Apr 27, 2026
دراسة حالة – لبنان: المجتمع المدني في مواجهة أزمات مركّبة

دراسة حالة – لبنان: المجتمع المدني في مواجهة أزمات مركّبة

الحركة الاجتماعية

تشكل الحرب الإسرائيلية على لبنان حلقة جديدة في سلسلة الأزمات المتراكمة التي يعاني منها البلد منذ عام 2019، حيث يتداخل الانهيار الاقتصادي والمالي مع ضعف مؤسسات الدولة وتآكل شبكات التضامن المجتمعي والمبادرات الفردية، وغياب الحماية والأمن الاجتماعيين.

وقد أدت هذه الجولة الأخيرة من الحرب إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل حاد، مع ارتفاع أعداد النازحين الذي تخطى المليون نازح، وتزايد الاحتياجات الأساسية في ظل قلة الموارد الحكومية وموارد منظمات المجتمع المدني وغيرها من الفاعلين على الساحة اللبنانية.

في هذا السياق، برزت جمعية الحركة الاجتماعية كأحد الفاعلين الأساسيين في الاستجابة، حيث اضطرت إلى التحول القسري من العمل التنموي إلى العمل الإغاثي الطارئ.

من العوامل التي عززت فعالية استجابة الحركة الاجتماعية خلال الحرب، الدور التراكمي الذي لعبته على مدى عقود من العمل في المناطق المهمشة، حيث تنشط دون توقف منذ عام 1958. فقد مكّنها انتشارها الجغرافي الواسع عبر مراكزها المجتمعية في مختلف الأراضي اللبنانية من فهم سريع للواقع، بما يتمثل من موارد ومبادرات، ما أدى إلى تحديد الحاجات الإنسانية بشكل دقيق وسريع.

هذا الانتشار ساهم في زيادة المعرفة العميقة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات المحلية، وبناء علاقات ثقة طويلة الأمد مع السكان، وقدرة على الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة التي تبقى عادة خارج نطاق الاستجابة التقليدية، أي مراكز الإيواء المحددة من قبل الحكومة. وبالتالي، استطاعت الجمعية تحديد الأولويات الفعلية للحاجات بدل الاعتماد على التقديرات والمسوحات العامة، وتسريع عمليات الاستجابة عبر قنوات محلية جاهزة مثل المراكز المجتمعية واللجان المجتمعية المحلية وشبكات التنسيق الموجودة مسبقاً.

إن التحول القسري والسريع في العمل من التنموي إلى الإغاثي الطارئ، حتى مع وجود خطط استجابة مُحضّرة مسبقاً وتماهي مع تجارب سابقة، لا يلغي التحديات المختلفة: البنيوية، الإنسانية، التشغيلية، والتقنية.

أولاً: التحديات البنيوية

تمثلت التحديات البنيوية في محدودية أو غياب الإطار الوطني المنظم للاستجابة. إذ يُعد غياب أو محدودية وجود خطة وطنية شاملة للاستجابة والإغاثة من أبرز التحديات البنيوية التي واجهت العمل الإنساني خلال الحرب. فبغض النظر عن أسباب هذا الغياب، سواء ارتبطت بنقص الموارد أو ضعف الجهوزية المؤسسية، فقد انعكس ذلك في غياب التنسيق المركزي وتوزيع الأدوار بشكل واضح بين الجهات الفاعلة. ويزداد هذا التحدي حدة في ظل واقع أمني متقلب يتميز بعنف غير متوقع واعتداءات لا تخضع لمنطق أو حدود واضحة، ما يجعل الاستجابة المجتزأة أقل قدرة على التكيف مع تطورات الميدان.

كما أن تراكم الأزمات الاقتصادية وتوسع دائرة الهشاشة لعبا دوراً أساسياً في تعميق الأزمة. إذ تأتي هذه الحرب في سياق أزمة اقتصادية عميقة، ما أدى إلى تسارع انهيار الأوضاع المعيشية. فقد برزت بشكل واضح فئات كانت تعيش في حالة من الفقر “المقنع”، مختبئة في منازل هشة، لتتحول بفعل النزوح والدمار إلى فئات مشرّدة تبحث عن مأوى في الشوارع أو مراكز الإيواء. هذا التحول كشف عن اتساع غير مسبوق في قاعدة الفئات المهمشة، وأدى إلى تضخم سريع في الاحتياجات، ما وضع ضغطاً هائلاً على قدرات الجمعيات وقطاع إدارة الكوارث والإغاثة ككل.

كما أن تفكك التماسك الاجتماعي وتصاعد الخطاب التحريضي ساهم في تعميق الانقسامات داخل المجتمع اللبناني نفسه. وقد ترافق ذلك مع مناخ عام من الخوف وعدم الثقة. وقد عززت إسرائيل هذا المناخ عبر نشر القلق لدى النازحين الذين فروا خوفاً من الاستهداف، وكذلك لدى المجتمعات المضيفة التي شعرت بدورها بتهديد مباشر.

