إعادة إعمار عادلة تحت الاحتلال في لبنان
خلال الأيام القليلة الماضية، وقّعت الحكومة اللبنانية اتفاقًا إطاريًا ثلاثيًا مع إسرائيل بوساطة الولايات المتحدة، زعمت أنه يضع خارطة طريق لإنهاء الحرب وتنفيذ انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية المحتلة. وينص الاتفاق على إنشاء مناطق تجريبية، تنسحب منها القوات الإسرائيلية تدريجيًا لتحلّ محلها القوات المسلحة اللبنانية، بوصف ذلك "آلية لبناء الثقة" تمهيدًا للتنفيذ الأوسع لوقف إطلاق النار وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. وبينما ينظر البعض إلى هذا الاتفاق باعتباره اختراقًا سياسيًا، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي قصف البلدات في مختلف أنحاء جنوب لبنان، فيما لا تزال الطائرات المسيّرة تحلّق فوق المدن والبلدات اللبنانية، بما فيها بيروت وضاحيتها الجنوبية. وتؤكد الهجمات المتواصلة، والدمار الواسع، والتهجير القسري للمدنيين، أن الحملة العسكرية الجارية ليست سوى استراتيجية للتطهير العرقي في جنوب لبنان.
منذ تصاعد الحرب في عام 2026، نزحت آلاف العائلات، متنقلةً مرارًا بين منازلها، ومراكز الإيواء، والخيام، مع الإعلان عن اتفاقات لوقف إطلاق النار ثم خرقها لاحقًا. وحتى الآن، حوّلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 66 بلدة إلى ركام، واحتلت 6% من الأراضي اللبنانية. وإلى جانب هذه الأرقام، دمّرت قوات الاحتلال بصورة ممنهجة ذاكرة أجيال وهويتها المتجسدة في المنازل، والأعمال التجارية، والأراضي الزراعية، والشوارع، والفضاءات العامة.
وبصفتنا مخططين حضريين، علينا أن نستعد لليوم الذي تنتهي فيه الحرب بصورة نهائية، وتنسحب فيه قوات الاحتلال الإسرائيلي بالكامل من الأراضي اللبنانية. فإعادة الإعمار تتجاوز بكثير إعادة بناء المدن؛ إنها فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان والدولة. والتحدي لا يكمن فقط في إعادة بناء ما دُمّر، بل في بناء مجتمعات أكثر عدالةً وشمولًا وقدرةً على الصمود واستدامة، بدلًا من إعادة إنتاج أوجه اللامساواة والهشاشة التي طبعت الماضي.
يدخل لبنان هذه المرحلة في ظل مؤسسات دولة ضعيفة، وتنافس بين جهات متعددة تسعى إلى التأثير في أولويات إعادة الإعمار، وإرث من اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية والمجالية التي لم تُعالج بعد. وبينما لا تستطيع إعادة الإعمار وحدها حل المعضلات السياسية التي تواجهها البلاد، فإنها قادرة على معالجة بعض الظروف التي همّشت المجتمعات تاريخيًا، من خلال تحسين الوصول إلى السكن اللائق، والخدمات، والبنية التحتية، والحماية الاجتماعية، والفرص الاقتصادية.
تتطلب هذه المرحلة الاستفادة من تجارب إعادة الإعمار السابقة، مع إدراك أن لبنان لم يسبق له أن واجه دمارًا وتهجيرًا واحتلالًا بهذا الحجم. فالتحدي لا يتمثل فقط في إعادة بناء ما فُقد، بل في إعادة البناء بصورة أفضل، من خلال اعتماد تخطيط حضري متكامل، وتحسين السكن والخدمات العامة، وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الأزمات المستقبلية، وإنشاء مجتمعات أكثر عدالة واستدامة. وفي نهاية المطاف، ينبغي لأي نقاش حول إعادة الإعمار أن يواجه سؤالًا جوهريًا: هل يمكن أن تكون إعادة الإعمار عادلة حقًا في ظل استمرار الاحتلال، أم أن التحرير والسيادة والسلام الدائم تشكل شروطًا لا غنى عنها لإعادة بناء المجتمعات، وليس البنية التحتية فحسب؟
ورغم أن الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، فإن هذه المقالة تسعى إلى الإسهام في النقاش حول إعادة الإعمار العادلة من خلال تناول ثلاثة أبعاد مترابطة: الحاجة إلى تقييم عادل وشامل للأضرار والاحتياجات؛ وأهمية العدالة تجاه الأرض والبيئة؛ ودور الأطر القانونية والمؤسسية القائمة في تمكين عملية إعادة إعمار أكثر إنصافًا أو الحد منها.
