Oct 19, 2026
من خراب الحرب إلى خراب الإدارة: كيف استُنزفت مؤسسات الدولة اللبنانية؟
د. انيس بوذياب
خبير اقتصادي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
د. انيس بوذياب

من خراب الحرب إلى خراب الإدارة: كيف استُنزفت مؤسسات الدولة اللبنانية؟

بقلم د. أنيس بوذياب

كيف تحوّلت الإدارة العامة في لبنان من خدمة المواطن إلى مورد للمصالح السياسية؟ يناقش د. أنيس بوذياب أسباب تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية بعد الحرب الأهلية، ودور المحاصصة السياسية والطائفية في إضعاف الإدارة العامة وتراجع الخدمات الأساسية. ويستعرض انعكاسات الهدر والفساد على المواطنين والاقتصاد، ويقترح خمسة مرتكزات لإصلاح المؤسسات واستعادة دورها في خدمة المصلحة العامة.

لا خلاف على أن الحرب الأهلية اللبنانية 1975–1990 خلّفت دماراً هائلا في مؤسسات الدولة وإدارتها العامة، وألحقت أضراراً جسيمة بقطاعات الصحة والتعليم والكهرباء والمياه والاتصالات. فقد تفككت أجزاء من الإدارة، وتراجعت قدرتها على تقديم الخدمات، وتعرّضت البنية التحتية للتدمير والإهمال. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء الحرب هو: لماذا لم تستعد الدولة مؤسساتها، ولماذا لم تنجح في إعادة بناء إدارة عامة حديثة وفاعلة، رغم ما أُنفق على إعادة الإعمار؟

هنا تكمن المشكلة الحقيقية. فالحرب تفسّر جانباً من انهيار المؤسسات، لكنها لا تفسّر وحدها استمرار تراجعها بعد انتهاء الأعمال العسكرية. لقد كان يفترض باتفاق الطائف أن يشكّل بداية مرحلة جديدة، تُعاد فيها بناء الدولة على أسس أكثر توازناً وعدالة، وأن تتحوّل المطالب الشعبية التي سبقت الحرب، والداعية إلى إصلاح النظام وتوسيع المشاركة السياسية، إلى فرصة لتطوير المؤسسات وتعزيز قدرتها على خدمة المواطنين. وهنا أخطأت القوى السياسية المشاركة في الحرب الأهلية حين تعاملت مع المؤسسات العامة باعتبارها ملكاً للسلطة القائمة، لا ملكاً عاماً للمواطنين. لكن ما حدث أن توسيع المشاركة في السلطة لم يقترن، بالقدر المطلوب، ببناء إدارة عامة مستقلة عن التجاذبات السياسية، ولا بترسيخ معايير الكفاءة والمساءلة.

من المشاركة السياسية إلى تقاسم الإدارة العامة

لم تكن المشكلة في مبدأ المشاركة السياسية بحد ذاته، ولا في السعي إلى تحقيق التوازن بين مكوّنات المجتمع اللبناني، بل في الطريقة التي جرى بها توظيف هذا المبدأ في إدارة الدولة. فبدلا من أن تكون المشاركة مدخلا إلى تعزيز المؤسسات، تحوّلت المحاصصة في جوانب واسعة من الممارسة السياسية إلى آلية لتوزيع المواقع الإدارية والوظائف والمنافع بين القوى النافذة ومن يملك فائض القوة.

وهكذا، أخذت اعتبارات الولاء السياسي والانتماء الطائفي والوساطة تتقدّم، في حالات عديدة، على الكفاءة والخبرة والاستحقاق. وأصبح التوظيف في بعض المؤسسات العامة يُستخدم لتلبية مطالب القوى السياسية ومناصريها، لا لتلبية الحاجات الفعلية للإدارة. ولم تعد الوظيفة العامة دائماً مسؤولية تتطلب التأهيل والإنتاجية والمحاسبة، بل تحوّلت أحياناً إلى وسيلة لتعزيز النفوذ وتثبيت الولاءات.

