اليمن في 2025: استقرار مؤقت فوق أرض رخوة - د.
منير السقاف
لم يكن عام 2025 عامًا للحرب المفتوحة في
اليمن، لكنه لم يكن عامًا للسلام أيضًا. بين هدوء نسبي في الجبهات العسكرية وتصاعد
أزمات السياسة والاقتصاد والإنسان، وجد اليمنيون أنفسهم أمام مفارقة قاسية: فالتراجع
في القتال لم يؤدِّ إلى تحسن ملموس في الحياة، بل كشف هشاشة أعمق في بنية الدولة
والسلطة والموارد. يمكن قراءة أبرز تحولات
2025 على انها انتقال من حرب السلاح إلى
حرب الإدارة والشرعية، حيث باتت كلفة “الاستقرار المؤقت” أثقل من كلفة القتال في
بعض جوانبه.
في عام 2025، بدا اليمن وكأنه يعيش “استقرارًا مؤقتًا” أكثر مما
يعيش سلامًا. فالتراجع النسبي في المعارك الواسعة على خطوط التماس لم يُنتِج تسوية
سياسية، بل أفرز توازن ردع هشًّا: لا حرب شاملة تُحسم، ولا اتفاق شامل يُطبّق. هذا
النوع من التوازن خفّض كلفة القتال المباشر مؤقتًا، لكنه في المقابل رفع كلفة
أزمات أخرى أكثر تعقيدًا، مثل انقسام السلطة، وتعاظم اقتصاد الحرب، وتآكل الخدمات
العامة، وصعود صراعات داخلية بين الحلفاء قبل الخصوم.
المؤشر الأكثر دلالة خلال عام 2025م أن الأمم
المتحدة وصفت الوضع في اليمن بأنه “هش
للغاية”، محذرةً مجلس الأمن من أن التهدئة القائمة قابلة للانهيار ما لم تُدعَم
بخطوات سياسية وأمنية واقتصادية متماسكة. هذه الرسالة تعكس حقيقة مُرّة مفادها أن
جذور الصراع لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت مؤسسية ومالية بالدرجة الأولى. فهناك
سلطات أمر واقع متعددة، ومؤسسات مزدوجة، وموارد تُدار بقوة النفوذ لا بقوة
القانون، ما يجعل أي تهدئة بلا “توحيد لقواعد اللعبة” مجرد هدنة طويلة تؤجل
الانفجار ولا تمنعه.
في مناطق سيطرة أنصار الله، اتجهت الديناميات
خلال عام 2025م إلى مزيد من الضبط الأمني للمجال العام والإنساني، وهو ما ظهر
بوضوح في ملف العاملين الدوليين. ففي ديسمبر 2025م أدان الأمين العام للأمم
المتحدة احتجاز الحوثيين عشرة موظفين إضافيين، ليرتفع إجمالي المحتجزين إلى 69
موظفًا أمميًا، مع تحذير صريح من أن هذه الممارسات تقوّض القدرة على إيصال
المساعدات المنقذة للحياة. وهنا يصبح “الأمن” أداة سياسية لإدارة العلاقة مع
الخارج: ضغط تفاوضي من جهة، ورسالة سيادة من جهة أخرى، وأحيانًا وسيلة لإعادة
تشكيل المجال الإنساني بما يتوافق مع أولويات السلطة. النتيجة العملية أن العمل
الإغاثي أصبح أكثر كلفة وأقل مرونة، في وقت تتسع فيه رقعة الاحتياج بدل أن تنحسر.
في المقابل، كشفت مناطق الحكومة المعترف بها
دولياً مفارقة لافتة في عام 2025م. فتراجع المواجهة مع أنصار الله لم يؤدِّ إلى
تماسك معسكر “الشرعية”، بل فضح هشاشته البنيوية. ففي ديسمبر الحالي، حذّر الأمين
العام للأمم المتحدة من مخاطر التصعيد بعد تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي وسيطرته
على حضرموت والمهرة، حيث أشعل ذلك توترا يهدد بصدام جديد داخل معسكر يُفترض أنه
واحد. لذا، لم يكن الجنوب في عام 2025م بؤرة توتر عسكري فحسب، بل مسرحًا لصراع
مركّب على شرعية التمثيل، والموارد والموانئ والنفط، والسلطة المحلية، وعلى سؤال
جوهري: من يملك قرار الأمن؟ ومع غياب دولة موحدة بمرجعية واحدة، أصبحت التحالفات
مؤقتة ومشروطة، وأضحى السلاح والتمويل والإدارة المحلية أدوات لإعادة رسم خرائط
النفوذ.
