Dec 29, 2020
المناخ العام في المغرب بمواجهة كورونا

أثارت موجة كوفيد 19 بالمغرب تداعيات عميقة ومتعددة الأبعاد والجوانب منها سياسية واقتصادية واجتماعية، إذ أنه يصعب الإحاطة بالانعكاسات الحقيقية لهذه الجائحة وخاصة أنها قد أظهرت عديدا من مشاكل ليست وليدة الساعة مما يستوجب ضرورة إنجاح نموذج تنموي بديل، في هذا الصدد سوف نتطرق في هذه المقالة إلى إظهار المناخ العام في المغرب على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي وبالتالي إلى كيفية مواجهة هذه الأزمة.
 
 
مؤشرات ازمة اقتصادية في الأفق
 
شهد العالم انتشار فيروس كورونا كوفيد 19 الذي يهدد الصحة العامة للشعوب، مما أدى بمجموعة من الدول إلى اتخاذ حزمة من التدابير للحد من زحف هذا الوباء. فقد غيرت هذه الجائحة ملامح السياسات المتخذة خاصة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فتغيرت الاستراتيجيات وتحددت الأولويات، وظهرت تفاوتات بين الدول في كفاءاتها في الحد من انتشار الوباء. فقد شهدت دول عديدة أعدادا كبيرة من الإصابات والوفيات، كما استطاعت دول أخرى التحكم في الوباء.
وقد أفرز هذا الأمر تعددا في القراءات والتحليلات حول كيفية التعامل مع هذه الظاهرة الجديدة التي غيرت مجموعة من البديهيات كقوة الدول الصناعية والتي لها قدرات اقتصادية مهمة حيث عجزت بعض من هذه الدول على مواجهة الجائحة وتبين ضعف أو انهيار منظوماتها الصحية. وبالموازاة مع ذلك، أثيرت تساؤلات حول مدى احترام التدابير المتخذة للحقوق السياسة والاقتصادية والاجتماعية للمواطنات والمواطنين.
 
ومن الإجراءات المتخذة في المغرب كما باقي الدول، إقرار حالة الطوارئ الصحية وتقييد الحركة، التي أعلن عنها بتاريخ 20 مارس 2020، حيث عاش المغرب توقفا شبه تام في مجموعة من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية باستثناء بعض القطاعات الحيوية. كما تم الاعلان عن إنشاء "لجنة اليقظة الاقتصادية"، والاعلان عن انشاء صندوق وطني لتدبير جائحة كورونا لمواجهة انعكاسات الاقتصادية والاجتماعية لوباء فيروس "كورونا".
 
 هـذه الإجراءات كان الهدف منها الحد من تفشي الوباء و التقليص من عدد الاصابات للحرص على عدم تجاوز الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، إلا انها خلفت صدمة اقتصادية عميقة في المغرب، فمع الانخفاض الكبير للأنشطة الاقتصادية ومع تراجع القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين سيخلف اثار صعبة، ففي القطاع المنظم صرح  958.000 عامل و عاملة انهم توقفوا عن العمل لتلقي التعويضات الممنوحة في اطار الصندوق الخاص بتدبير جائحة كوفيد 19 واستفادت اكتر من 5.5 مليون اسرة في القطاع غير المنظم  من المساعدات كما صرحت 134.000 مقاولة من اصل 216.000 مقاولة منخرطة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي انها في وضعية صعبة جراء الجائحة وقد انخفض متوسط الدخل الشهري للنشيطين المشتغلين ب 50 في المائة وقد ساهمت هذه التغيرات في زيادة حدة التفاوتات الموجودة .
 
 
أثر كوفيد على النساء والأطفال
 
مع العلم أن كوفيد 19 يمس خاصة كبار السن والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة (٪ 95 من وفيات فوق 60 سنة حسب منظمة الصحة العالمية) إلا أن تأثيره انتشر في صفوف النساء والفتيات.
 
فالتواجد المستمر للنساء بالفضاء الخاص مع معنفيهم أثر سلبا على صحتهن وسلامتهن خاصة وأن أغلب المؤسسات التي تعنى بالنساء ضحايا العنف الزوجي (مراكز الحماية الاجتماعية والمرافق العمومية كالصحة والعدل والأمن) علقت خدماتها بسبب انتشار الوباء. وتشير الإحصائيات الدولية والوطنية إلى ارتفاع عدد حالات العنف وسط النساء
إن إغلاق المؤسسات التعليمية وبقاء الأطفال بالمنازل زاد من أعباء أنشطة الرعاية والتكفل بالغير (أطفال، مسنين، أطفال في وضعية إعاقة...). ولم تسلم الفتيات من هذا الأمر، فعوض الاهتمام بالدروس عن بعد كن مجبرات على مساعدة أمهاتهن في هذه الأعباء المنزلية،
 
علما أن نسبة كبيرة من النساء يشتغلن في القطاع الغير المهيكل وجدن أنفسهن عاطلات عن العمل ويواجهن آفة الفقر أكثر من السابق.
 
