Sep 18, 2026
تشريع بلا بوصلة: حين يوسّع المشرّع العفو ويضيّق الحرية
ليال صقر
محامية

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
ليال صقر

تشريع بلا بوصلة: حين يوسّع المشرّع العفو ويضيّق الحرية

قوانين الإعلام والعفو العام وإلغاء عقوبة الإعدام لا تكشف ثلاث سياسات تشريعية منفصلة، بل نهجًا واحدًا في إدارة العدالة والحقوق والفضاء المدني وفق موازين القوى

بقلم المحامية ليال صقر

تحلل المحامية ليال صقر ثلاثة قوانين أقرّها مجلس النواب اللبناني في آب/أغسطس 2026 تتعلق بالإعلام، وإلغاء عقوبة الإعدام، والعفو العام وتخفيض بعض العقوبات. وتقرأ الكاتبة هذه التشريعات مجتمعةً من زاوية السياسة التشريعية التي تحكم التعامل مع العدالة والحقوق والحريات، مركزةً بصورة خاصة على ما تعتبره تناقضًا بين تخفيف بعض العقوبات والإبقاء على إمكان الحبس في قضايا مرتبطة بالنشر. كما تبحث في أثر هذه المقاربة على الفضاء المدني وحرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، وتدعو إلى سياسة تشريعية متماسكة تقوم على مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب والكرامة الإنسانية والمشاركة الفعلية لأصحاب الحقوق.

في جلستي 11 و12 آب/أغسطس 2026، أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون الإعلام، وقانون إلغاء عقوبة الإعدام، وقانون العفو العام وتخفيض بعض العقوبات بصورة استثنائية. وقد يبدو كل قانون منها استجابةً لملف مستقل: تحديث التشريع الإعلامي، وأنسنة العقوبة، ومعالجة اكتظاظ السجون وتعطّل المحاكمات. لكن قراءة هذه القوانين مجتمعة تكشف ما هو أهم من تفاصيل كل نص: الفكر الذي يحكم العملية التشريعية في لبنان، ومدى وجود سياسة متماسكة للعدالة والحقوق، وأثر ذلك في الفضاء المدني.

السؤال هنا ليس ما إذا كان هناك تعارض قانوني مباشر يجعل تطبيق هذه القوانين مستحيلًا. بالمعنى التقني الضيق، يمكن لكل قانون أن يعمل ضمن نطاقه الزمني والموضوعي، ويمكن للقضاء أن يحدّد العلاقة بين النص العام والنص الخاص وبين الأحكام الانتقالية. إلا أن غياب التعارض التقني لا ينفي وجود تناقض أعمق في السياسة التشريعية والقيم التي يفترض أن تقودها. فالمشرّع نفسه الذي خفّف عقوبات ومحا ملاحقات بحجة أزمة السجون وبطء العدالة، أبقى في قانون الإعلام باب الحبس مفتوحًا بسبب فعل نشر. والدولة التي تقرّ بعجز سجونها وقضائها عن استيعاب الموجودين فيهما تستحدث، في الوقت نفسه، مسارًا قد يقود أشخاصًا آخرين إلى السجن بسبب التعبير.

هذه المفارقة لا تعبّر عن تساهل مطلق في العقاب ولا عن تشدّد مطلق فيه، بل عن عقاب انتقائي. ففي العفو العام، اتجه المشرّع إلى الرأفة الجماعية لا من خلال مراجعة قضائية فردية أو سياسة جزائية واضحة، بل عبر معادلة جمعت مطالب فئات وكتل مختلفة. ولم يقتصر الأمر على الجرائم المشمولة بالعفو، بل امتد إلى تخفيض عقوبات جرائم مستثناة منه، فيما ارتبط أثر إرادة الضحية بتاريخ اتخاذها صفة الادعاء الشخصي. وفي المقابل، عاقبت المادة 104 من قانون الإعلام اختلاق معلومات مضللة ونشر أخبار كاذبة ومؤذية بعبارات واسعة تتيح الحبس. وهكذا، يستطيع القانون أن يخفّض عقوبة جرم ذي ضحية مباشرة، ثم يجرّم الكلمة استنادًا إلى ضرر فضفاض قد تحدّد السلطة معناه وحدوده.

