من مرحلة ما قبل المنتدى العربي للتنمية المستدامة إلى المنتدى السياسي الرفيع المستوى 2026: رؤى المجتمع المدني من المنطقة العربية - بيهتر موسكيني
من مرحلة ما قبل المنتدى العربي للتنمية المستدامة إلى المنتدى السياسي الرفيع المستوى 2026: رؤى المجتمع المدني من المنطقة العربية
في وقتٍ تتواصل فيه النقاشات حول إصلاح منظومة الأمم المتحدة، وتتطوّر فيه التصورات المتعلقة بما بعد أجندة 2030، وتتقدّم التحضيرات نحو المنتدى السياسي الرفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة لعام 2026 (HLPF)، اجتمع أكثر من 100 ممثل وممثلة عن منظمات المجتمع المدني من مختلف أنحاء المنطقة العربية، في إطار المنتدى الإقليمي للمجتمع المدني حول التنمية المستدامة (ما قبل المنتدى العربي للتنمية المستدامة – pre-AFSD). وقد نُظّم المنتدى من خلال أربع ندوات إلكترونية متكاملة تناولت قضايا التعددية والأوضاع الجيوسياسية، إلى جانب العدالة الاقتصادية والاجتماعية والمناخية، ما أتاح مساحة مهمة لفاعلي المجتمع المدني لتقييم التحديات البنيوية التي تواجه المنطقة وصياغة توصيات أساسية لمعالجتها.
وكانت ديباجة أجندة 2030 إحدى المرجعيات الأساسية التي استندت إليها النقاشات، إذ تؤكد أن الأجندة «خطة عمل من أجل الناس والكوكب والازدهار»، وتسعى أيضًا إلى «تعزيز السلام العالمي في إطار من الحرية الأوسع». كما تعترف بأن القضاء على الفقر بجميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك الفقر المدقع، يُعدّ أكبر التحديات العالمية ومتطلبًا لا غنى عنه لتحقيق التنمية المستدامة. وقد أوضحت مداخلات المشاركين والمشاركات في مختلف الجلسات، بما في ذلك ممثلو المجتمع المدني من اليمن وسوريا وفلسطين، أن التنمية المستدامة تبقى مستحيلة في ظل الحروب والاحتلال والإفلات من العقاب والعنف البنيوي والإقصاء. وشدّد المشاركون على أن التنمية والسلام والعدالة المناخية والحماية الاجتماعية والعدالة الاقتصادية والحكم الديمقراطي قضايا مترابطة ومتداخلة، يعزّز كل منها الآخر. وهذا يتطلب تجاوز المقاربات المجزأة نحو أطر سياساتية شاملة ومتكاملة قادرة على معالجة الجذور البنيوية للظلم واللامساواة.
كذلك، أكدت النقاشات بين المشاركين أن الأزمات التي تواجه المنطقة العربية لا يمكن فهمها باعتبارها تحديات منفصلة أو مؤقتة، بل إنها ترتبط بشكل عميق باللامساواة البنيوية الكامنة في الأنظمة السياسية والاقتصادية والمالية وأنظمة الحوكمة السائدة عالميًا وإقليميًا. وعلى المستوى العالمي، أدى الشلل المتزايد للمؤسسات متعددة الأطراف، واستمرار علاقات القوة غير المتكافئة داخل أنظمة الحوكمة العالمية، والفشل في إصلاح البنية المالية الدولية أو إرساء نظام تجاري عادل ومنصف، إلى إضعاف قدرة الدول والمجتمعات على تبنّي مسارات تنموية سيادية وشاملة وقائمة على الحقوق. وفي الوقت ذاته، أعادت النقاشات المتعلقة بتنفيذ أجندة 2030 التأكيد على الدور المركزي والمحوري للدولة التنموية في حماية الحقوق وإعمالها، وتوفير الخدمات العامة، وتنظيم الأسواق، والحد من اللامساواة، وإعادة بناء العقد الاجتماعي.
ومن جهة أخرى، شددت النقاشات حول الفقر متعدد الأبعاد والعدالة الاجتماعية والاقتصادية على أن التنمية المستدامة لا يمكن اختزالها بالنمو الاقتصادي وحده، ولا قياسها فقط من خلال مقاربات تتمحور حول الناتج المحلي الإجمالي. فهذه المقاربات المحدودة لا تزال تُهمّش واقع اللامساواة، والعمل غير مدفوع الأجر في مجال الرعاية، والتدهور البيئي، والرفاه الاجتماعي. وفي موازاة ذلك، يستمر تصاعد أولوية المقاربات الأمنية وإدارة الأزمات على حساب التحولات البنيوية في تحويل الموارد العامة بعيدًا عن التنمية، والحماية الاجتماعية، والخدمات العامة، والاستدامة البيئية، وبناء السلام طويل الأمد.
ومن خلال مجموعة من التوصيات التي جرى تطويرها لأغراض المناصرة خلال المنتدى العربي للتنمية المستدامة، شددت منظمات المجتمع المدني على ضرورة تعزيز التضامن الإقليمي والعالمي، وتوسيع مشاركة المجتمع المدني في عمليات صنع القرار، وضمان أن تستجيب الإصلاحات المستقبلية في النظام متعدد الأطراف للواقع المعيشي وتطلعات شعوب الجنوب العالمي. ومع التطلع نحو المنتدى السياسي الرفيع المستوى لعام 2026 والنقاشات الأوسع المتعلقة بما بعد أجندة 2030، أكد المشاركون أن المرحلة المقبلة تمثل فرصة حاسمة لاعتماد تحول جذري نحو نماذج تنموية تتمحور حول السلام، والعدالة الاجتماعية، والمساواة، وحقوق الإنسان، وإعادة التوزيع، والحكم الديمقراطي، والاستدامة، والمساءلة.
وتتوسع التأملات والتحليلات الواردة في هذا العدد من النشرة في تناول العديد من القضايا التي أثيرت خلال نقاشات ما قبل المنتدى العربي للتنمية المستدامة. فمن دور المؤسسات المالية الدولية وتداعيات سياسات الديون والتقشف، إلى التنظيم النسوي وتقلّص الحيز المدني، تبحث المساهمات الواردة في هذا العدد في كيفية استمرار الديناميكيات العالمية والإقليمية الراهنة في تشكيل مسارات التنمية في المنطقة العربية. وتؤكد هذه المساهمات مجتمعة الحاجة الملحّة إلى وضع الحقوق، والعدالة، والمساءلة، والتنمية المتمحورة حول الإنسان، في صلب النقاشات الجارية حول إصلاح النظام متعدد الأطراف، والحوكمة الاقتصادية، ومستقبل التنمية المستدامة.
احدث المنشورات