 
نظام عيش جديد
 
سياسيا كان تاتير كوفيد 19 عاملا لصدور بعض القرارات من بينها فرض الحجر الصحي ورفعه، تقييد التنقل والتجمعات، وقف الأنشطة واستئنافها، إغلاق وفتح المحالات التجارية، اعتماد الدراسة عن بعد، النص على عقوبات في حالة مخالفة أحكام حالة الطوارئ الصحية (عدم ارتداء الكمامة، الخروج دون رخصة استثنائية للتنقل، نشر أخبار زائفة متعلقة بالجائحة).
 
وقد اتسمت هذه المرحلة باتساع هامش السلطة التقديرية المخولة للقوات العمومية المكلفة محليا بالسهر على تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بالتقييد المؤقت لبعض الحقوق والحريات الدستورية، ومعاينة المخالفات والجنح المرتبطة بخرق أحكام حالة الطوارئ، وكذا فرض احترام تدابير التباعد التي جرى إقرارها في هذا الإطار. وتمس هذه السلطة التقديرية حركية الأفراد فيما يتعلق بارتداء الكمامة الواقية أو عقد التجمعات أو التنقل خارج المنزل وبين المدن، كما تمس نشاط المقاولات عندما يتعلق الأمر بشروط إعادة فتح المحلات التجارية واستئناف العمل في المصانع ووحدات الإنتاج.
 
 
كوفيد 19 وحقوق الانسان
 
وقد ولّدت هذه السلطة التقديرية التي اتسع هامشها في بعض الأحيان إحساسا بالتعرض للتجاوزات وشعورا بالحيف، بل أدت إلى حالات من التوتر في بعض الأحيان.
وقد عبرت جمعيات المجتمع المدني خاصة جمعيات الترافع عن عدم اشراكها واستشارتها في تدبير الموارد المخصصة للوقاية من الجائحة بما لها من صلاحيات يخولها لها الدستور، و عن تخوفها من أن تكون حالة الطوارئ الصحية المعلنة ذريعة لأي انتهاك أو تصرف يمس حقوق المواطنين والمواطنات، خاصة وأن هناك مؤشرات تفيد باختراق مجموعة من الدول لحقوق الإنسان ومنها المغرب حيث أدرجه مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان ضمن قائمة مجموعة من البلدان التي اعتبرت أعمال الشرطة لفرض تدابير الحجر الصحي بها الأكثر إثارة للقلق.
 
 
خطة مواجهة كوفيد 19 في المغرب
 
رغم ان ازمة كوفيد 19 سببت خسائر وأضرار كبيرة إلا انها شكلت للمغرب فرصة كبرى للوقوف على مكامن الضعف والقوة، لاسيما وأن المغرب في طريقه لتبني نموذج تنموي جديد، فرغم الإنجازات العديدة التي حققت على عدة مستويات منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا انه وجب التركيز على أبرز التحديات في النموذج التنموي الجديد ومنها:
 
القضاء على الفقر والرفع من قدرات الطبقة الوسطى والحد من بطالة الشباب، مع تأهيل العنصر البشري ليكون في قلب التنمية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية المنشودة، وإعادة توزيع الثروة عبر سياسة جبائية عادلة ودعم الرأسمال الاجتماعي المتمثل في العمل التطوعي والجمعوي والحقوقي.
 
ولذلك وجب مراعاة تقوية ادوار الدولة في النموذج التنموي الجديد على:

    القدرة على التكيف مع دورها الجديد، وهو تحول تمليه التغييرات الكبرى الناجمة عن الأزمة ودالك بسد العجز في الامن الصحي والغذائي؛
    ضرورة ضمان السيادة الوطنية في القطاعات الاستراتيجية؛
    العمل على مواجهة وإيجاد حلول للأزمة الاقتصادية التي تهدد المغرب نظرا لتداعيات كوفيد 19 على الاقتصاد؛
    مواجهة الاكراهات التي تعترض تنفيذ السياسات الاجتماعية الجديدة، لا سيما الاصلاح العميق للمنظومة الصحية، وتسريع وتيرة الاصلاحات المتعلقة بالمنظومة التربوية وتعميم الحماية الاجتماعية؛
    الحاجة إلى تسريع وتيرة الانتقال الطاقي والإيكولوجي نحو نموذج تنموي جديد مستدام ومنصف ودامج، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة (خطة التنمية المستدامة لعام 2030)؛
    إعادة تموقع المغرب على الصعيدين الدولي والقاري حتى يتمكن من مواكبة التغيرات التي يشهدها العالم.

 
الفضاء الجمعوي.
 
المراجع:
-المجلس الاقتصادي الاجتماعي والبيئي
-المندوبية السامية للتخطيط
-الموقع الرسمي لمنظمة الامم المتحدة