اقتصاديًا، قدّم عام 2025م دليلًا رقميًا
صارخًا على أن الانقسام المؤسسي في اليمن حوّل
الاقتصاد نفسه إلى ساحة صراع. فقد قدّر صندوق النقد الدولي أن يسجل الاقتصاد
اليمني نموًا حقيقيًا سالبًا بنحو -1.5% خلال العام، بالتوازي مع معدل تضخم مرتفع
يقارب 20.4%. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات كلية في تقارير دولية، بل تعكس واقعا
معيشيا يوميا يثقل كاهل المواطنين: أسعار
متقلبة، دخول تتآكل بفعل موجات الغلاء،
وتفاوتات حادة بين مناطق العملة والسياسات.
وقد ادى الانقسام النقدي بين صنعاء وعدن الى ما
هو ابعد من خلق “سوقين” فحسب ؛ اذ افرز نموذجين اقتصاديين مختلفين. في الاول، تُدار الندرة عبر القيود والضبط، وفي
الآخر تُدار عبر تعدد أسعار الصرف وغياب الإيرادات السيادية المستقرة.
ورغم قتامة الصورة، شهد عام 2025م لحظة لافتة تمثلت في الإجراءات الاقتصادية
التي اتخذتها الحكومة في أغسطس من العام نفسه، والتي أدت إلى تحسن سريع في قيمة
الريال في مناطق سيطرتها، وانعكست مؤقتًا في تخفيف ضغوط أسعار بعض السلع الأساسية.
غير أن قراءة اعمق تظهر أن هذا التحسن سيبقى هشًا ما لم يدعم بمصادر إيراد سيادية ومستدامة ، ولاسيما من
النفط والغاز، وبإدارة مالية شفافة. فالاقتصاد اليمني يعتمد بدرجة كبيرة على
الاستيراد، وأي اهتزاز في سعر الصرف يترجم فورًا إلى أزمات في الغذاء والدواء
والنقل.
إنسانيًا، حمل عام 2025م أرقامًا تفسر لماذا لم
يستطع اليمن “التقاط أنفاسه” رغم التهدئة. فقد قدّرت خطة الاستجابة الإنسانية أن
نحو 19.5 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة والحماية خلال العام، في حين لم تتجاوز
القدرة التمويلية استهداف 10.5 ملايين فقط. وفي سبتمبر 2025، أظهرت التحديثات الإنسانية
أن حوالي 18.1 مليون يمني يواجهون مستويات حادة من انعدام الامن الغذائي .
ولا تعكس هذه الفجوة بين حجم الاحتياجات وحجم الاستجابة معاناة آنية فقط، بل تُنتج ديناميات اجتماعية
واقتصادية خطرة، مثل توسع اقتصاد الدَّين، وانتشار العمالة الهشة والسلبية، وتزايد
الهجرة الداخلية، وتآكل رأس المال البشري، بما يجعل أي تعافٍ مستقبلي أكثر كلفة
وتعقيدًا، حتى لو تحقق السلام لاحقًا.
خلاصة عام 2025م أن اليمن لم ينتقل من الحرب
إلى السلام، بل انتقل من “حرب الجبهات” إلى “حرب الإدارة والموارد والشرعية”. فالتهدئة
خفّضت وتيرة القصف لكنها لم تُوحّد المؤسسات’؛ والانقسام السياسي فتح الباب امام صراعات داخلية جديدة، والتدهور
الاقتصادي غذّى اقتصاد الحرب؛ فيما رفعت القيود المفروضة على العمل الإنساني كلفة البقاء
على قيد الحياة.
وبقدر ما تبدو الصورة قاتمة، فإن قراءة العام
تقدم درسًا واضحًا: أي مسار للحل في اليمن لن ينجح إذا بقي سياسيًا فقط؛ بل يجب أن
يكون مسارا سياسيًا–أمنيًا–اقتصاديًا متكاملا ، لأن الانقسام في “قواعد الاقتصاد” بات
جزءًا بنيويا من الصراع نفسه ، وليس مجرد
أثر جانبي له.
احدث المنشورات
بين الحروب والأزمات: قراءة في المشهد العربي 2025 ومسار التنمية المستقبلية - زياد عبد الصمد