Sep 21, 2026
انتكاسة من بغداد إلى نيويورك - منار زعيتر
منار زعيتر
الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
منار زعيتر

انتكاسة من بغداد إلى نيويورك

بقلم منار زعيتر

تتناول منار زعيتر الانتكاسة المتصاعدة ضد حقوق النساء باعتبارها جزءًا من صراع أوسع حول السلطة والفضاء المدني والحق في التعبير والتنظيم. ومن بغداد إلى نيويورك، تستعرض الكاتبة كيف تتخذ هذه الانتكاسة أشكالًا مختلفة، من العنف والقيود القانونية والتضييق على العمل النسوي، إلى التراجع عن بعض الالتزامات المتعلقة بالعدالة بين الجنسين في السياسات والمؤسسات الدولية. ويربط المقال هذه الديناميات بصعود سرديات مناهضة للحقوق، وتسييس الدين، والقومية والسلطوية والتراجع الديمقراطي، مع التأكيد على اختلاف تجلياتها بحسب السياقات المحلية والإقليمية. وتخلص الكاتبة إلى أن مواجهة هذه الانتكاسة تتطلب فهم علاقات السلطة وعدم المساواة التي تنتجها، وبناء تضامن نسوي سياسي يحمي قدرة النساء والمدافعات على الكلام والتنظيم والمطالبة بالحقوق.

في صباح الثاني من آذار/مارس 2026، أطلق مسلحان يستقلان دراجةً نارية النار على المدافعة البارزة عن حقوق المرأة ومؤسِّسة ورئيسة منظمة حرية المرأة في العراق ينار محمد أمام منزلها، حيث فارقت الحياة متأثّرةً بجراحها.

يمكن قراءة هذا الاغتيال بوصفه كاشفًا أن الانتكاسة ضد حقوق النساء ليست مجرد خلاف حول قضية محددة، بل جزء من معركة أوسع حول من يملك حق تعريف المجتمع وقيمه، ومن يملك مساحة التعبير والعمل داخله. فالانتكاسة لا تستهدف الحقوق المكتسبة فحسب، بل تبدأ غالبًا بإعادة تعريف اللغة التي تُناقَش بها قضايا النساء، ثم تنتقل إلى المجال القانوني والمؤسسي، وصولًا إلى تضييق الحيّز الذي تستطيع فيه الحركات النسوية تنظيم نفسها والتعبير عن مطالبها.

في العراق، تداخلت على مدى عقود عوامل سياسية واجتماعية ودينية، تعززت مع الحروب والصراعات والتدخلات الدولية، ودفعت بحقوق النساء إلى موقع متزايد التعقيد. إذ بات العمل في هذا المجال يُقدَّم أحيانًا بوصفه «تهديدًا للهوية والقيم الاجتماعية». وفي السنوات الأخيرة، انتقل هذا الخطاب إلى إجراءات أكثر مباشرة لتقييد الفضاء المدني: من حظر استخدام مصطلحات مثل «النوع الاجتماعي» في الخطاب العام، إلى تعديلات قانونية مست حقوق النساء والأسرة بصورة مباشرة.

وإذا كان هذا النمط واضحًا في العراق ودول كثيرة غيره، فهو يتكرر في المكان الذي تُصاغ فيه المعايير الدولية نفسها. ففي آذار/مارس 2026 رفض عددٌ من الدول الموافقة على استنتاجات لجنة الأمم المتحدة المعنية بوضع المرأة. للمرة الأولى منذ تأسيسها في نيويورك عام 1946، اضطرت اللجنة إلى اعتماد استنتاجاتها النهائية بالتصويت، بدلًا من التوافق الذي كان القاعدة طوال 80 عامًا. وتحت ضغط كتلة منظمة جيدًا مناهضة للحقوق، حُذفت من الإعلان السياسي الإشارات الراسخة منذ زمن طويل إلى الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية. وصحيح أن التصويت جاء لمصلحة النص، لكن كثيرًا من المدافعين عن حقوق المرأة رأوا في الطعن بالتوافق خطوة رمزية كبيرة.

لم يقتصر هذا التراجع على المفاوضات الدولية، بل انعكس في سياسات وطنية ذات أثر عالمي أيضًا. على سبيل المثال، فرضت سياسات ترامب تراجعًا في بعض أوجه الحماية والتمويل المرتبطين بالرعاية الصحية والإجهاض، إلى جانب فرض قيود على سياسات التنوع والإدماج. وهكذا يمثّل الاستيلاء المؤسسي من جانب الحكومات والجهات المانحة تكتيكًا رئيسيًا لتقويض الالتزامات بالعدالة بين الجنسين.

وفي مختلف أنحاء آسيا والمحيط الهادئ، تكتسب السرديات المناهضة للحقوق حضورًا متزايدًا في الخطاب العام، وتواجه المدافعات عن حقوق المرأة مزيدًا من المضايقات والترهيب. وفي منطقتنا تتكرر الانتكاسة بأشكال مختلفة، من الاعتقالات والمنع من السفر إلى التشهير والتضييق على عمل الجمعيات وغيرها. في سياق أقرب، تتواصل في مدينة طرابلس اللبنانية وغيرها من المناطق محاولات منع الأنشطة المرتبطة بقضايا التمييز والعنف ضد النساء، إلى جانب هجوم على العاملين في هذا المجال منذ سنوات.