وقد أشار البنك الدولي، في دراساته عن لبنان، إلى أن إخضاع التوظيف العام للاعتبارات السياسية والطائفية، وضعف المساءلة، واستيلاء المصالح الخاصة على الموارد العامة، ساهمت في تراجع نوعية الخدمات الأساسية. كما وثّقت تقارير عن قطاع الكهرباء كيف أثّرت التدخلات السياسية وفائض القوة في التعيينات والعقود والقرارات الإدارية، على حساب الفاعلية والمصلحة العامة.

المؤسسات العامة: خدمة للمواطن أم مورد لتوزيع المنافع؟

تكمن خطورة هذا المسار في أنه لا يكتفي بإضعاف الإدارة العامة، بل يغيّر وظيفتها الأساسية. فالمؤسسة العامة التي يُفترض أن تعمل وفق أهداف واضحة ومؤشرات أداء وموازنات خاضعة للرقابة، تصبح عرضة للتحوّل إلى مورد لتوزيع الوظائف والعقود والامتيازات.

ومن هنا يمكن فهم جانب من أوجه الهدر والفساد التي رافقت إدارة بعض القطاعات العامة بعد الطائف. ففي الكهرباء، أدّى تعثر الإصلاحات وتراكم الاختلالات المالية والإدارية إلى استمرار الاعتماد على المولدات الخاصة، بما رتّبه ذلك من أعباء إضافية على الأسر والمؤسسات الاقتصادية. وفي المياه، تضررت قدرة المواطنين على الحصول على خدمة منتظمة وازدادت الحاجة إلى حلول خاصة ومكلفة. وفي الصحة والتعليم، ساهم ضعف التمويل والإدارة وتراجع القدرة الشرائية للعاملين في القطاع العام في زيادة الضغوط على المؤسسات والخدمات، ناهيك عن تراجع المستوى التعليمي في المدارس الرسمية والجامعة اللبنانية.

ولا يعني ذلك أن جميع المؤسسات العامة فشلت بالدرجة نفسها، أو أن كل موظف عام جزء من منظومة الفساد؛ فثمة موظفون وأكاديميون وأطباء ومعلمون وإداريون حافظوا على التزامهم المهني رغم الظروف الصعبة. لكن المشكلة تكمن في نظام الحوافز والإدارة والرقابة الذي قد يهمّش الكفاءات، ويضعف المبادرة، ويجعل أداء المؤسسة رهناً بالتوازنات السياسية أكثر مما هو مرتبط بحاجات المواطنين.

والأخطر أن تراجع الخدمة العامة يفتح المجال أمام بدائل خاصة يدفع المواطن ثمنها مرتين: مرة من خلال الضرائب والرسوم التي تموّل الدولة، ومرة من خلال ما يتحمله لتأمين الكهرباء والمياه والاستشفاء والتعليم وغيرها من الخدمات التي يُفترض أن تضمنها مؤسسات عامة فاعلة. وبذلك يتحوّل ضعف الدولة إلى عبء اقتصادي واجتماعي إضافي، وتتعمق الفوارق بين من يستطيع شراء البديل ومن يعجز عنه.

الهدر ليس مالا ضائعاً فحسب

غالباً ما يُختزل الهدر في المال الذي يُنفق من دون تحقيق نتيجة، أو في صفقة غير شفافة، أو في توظيف لا تبرّره الحاجة. لكن الهدر الأشد خطورة هو ما يصيب قدرة الدولة نفسها على العمل: هدر الكفاءات، وهدر الوقت، وتعطيل القرارات، وإضعاف التخطيط، وتآكل ثقة المواطنين بالمؤسسات.

وعندما تتراجع فعالية الإدارة، تصبح كلفة الخدمات أعلى، وتتراجع الإنتاجية، وتتأثر القدرة التنافسية للاقتصاد، ويزداد اعتماد الأفراد والمؤسسات على حلول خاصة. كما تفقد الوظيفة العامة جزءاً من جاذبيتها المهنية، وتصبح هجرة الكفاءات نتيجة إضافية لهذا المسار. وهكذا، لا يبقى الفساد مشكلة أخلاقية أو إدارية فحسب، بل يتحوّل إلى عامل يعيق النمو ويعمّق العجز المالي ويقوّض العدالة الاجتماعية.