لا يعني ذلك التقليل من خطورة التضليل أو خطاب الكراهية، ولا إنكار الحاجة إلى حماية الأشخاص من الأضرار التي قد يسببها النشر. لكن المقاربة الحقوقية تميّز بين ضرر محدد يمكن إثباته ومعالجته بمسؤولية مدنية متناسبة، وبين تجريم عام يمنح الدولة سلطة تقرير ما هو صحيح وما هو كاذب. وعندما تُستخدم مفاهيم قابلة للتأويل مثل «المصلحة العامة» و«الأمن القومي» و«النظام العام» من دون ضوابط دقيقة، لا يعود التجريم موجّهًا إلى الضرر وحده، بل يصبح قابلًا للاستخدام ضد من ينتقد السلطة أو يكشف فسادًا أو يناقش قضية عامة.

إن حرية الرأي والتعبير وحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات ليست امتيازات قطاعية، بل البنية التحتية للديمقراطية.

ويتكرر غياب البوصلة نفسها في إلغاء عقوبة الإعدام. فالإلغاء خطوة تاريخية تنسجم مع الحق في الحياة وتمنع خطأً قضائيًا غير قابل للتدارك، إلا أن استبدال الإعدام بما سُمّي «الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة» أظهر أن المشرّع غيّر العقوبة من دون أن يحسم فلسفة العقاب. ففي اللحظة التي يتجه فيها إلى تخفيض عقوبات بصورة جماعية لمعالجة أزمة السجون، يستحدث في نص آخر عقوبة أشد اسمًا ورمزًا، من دون نقاش كافٍ في إعادة التأهيل والمراجعة الدورية للعقوبات الطويلة وإمكان الاندماج مجددًا في المجتمع. ليست المشكلة في وجود درجات مختلفة للعقاب، بل في غياب معيار واحد يربط العقوبة بجسامة الضرر والتناسب والكرامة الإنسانية وغاية الإصلاح.

يمكن فهم هذا التناقض إذا نظرنا إلى التشريع اللبناني بوصفه أداة لإدارة الأزمات والتوازنات أكثر منه وسيلة لبناء سياسة عامة. فالعفو يتيح امتصاص أزمة السجون والاستجابة لمطالب سياسية متعارضة؛ وإلغاء الإعدام يقدّم إنجازًا حقوقيًا مع طمأنة الاتجاه العقابي بعقوبة «مشددة»؛ وقانون الإعلام يمنح إصلاحات طال انتظارها، لكنه يُبقي للدولة أدوات لمواجهة خطاب تعتبره مضللًا أو مؤذيًا. والنتيجة نصوص توفّق بين القوى الحاضرة في المفاوضات، لا بين المبادئ التي يفترض أن تحكم دولة القانون.

تظهر خطورة هذه المنهجية بوضوح عند ربطها بالفضاء المدني. فالفضاء المدني الحر لا يعني فقط وجود جمعيات مسجّلة أو السماح بتنظيم نشاط هنا أو اجتماع هناك. إنه البيئة التي يستطيع فيها الأفراد والجماعات تكوين الجمعيات، والتجمع السلمي، وإبداء الرأي، والوصول إلى المعلومات، ونشر الأبحاث والتقارير، ومساءلة السلطات والتأثير في السياسات العامة من دون خوف من الانتقام أو الملاحقة. وهي ليست مطالب سياسية طارئة، بل حقوق تكرّسها المادة 13 من الدستور اللبناني والمواد 19 و21 و22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وهذه الحقوق مترابطة: فلا قيمة لحرية إنشاء الجمعيات إذا كانت الجمعية تخشى نشر نتائج عملها؛ ولا معنى لحرية التجمع إذا كان التعبير عن مطالب المجتمعين قد يعرّضهم للتجريم؛ ولا تكون الصحافة حرة إذا حُصرت الحماية بفئة مهنية ضيقة واستُبعد الصحافيون المستقلون والباحثون والناشطون ممن يؤدون وظيفة رقابية مماثلة.

ومن هنا، لا يقتصر أثر قانون الإعلام على المؤسسات الصحافية. فالنصوص الفضفاضة المتعلقة بالنشر تطال المجال الذي تعمل فيه منظمات المجتمع المدني والمدافعون عن حقوق الإنسان والمبادرات المستقلة. كل تقرير عن الفساد، وكل حملة مناصرة، وكل بيان ينتقد أداء مؤسسة عامة، يعتمد على حرية التعبير بقدر اعتماده على حرية تكوين الجمعيات. وإذا أصبح على هذه الجهات أن تتوقع مسبقًا كيف قد تفسّر السلطة «الأخبار الكاذبة» أو «المصلحة العامة»، تتحول الرقابة القانونية إلى رقابة ذاتية، ويضيق الفضاء المدني من دون حاجة إلى حلّ جمعية أو منع تجمع بصورة مباشرة.

