المخاطر المستقبلية. لكن نقل التكنولوجيا لا يتحقق بمجرد إتاحتها نظرياً؛ بل يتطلب تمويلاً مناسباً، وبناء القدرات، وشروطاً تسمح للبلدان النامية باستخدامها وتطويرها من دون أعباء مالية غير مستدامة.

خامساً: ربط المياه بالتنوع البيولوجي والتصحر والأمن الغذائي والطاقة. فحماية مصادر المياه لا تنفصل عن حماية الغابات والتربة والأراضي الرطبة والنظم الزراعية. كما أن معالجة هذه القضايا بصورة مجزأة قد تنتج حلولاً متناقضة، أو تنقل الضرر من قطاع إلى آخر.

ولا ينبغي أن يكون هذا الإدماج على حساب الالتزامات القائمة في اتفاقية المناخ، أو أن يتحول إلى مجرد مبادرات طوعية لا تترافق مع التمويل والتنفيذ والمساءلة. المطلوب هو أن ينعكس الاهتمام بالمياه في خطط التكيف الوطنية، وتقييم المخاطر، وتوجيه التمويل، وتطوير التكنولوجيا، وتعزيز التعاون الدولي. بالاضافة الى اعادة النظر بالاستراتيجيات الوطنية التي يفترض أن تمنح الاولوية لحماية الاحواض ومصادر المياه وضبط الاستهلاك في القطاعات كافة وترشيده بالاضافة الى ضبط الطلب وتغيير استراتيجيات التفاوض البينية وقواعدها على ضوء زيادة الكوارث المناخية التي تحتم زيادة التعاون بين الدول بدل التنافس.

COP31: فرصة لطرح قضية المياه من منظور العدالة المناخية

تكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة مع اقتراب مؤتمر COP31 في تركيا، في وقت تتزايد فيه التحديات المائية في مناطق واسعة من العالم، ومنها المنطقة العربية.

فبلدان المنطقة تواجه أشكالاً متداخلة من المخاطر: الجفاف، وشح المياه، واستنزاف المياه الجوفية، والفيضانات المفاجئة، وتدهور النظم البيئية، والاعتماد المتزايد على التحلية في عدد من الدول وعلى إنشاء المزيد من السدود في بلدان اخرى… وهي اتجاهات مكلفة جدا وانعكاساتها قد تكون كارثية على المدى البعيد. كما أن المياه العابرة للحدود تجعل الأمن المائي مرتبطاً بالتعاون الإقليمي، وبالقدرة على التعامل مع التغيرات المناخية من دون تعميق الاختلالات القائمة.

ومن هنا، ينبغي للمجتمع المدني العربي أن يطالب بإعطاء إدارة المياه مكانة أكثر وضوحاً في مداولات المناخ ومخرجاته، وفي مسارات تمويل التكيف ونقل التكنولوجيا، وأن يدعو إلى ربطها بالعدالة المناخية والحق في التنمية وحماية النظم البيئية. وهذا ما شكل فعلا أحد المطالب الأساسية في ورقة موقف المجتمع المدني العربي من ال COP31 هذا العام.

ليس المطلوب إنشاء مسار موازٍ منفصل عن اتفاقية المناخ، بل تعزيز التكامل بين العمل المناخي والسياسات المائية، وبين التزامات الدول والاتفاقيات القائمة والتعاون الإقليمي.

ويشمل ذلك الدفع باتجاه الاعتراف بالمياه العابرة للحدود ووضع اسس جديدة للتعامل معها تاخذ بالاعتبار الموضوع المناخي، واعادة النظر بطرق إدارة التخزين خلف السدود وتحلية مياه البحر وإعادة استخدام المياه… وضبط الطلب وزيادة الاستهلاك وحماية الأحواض الطبيعية، باعتبارها قضايا تتقاطع مع التكيف والتخفيف والتمويل والتكنولوجيا والعدالة.

فالمطلوب أن تتحول المياه من موضوع يظهر عند الحديث عن الجفاف أو الفيضانات إلى عنصر حاضر في تقييم السياسات المناخية نفسها: كيف ستؤثر هذه السياسات في الموارد المائية؟ من سيستفيد منها؟ من سيتحمل كلفتها؟ وهل تعزز قدرة المجتمعات على التكيف، أم تنقل المخاطر إلى أماكن أخرى؟

ومن المهم أيضاً التمييز بين الالتزامات الرسمية للدول في إطار اتفاقية المناخ والمبادرات الطوعية التي قد تطلقها رئاسة المؤتمر. فالمبادرات يمكن أن تفتح مسارات جديدة للتعاون، لكنها لا تعوض عن التمويل الكافي ولا عن تنفيذ الالتزامات القائمة.

من السيطرة على المياه إلى إدارة دورة الحياة

في النهاية، لا تكمن دلالة فيضانات إسطنبول في أنها تقدم دليلاً حاسماً على سبب مناخي واحد، بل في أنها تكشف مجدداً هشاشة العلاقة بين المدن والمياه، وبين البنية التحتية والأنظمة الطبيعية، وبين السياسات المحلية والمخاطر العالمية.

فالمياه قد تصبح كارثة عندما تفيض، وقد تتحول إلى أزمة عندما تنضب، وقد تصبح مصدراً للنزاع عندما تتجاوز الحدود السياسية، وقد تتطلب طاقة وتمويلاً وتقنيات جديدة عندما نلجأ إلى تخزينها أو تحليتها…الخ وهذه ليست مشكلات منفصلة، بل وجوه مترابطة لقضية واحدة: كيف ندير المياه في عالم تتغير فيه الدورة المائية، بينما تستمر أنماط الإنتاج والاستهلاك والتوسع العمراني والسياسات المائية في التأثير في توزيع المخاطر والموارد؟

لا يكفي أن نزيد قدرتنا على تخزين المياه خلف السدود، أو أن نبني شبكات تصريف أكبر، أو أن ننتج مزيداً من المياه المحلاة. لا بد من إدارة متكاملة تبدأ بحماية الأحواض ومصادر المياه، وتأخذ في الاعتبار حقوق الناس والنظم البيئية، وتربط القرارات المائية بالتخطيط العمراني والسكاني والزراعة والطاقة والتعاون بين الدول.

إن إدماج إدارة المياه في مفاوضات المناخ ليس إضافة تقنية إلى جدول الأعمال، بل ضرورة سياسية وبيئية وأخلاقية. فالمياه ليست مجرد مورد اقتصادي، ولا مجرد ملف تقني تتولاه الوزارات المختصة، بل شرط للحياة وحق أساسي ومورد مشترك تتوقف عليه قدرة المجتمعات على التكيف مع التحولات المناخية.

فلا عدالة مناخية من دون عدالة مائية، ولا تكيّف فعال من دون إدارة مستدامة للمياه، ولا تعاون مناخياً حقيقياً من دون تعاون عادل على الموارد التي تتجاوز الحدود السياسية.

وقد يكون هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يصل إلى أنطاليا مع انعقاد COP31: ليس فقط كيف نواجه تغير المناخ، بل كيف نعيد تنظيم علاقتنا بالمياه، باعتبارها شرطاً للحياة وحقاً أساسياً ومورداً مشتركاً تتوقف عليه قدرة المجتمعات والأجيال المقبلة على العيش بأمان وكرامة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تعكس بالضرورة مواقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
احدث المنشورات
Oct 19, 2026
من خراب الحرب إلى خراب الإدارة: كيف استُنزفت مؤسسات الدولة اللبنانية؟
Oct 16, 2026
لحظة الإصلاح في لبنان: من إصلاح المالية العامة إلى إعادة بناء الدولة - لمياء مبيض