وقد انعكست هذه الديناميات سلباً على التماسك الاجتماعي والسلم الأهلي والمبادرات الفردية والمجتمعية، حيث لوحظ تراجع واضح في مظاهر التضامن الأهلي، وحجب جزء من الموارد والمساعدات عن بعض الفئات الأكثر حاجة، ما زاد من تعقيد المشهد الإنساني وعمّق فجوات الاستجابة.

ثانياً: التحديات الإنسانية والنفسية

لا يمكن فصل البعد الإنساني عن البعد النفسي في هذه الحرب، حيث لم تقتصر آثارها على الدمار المادي، بل امتدت لتشكّل حرباً نفسية شاملة طالت جميع اللبنانيين، نازحين ومجتمعات مضيفة على حد سواء. فقد ساد شعور دائم بالخوف وعدم الأمان، نتيجة الاستهداف غير المتوقع واتساع رقعة القصف، ما انعكس قلقاً جماعياً وضغطاً نفسياً مستمراً.

وقد أدى هذا الواقع إلى ارتفاع ملحوظ في الحاجة إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، ليس فقط للفئات الأكثر هشاشة، بل أيضاً لفئات كانت تُعتبر سابقاً خارج دائرة التدخل الإنساني. وفي هذا السياق، برز تحدٍ إضافي يتمثل في الحالة النفسية للعاملين في الإغاثة أنفسهم، حيث إن نسبة كبيرة منهم هم جزء من المجتمع المتضرر، وبعضهم نازحون أو متأثرون بشكل مباشر بالحرب. هذا التماهي بين مقدّم الخدمة والمستفيد أدى إلى ضغط نفسي مضاعف، وصعوبة في الفصل بين الدور المهني والتجربة الشخصية، ما يهدد بارتفاع مستويات الإرهاق النفسي (Burnout) وتراجع القدرة على الاستمرار بنفس الفعالية.

ثالثاً: التحديات التشغيلية والمؤسساتية

في ظل تضخم الحاجات الإنسانية وتراجع الموارد، واجهت الحركة الاجتماعية، كما أغلب الجمعيات، تحدياً جوهرياً تمثل في استنزاف قدراتها المؤسسية. فقد اضطرت إلى توجيه معظم مواردها نحو الاستجابة الطارئة، خاصة في ظل رفض بعض الممولين تعليق أو تكييف بعض البرامج التنموية طويلة الأمد في بعض المناطق الآمنة نسبياً.

رابعاً: التحديات التقنية والميدانية

على المستوى الميداني، واجهت الحركة الاجتماعية تحديات مباشرة تتعلق بالمخاطر الأمنية، في ظل اعتداءات لا تميّز بين المدني والعسكري، واستهداف محتمل لمناطق مدنية ومراكز إيواء. هذا الواقع فرض قيوداً على حركة الفرق الميدانية، وعرّض العاملين والمتطوعين لمخاطر مستمرة.

كما شكّلت قيود الحركة والتنقل تحدياً إضافياً، نتيجة القصف وإغلاق الطرق، ما أدى إلى تأخير إيصال المساعدات وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق الأكثر تضرراً والمحاصرة جنوب مدينة صيدا، فضلاً عن ارتفاع الكلفة التشغيلية وتعقيد العمليات اللوجستية.

تؤكد هذه التجربة الحاجة إلى إعادة النظر في مقاربة الاستجابة الإنسانية في لبنان، من خلال إنشاء إطار وطني دائم وشامل ومنسق يحدد الأدوار ويوزع الموارد بشكل عادل وفعال، وتعزيز آليات التمويل المستدام والمرن بما يسمح للمنظمات المحلية بالتخطيط طويل الأمد والاستجابة بشكل أكثر فعالية، إلى جانب إدماج الدعم النفسي كعنصر أساسي في الاستجابة يشمل المستفيدين والعاملين على حد سواء، وتعزيز التماسك الاجتماعي ومواجهة خطاب الكراهية عبر مبادرات مجتمعية تعيد بناء الثقة بين مختلف الفئات، إضافة إلى دعم القدرات المؤسسية للمنظمات المحلية بما يضمن استمراريتها ويخفف من استنزافها في الأزمات المتكررة

احدث المنشورات
Apr 28, 2026
تعددية الأطراف عند مفترق طرق: من أزمة النظام إلى أزمة العدالة في المنطقة العربية - زياد عبد الصمد
Apr 27, 2026
دراسة حالة – العراق: العمل المدني بين القيود السياسية والانكماش الحقوقي - الهام مكي