تقييم عادل وشامل
تبدأ عمليات إعادة الإعمار العادلة بإجراء تقييمات عادلة للأضرار والاحتياجات. وفي الوقت الراهن، ينصبّ التركيز الأساسي على الوحدات السكنية الواقعة في المناطق التي دمّرتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بالكامل. وبسبب الحجم الهائل للدمار في عدد من المدن والبلدات، لم تحظَ القطاعات الأخرى، أو المناطق التي تعرّض فيها عدد أقل من المباني للتدمير، أو المناطق التي لم تتأثر مباشرة بالحرب لكنها عانت لسنوات من إهمال الدولة (مثل طرابلس، حيث شهدت المباني فيها مؤخرًا انهيارات)، إلا بقدر ضئيل من الاهتمام. ولا تتمثل الحجة هنا في إعطاء الأولوية لهذه القطاعات أو المناطق أو المباني على حساب غيرها، وإنما في ضمان عدم استبعاد أي أحد من تقييمات الأضرار والاحتياجات اللازمة لتحقيق عملية تعافٍ عادلة.
يتطلب إعادة الإعمار اعتماد منظور شامل قادر على استيعاب وتقييم احتياجات جميع القطاعات، بما يتيح إعادة البناء بصورة أفضل ويضمن عودة سلسة إلى الحياة الطبيعية. وستعتمد العودة إلى الحياة الطبيعية على استعادة سبل العيش، بما في ذلك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والزراعة، والأنشطة الاقتصادية المحلية، إلى جانب إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، ولا سيما شبكات المياه والكهرباء، والمرافق الصحية، والأراضي الزراعية، وغيرها من الخدمات العامة الأساسية. ووفقًا للمقابلات التي أُجريت مع السكان المتضررين من الحرب، فإن هذه المشكلة لا تقتصر على الأحياء التي سُوّيت بالكامل بالأرض، بل تشمل أيضًا المناطق التي استُهدفت فيها المباني، حتى في الأماكن التي لم تتعرض لقصف مكثف من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وتقول صاحبة أحد المتاجر في مبنى تضرر جزئيًا جراء غارة في بلدية بيروت:
"أعدنا فتح متجرنا، لكن لم يعد لديّ زبائن لأن الناس يخشون المجيء إلى هنا. المبنى بأكمله لا تصله المياه لأن الأنابيب دُمّرت، ولا أحد من سكان المبنى يقوم بإصلاحها. كما قمت بتركيب ألواح شمسية على الشرفة لأن نظام الكهرباء في المبنى دُمّر."
ويُظهر هذا الاقتباس كذلك أن التقييم العادل يجب أن يشمل هذه المباني المستهدفة ضمن خطط إعادة الإعمار والتعويض، إضافةً إلى الوحدات المحيطة التي تعرضت لأضرار جزئية. ومن خلال الزيارات الميدانية في بيروت، يتضح أن بعض السكان تمكنوا من إصلاح شققهم، في حين لا يزال آخرون يعيشون في منازلهم المتضررة لأنهم لا يملكون القدرة المالية على إصلاحها أو الانتقال إلى مكان آخر.
العدالة تجاه الأرض والطبيعة
إن إعادة الإعمار العادلة هي أيضًا إعادة إعمار عادلة تجاه الأرض والطبيعة. فأنظمة التخطيط وإدارة الأراضي المعمول بها حاليًا في لبنان تعطي الأولوية للقيمة التبادلية للأرض (أي مقدار الربح المالي الذي يمكن استخراجه منها)، بينما تُهمل بصورة متزايدة النظم البيئية الطبيعية للأرض. وقد تجلّى ذلك في التوسع العمراني العشوائي في عدد من المناطق الريفية في جنوب لبنان.