ولا تنفصل حرية الفضاء المدني عن كيفية صناعة القانون نفسه. فقد شاركت منظمات وخبراء في مسار قانون الإعلام الذي امتد سنوات، لكن معيار المشاركة الفعلية ليس عدد الاجتماعات، بل إمكان تتبع أثر الملاحظات في النص النهائي ومعرفة أسباب قبولها أو ردّها. وفي العفو العام، طغت مفاوضات الكتل حول الفئات المستفيدة على مشاركة منظمة للموقوفين والضحايا وعائلاتهم والقضاة والعاملين في السجون. أما البديل عن الإعدام، فلم يحظَ بنقاش عام يوازي أهمية التحول المعلن. حين يُستدعى المجتمع المدني لإبداء الرأي من دون نشر الصيغ النهائية والتعديلات في وقت كافٍ، ومن دون جواب معلّل عن مقترحاته، تصبح الاستشارة وسيلة لإضفاء الشرعية على القرار أكثر منها مشاركة في صنعه.

إن حرية الرأي والتعبير وحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات ليست امتيازات قطاعية، بل البنية التحتية للديمقراطية. فهي التي تمكّن المجتمع من كشف الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة، وتتيح لأصحاب الحقوق تنظيم مطالبهم، وتمنح المشرّع معرفة لا تحتكرها الأحزاب أو الإدارات. لذلك، فإن حماية الفضاء المدني لا تكون بمادة تعلن احترام الحرية، بينما تسمح مواد أخرى بتجريم ممارستها، ولا تكون بدعوة الجمعيات إلى جلسات استماع من دون تمكينها من التأثير في النتيجة.

تقتضي السياسة التشريعية المتماسكة أن يسبق أي توسيع أو تخفيف للعقاب تقييمٌ موحّد لأثره في الحقوق وفي نظام العدالة والسجون، وأن يخضع كل قيد على التعبير لاختبارات الشرعية والضرورة والتناسب، وأن تُسمع أصوات الضحايا والموقوفين والصحافيين المستقلين والجمعيات وسائر أصحاب الحقوق قبل تثبيت الخيارات. كما تقتضي نشر مسودات القوانين وتعديلاتها، وإتاحة محاضر المناقشات، ووضع خطط تنفيذ وموارد وآليات مراجعة مستقلة. فالتشريع الحقوقي لا يوازن بين الحرية والعقاب وفق قوة كل فئة في التفاوض، بل وفق مبادئ عامة تُطبق على الجميع.

لا يكمن التناقض الأساسي، إذًا، بين ثلاثة قوانين منفصلة بقدر ما يكمن بين الدولة التي يعلنها المشرّع والدولة التي تنتجها نصوصه. والخروج منه يفترض اعتماد مقاربة حقوقية مدنية متكاملة تضع الإنسان وكرامته وحريته في صلب التشريع، وتنظر إليه بوصفه صاحب حق لا موضوعًا للتنظيم أو العقاب. فالتشريعات المدنية لا تُبنى على موازين القوى أو مصالح الطوائف والفئات، بل على ما يجمع المواطنين: المساواة في الحقوق، والكرامة الإنسانية، والمسؤولية المتبادلة، والمشترك والصالح العام. وعندها فقط يصبح القانون أداة لبناء الديمقراطية وحماية الفضاء المدني، لا وسيلة لإدارة التسويات أو ضبط المجتمع؛ ويغدو معيار نجاحه قدرته على تمكين الناس من أن يتكلموا، وينظموا أنفسهم، ويتجمعوا، ويشاركوا في الشأن العام بحرية وأمان.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر حصراً عن رأي الكاتبة ولا تعكس بالضرورة آراء أو مواقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
احدث المنشورات
Sep 21, 2026
ورقة موقف: موازنة لبنان 2027: أي مالية عامة للتعافي والعدالة الاجتماعية؟
Sep 21, 2026
انتكاسة من بغداد إلى نيويورك - منار زعيتر