الأمثلة كثيرة والسياقات مختلفة، وهذا ما يجعل الانتكاسة متجذرة في الجغرافيا السياسية، ومن ثم يصبح تفكيك تجلياتها في كل سياق أمرًا بالغ الأهمية. فالحيّز المدني لا يتقلص بصورة موحّدة في مختلف السياقات، بل يُعاد تشكيله بصورة نشطة وفق اعتبارات جندرية، فيما تتخذ آثاره بدورها طابعًا جندريًا عميقًا.

وغالبًا ما تؤطَّر الانتكاسة من خلال سرديات تصوّر النسوية، والصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، باعتبارها فرضًا أجنبيًا. وقد تتشابك السياسة المناهضة لحقوق النساء مع الحكم القومي أو السلطوي، أو مع حوكمة الأخلاق، والأمننة، والقمع بغطاء قانوني. وربما ترتبط الانتكاسة ضد العدالة بين الجنسين أيضًا بصعود السياسات الشعبوية اليمينية واليمينية المتطرفة، والسرديات الدينية، والتراجع الديمقراطي الأوسع.

وقد قدّمت مؤسسات ودراسات صورة معاصرة مقلقة عن الديمقراطية. وبغض النظر عن النقاشات المتعلقة بأفضل السبل لقياس جودة الديمقراطية، هناك اتفاق واسع على أن التقدم العالمي نحو التحول الديمقراطي قد توقف، على أقل تقدير. بالتوازي، تظل المعتقدات الدينية بارزة على مستوى العالم. وبغض النظر عن مستوى التدين في المجال العام أو عن علمانية الدساتير، فإن الاعتبار الأساسي هنا هو مدى تسييس المعتقدات الدينية. ولا يقتصر ذلك على السياقات ذات الأغلبية المسلمة. فمن الأمثلة البارزة اتساع المظاهر العامة للهندوسية في الهند، ونمو الإنجيلية السياسية في أميركا اللاتينية، وارتفاع القبول الشعبي للقومية الدينية في كثير من الدول.

وتتضح الصلة بين هذه الديناميات هنا: ففي بعض هذه السياقات، ترتبط السيطرة على الأجساد والحياة الأسرية ارتباطًا وثيقًا بشرعية الدولة والسلطة الدينية، ما يجعل النضال من أجل حقوق النساء تهديدًا كبيرًا لبنى السلطة الراسخة.

من بغداد إلى نيويورك، قد تختلف الأدوات والسياقات والفاعلون، لكن السؤال يبقى واحدًا: كيف نحافظ على قدرة النساء على الكلام والتنظيم والمطالبة بالحقوق حين تصبح هذه القدرة نفسها ساحة للصراع؟

وإذا كانت الانتكاسة تتخذ هذه الأشكال المتعددة، فإن مواجهتها لا يمكن أن تقوم على استجابة واحدة أو على وصفة جاهزة. من هنا أهمية التفكير في مستويات متعددة.

أولًا، العمل على مفهوم الانتكاسة من أجل فهم تعقيدات السياسات المناهضة لحقوق النساء. فلا يزال المفهوم محل خلاف، ويُنظر إليه بطرق مختلفة باعتباره تعبيرًا عن مقاومة الرجال، أو استعادةً للنظام الأبوي، أو نمطًا تتجلى من خلاله سياسة أوسع نطاقًا ذات طابع رجعي.

ثانيًا، تتجلى الانتكاسة ضد حقوق النساء في أشكال إقليمية ومحلية متميزة، تتشكل بفعل النظم السياسية، والمشهد الديني، والإرث الاستعماري، والظروف الاجتماعية والاقتصادية. لذلك، لا يمكن افتراض وجود تجربة نسائية واحدة أو وصفة سياسية واحدة، فالنساء لا يواجهن الأبوية بالطريقة نفسها.

ثالثًا، لا ترتبط ديناميات الانتكاسة بحقوق النساء فحسب، بل هي مسار تتداخل فيه علاقات السلطة وأشكال عدم المساواة. وعليه، فإن تأطير أوجه عدم المساواة بين الجنسين بوصفها مشكلة تتمثل في افتقار النساء إلى «التمكين» هو محاولة خطابية لقمع النضال النسوي في الجنوب العالمي المطالب بإعادة التوزيع، من الشمال إلى الجنوب، ومن الأغنياء إلى الفقراء، ومن الرجال إلى النساء.

رابعًا، يعيد هذا السياق أهمية التمسك بالتضامن، بل يجعله أكثر حاجة إلى أن يُبنى سياسيًا. فلا يزال العمل الجماعي استراتيجية رئيسية للنساء من أجل الدفع بمطالب المساواة بين الجنسين، والدفع أيضًا من أجل أن تظل المساحات المدنية مفتوحة وشاملة.

من بغداد إلى نيويورك، قد تختلف الأدوات والسياقات والفاعلون، لكن السؤال يبقى واحدًا: كيف نحافظ على قدرة النساء على الكلام والتنظيم والمطالبة بالحقوق حين تصبح هذه القدرة نفسها ساحة للصراع؟ ربما تبدأ الإجابة من رفض التعامل مع الانتكاسة كحوادث متفرقة، ومن بناء تضامن نسوي يعي اختلاف السياقات وتقاطع علاقات السلطة التي تنتجها، ويجعل حماية المدافعات والتعبئة العامة جزءًا من العمل اليومي للحركة النسوية، لا مجرد رد فعل عليها.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر حصراً عن رأي الكاتبة ولا تعكس بالضرورة آراء أو مواقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
احدث المنشورات
Sep 21, 2026
ورقة موقف: موازنة لبنان 2027: أي مالية عامة للتعافي والعدالة الاجتماعية؟
Sep 19, 2026
تحوّلات المجتمع المدني العربي ومصائره في زمن القسوة