وقد خلص البنك الدولي، في تقريره عن المالية العامة اللبنانية الصادر عام 2022، إلى أن إدارة الموارد العامة خلال مرحلة ما بعد الحرب ساهمت في ترسيخ نموذج اقتصادي استنزف موارد الدولة وأضعف تقديم الخدمات الأساسية. وهذا يعزز ضرورة النظر إلى الأزمة بوصفها أزمة في طريقة إدارة الدولة، لا مجرد نقص في الأموال أو نتيجة حتمية للحرب.

كيف يمكن استعادة الدولة؟

إن استعادة المؤسسات العامة لا تبدأ بزيادة الإنفاق وحدها، ولا بتغيير الأشخاص من دون تغيير القواعد التي تحكم عملهم. إنها تتطلب إصلاحاً إدارياً ومؤسساتياً متكاملا، يقوم على خمسة مرتكزات أساسية:

أولاً، اعتماد الكفاءة والاستحقاق والشفافية في التوظيف والتعيينات، وتفعيل دور مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي والهيئات الرقابية، بعيداً عن التدخلات السياسية.

ثانياً، تعزيز استقلالية المؤسسات العامة في إدارة شؤونها التشغيلية، ضمن أهداف واضحة وموازنات معلنة ومؤشرات قابلة للقياس، مع إخضاع المسؤولين للمحاسبة عن النتائج.

ثالثاً، تطبيق قواعد الشراء العام والرقابة المالية، ونشر المعلومات المتعلقة بالعقود والإنفاق والنتائج، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في هدر المال العام أو إساءة استخدام السلطة.

رابعاً، إعادة الاعتبار إلى الموارد البشرية في القطاع العام، من خلال تأمين شروط عمل لائقة، وتدريب الموظفين، وتقييم الأداء، وربط الحوافز بالإنتاجية، بدلاً من ترك الكفاءات تنهار تحت وطأة الأجور المتدنية والتدخلات السياسية.

خامساً، إخضاع الإصلاح لمصلحة المواطن، بحيث تُقاس نجاحات الدولة بتحسّن جودة الخدمات وانتظامها وكلفتها وعدالة الوصول إليها، لا بعدد الوظائف الموزعة أو حجم الإنفاق أو كثرة الخطط المعلنة.

الخلاصة: لا دولة قوية من دون مؤسسات قوية

إن المأساة اللبنانية لا تكمن فقط في أن الحرب دمّرت قسماً من مؤسسات الدولة، بل في أن مرحلة ما بعد الحرب لم تنجح في تحويل إعادة الإعمار إلى مشروع متكامل لبناء المؤسسات. فالتسوية السياسية التي أنهت الحرب كان ينبغي أن تفتح الطريق أمام دولة قادرة على إدارة مواردها، وتقديم خدماتها، وحماية مواطنيها، لا أن تجعل الإدارة العامة ساحة إضافية لتوزيع النفوذ والمنافع وفق فائض قوة جديد.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس كم نحتاج من الأموال لإعادة تأهيل المؤسسات، بل كيف نضمن ألّا تتكرر الأسباب التي أوصلتها إلى ما هي عليه. فالأموال من دون حوكمة سليمة قد تتحول إلى هدر جديد، والقوانين من دون تطبيق تبقى حبراً على ورق، والتعيينات من دون كفاءة لا تبني إدارة قادرة على النهوض.

إن الدولة ليست ملكاً للقوى التي تتولى الحكم، والإدارة العامة ليست غنيمة تتقاسمها الأحزاب، والوظيفة العامة ليست مكافأة سياسية. إنها جميعاً ملك للمواطنين، ووجودها مبرر بقدرتها على خدمتهم. ومن هنا، فإن استعادة الدولة تبدأ باستعادة هذا المبدأ البسيط: المؤسسة العامة وُجدت لخدمة الناس، لا ليخدم الناس مصالح من يسيطر عليها. وربما لذلك أخطأت القوى المشاركة في الحرب الأهلية حين اعتبرت المؤسسات العامة ملكاً للسلطة السياسية القائمة، لا ملكاً عاماً.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تعكس بالضرورة مواقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
احدث المنشورات
Oct 16, 2026
لحظة الإصلاح في لبنان: من إصلاح المالية العامة إلى إعادة بناء الدولة - لمياء مبيض
Oct 15, 2026
أي موقف عربي من بداية المشاورات التي تسبق COP31؟