ورقة موقف: موازنة لبنان 2027: أي مالية عامة للتعافي والعدالة الاجتماعية؟
موازنة لبنان 2027: أي مالية عامة للتعافي والعدالة الاجتماعية؟
تُصدر شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية ورقة موقف جديدة تتناول مشروع موازنة لبنان لعام 2027 في مرحلة مفصلية من مسار التعافي الاقتصادي والمالي. فبعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والمالي، لا يزال لبنان يواجه تراجعًا في القدرة الشرائية، واتساعًا في الاحتياجات الاجتماعية، وتضررًا في البنية التحتية والخدمات العامة، إلى جانب التحديات المرتبطة بإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة استدامة المالية العامة.
وترى الشبكة أن تقييم الموازنة لا ينبغي أن يقتصر على مدى تحقيق توازن ظاهري بين الإيرادات والنفقات، بل يجب النظر إلى قدرتها على أن تكون جزءًا من مسار اقتصادي واجتماعي أوسع للتعافي. فالتوازن المحاسبي وحده لا يشكّل دليلًا على الاستدامة المالية في ظل استمرار قضايا أساسية، من بينها الدين العام والتزامات الدولة المتراكمة، وأوضاع العاملين في القطاع العام، وإعادة هيكلة القطاع المالي، وإعادة بناء المؤسسات العامة.
العدالة الضريبية وتعبئة الموارد العامة
تضع الورقة في صلب تحليلها مسألة كيفية تعبئة الدولة للموارد العامة وتوزيع العبء الضريبي. ويقدّر مشروع موازنة 2027 الإيرادات العامة بنحو 614.9 تريليون ليرة، منها نحو 528.2 تريليون ليرة من الإيرادات الضريبية، في وقت يستمر فيه الاعتماد الكبير على الضرائب والرسوم المرتبطة بالاستهلاك.
ومن منظور الشبكة، يتطلب بناء نظام ضريبي أكثر عدالة واستدامة تعزيز دور الضرائب المباشرة والتصاعدية، وتحقيق قدر أكبر من الاتساق في معاملة مصادر الدخل والثروة المختلفة، والحد من الاعتماد المفرط على الضرائب المرتبطة بالاستهلاك، وتوسيع الوصول إلى الأنشطة الاقتصادية غير المشمولة بصورة كافية بالنظام الضريبي، إلى جانب تعزيز مكافحة التهرب والتجنب الضريبي.
كما تتناول الورقة الضرائب المرتبطة بالثروة والملكية، وإدارة الأملاك العامة البحرية، والضرائب والرسوم البيئية، وإدارة أصول الدولة والموارد الطبيعية، مؤكدة أهمية تعزيز الشفافية والمساءلة وضمان مساهمة أكبر للفئات والأصول ذات القدرة الأعلى على الدفع في تمويل المالية العامة.
من تحصيل الإيرادات إلى دعم التعافي
تؤكد الشبكة أن تعزيز المالية العامة لا يمكن اختزاله بزيادة التحصيل الضريبي، بل يرتبط أيضًا بكيفية استخدام الموارد العامة وتوجيه الإنفاق. وتناقش الورقة الوزن المرتفع للنفقات الجارية مقارنة بالحيز المتاح للاستثمار العام، من دون اعتبار خفض الإنفاق الاجتماعي حلًا لهذه المعضلة.
وبدلًا من ذلك، تدعو الشبكة إلى إعادة تنظيم أولويات الإنفاق وتعزيز الاستثمار في المجالات القادرة على دعم الإنتاجية والتعافي الاقتصادي والاجتماعي، وفي مقدمتها الطاقة والمياه، والنقل، والصحة، والتعليم، والبنية التحتية، وإعادة الإعمار، وخلق فرص العمل. كما تشدد على ضرورة ربط المشاريع الاستثمارية بأهداف واضحة وقابلة للقياس واعتماد منظور متعدد السنوات للاستثمار العام.
الحماية الاجتماعية والشفافية والمساءلة
تتعامل الورقة مع الحماية الاجتماعية باعتبارها جزءًا أساسيًا من وظائف الدولة والسياسة الاقتصادية، وليس مجرد استجابة مؤقتة للأزمات. وترى الشبكة أن الإنفاق الاجتماعي والصحة والتعليم والخدمات الأساسية تؤدي دورًا مباشرًا في حماية الأسر من الصدمات، والحد من الفقر، وتعزيز رأس المال البشري، ودعم قدرة الاقتصاد على التعافي.
ومن هنا، تدعو إلى ربط الموازنة بمسار واضح لبناء نظام حماية اجتماعية مستدام، تتزايد قدرة الدولة على تمويله من الموارد العامة المحلية، ضمن مقاربة أكثر تكاملًا تربط الحماية الاجتماعية بالعمل اللائق والخدمات العامة والتغطية الصحية وسياسات سوق العمل.
وتشدد الورقة كذلك على أن إصلاح المالية العامة يتطلب تعزيز الشفافية والمساءلة، بما يمكّن المجلس النيابي والمجتمع المدني والمواطنين من معرفة ما تم تقديره في الموازنة، وما تحقق فعليًا، وكيف استُخدمت الموارد، وما النتائج التي تحققت. ولذلك تدعو الشبكة إلى تعزيز نشر البيانات المالية، وإنجاز الحسابات النهائية، وتطوير أدوات الرقابة والتقييم، والانتقال تدريجيًا نحو موازنة البرامج والأداء التي تربط الموارد بالأهداف والنتائج.
نحو موازنة للتعافي والعدالة الاجتماعية
في المحصلة، تدعو شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية إلى أن تصبح موازنة 2027 جزءًا من مسار أوسع لإعادة بناء المالية العامة ومؤسسات الدولة. ويتطلب ذلك بناء قاعدة موارد أكثر عدالة واستدامة، وتوزيعًا أكثر إنصافًا لكلفة تمويل الدولة، وحماية الحقوق الاجتماعية والقدرة الشرائية، وتعزيز الاستثمار في الخدمات العامة والتعافي، وتحسين الشفافية في إدارة الموارد العامة.
وبدل التعامل مع الموازنة باعتبارها تمرينًا محاسبيًا سنويًا، تدعو الورقة إلى اعتماد منظور مالي واقتصادي متوسط الأجل يربط الإيرادات والإنفاق والدين العام والحماية الاجتماعية والاستثمار العام برؤية متكاملة للتعافي. وبهذا المعنى، يمكن للمالية العامة أن تصبح أداة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر استدامة وعدالة ومساءلة، من خلال تعبئة عادلة للموارد، وإنفاق أكثر كفاءة، وحماية اجتماعية مستدامة، واستثمار عام يخدم الاقتصاد والإنسان.