ولا بد من تغيير هذه الأنظمة من أجل الحفاظ على الأرض والبيئة وحمايتهما، وذلك من خلال اعتماد إجراءات لإعادة تصنيف استخدامات الأراضي، وإعادة تثبيت حقوق الملكية في المناطق التي تعرضت لدمار شامل، مع حماية حقوق الملكية. كما يتطلب ذلك وضع حد لمنح الاستثناءات التي تسمح بالبناء في المناطق المصنفة غير قابلة للبناء أو المخصصة للزراعة، وهي ممارسة شائعة لدى المديرية العامة للتنظيم المدني.
وإلى جانب إنهاء هذه الممارسات المستمرة منذ سنوات طويلة، يمكن اعتماد مقاربات جديدة للحفاظ على الأرض، مثل تقديم حوافز للمزارعين، ولا سيما الذين يعتمدون الممارسات الزراعية الإيكولوجية، ودعم مبادرات إعادة التشجير في المناطق التي دمّرتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، أو إدماج أنظمة الطاقة المتجددة ضمن جهود إعادة الإعمار.
معالجة أوجه الظلم البنيوية القائمة مسبقًا
تأتي إعادة الإعمار في لبنان ضمن سياق من اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية والمجالية المتجذرة منذ زمن طويل، والتي شكّلت أنماط الوصول إلى السكن، والخدمات، والبنية التحتية، والأراضي. وإذا لم تُعالج إعادة الإعمار هذه اللامساواة، فإنها تخاطر بإعادة إنتاجها وتكرار الممارسات الإقصائية التي تعمّق هذه المظالم. كما يمتد هذا التحدي ليشمل أشكالًا جديدة من اللامساواة التي أفرزتها الحرب، واتساع الفجوات بين الأحياء والمجتمعات المحلية.
ولضمان عملية إعادة إعمار عادلة، ينبغي أن تتناول السياسات مخاطر النزوح المستقبلي من خلال تثبيت الإيجارات، وتوفير الحماية من الإخلاءات القائمة على المضاربة العقارية، ووضع آليات عادلة للتعويض. كما يمكن استخدام الأراضي العامة لتوفير مساكن ميسورة الكلفة ومنخفضة التكلفة للعائلات التي تضررت بشدة من الحرب ولم تعد قادرة على تأمين المأوى.
ولتعزيز الترابط بين المجتمعات في المناطق المتضررة من الحرب وتلك التي لم تتأثر بها، والحد من اللامساواة المكانية، ينبغي أن تعطي إعادة الإعمار الأولوية للنقل العام. فذلك لا يقتصر على توفير إمكانية وصول المجتمعات المحرومة إلى المدن الرئيسية، بل يسهم أيضًا في تخفيف الحدود المجالية التي فرضتها الجماعات والأحزاب الطائفية.
إعادة البناء دون نسيان
في نهاية المطاف، لا يمكن فصل إعادة الإعمار عن العدالة. فإلى جانب إعادة بناء المنازل، والمدارس، والمستشفيات، والبنية التحتية، يجب الاعتراف بحجم المعاناة الإنسانية التي تكبدتها المجتمعات اللبنانية.
فحتى الآن، قتلت إسرائيل أكثر من أربعة آلاف مدني، بمن فيهم النساء، والأطفال، وكبار السن، فيما هُجّرت مجتمعات بأكملها، ودُمّرت سبل العيش.
إن العودة إلى الحياة لا تتطلب إعادة الإعمار فحسب، بل تتطلب أيضًا الحقيقة، والمساءلة، والعدالة للضحايا. ويشمل ذلك إجراء تحقيقات سليمة في جرائم الحرب المزعومة وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، وضمان مساءلة المسؤولين عنها، ومعالجة الأضرار البيئية التي لحقت بالأراضي الزراعية والنظم البيئية، وضمان أن تصبح إعادة الإعمار عملية لاستعادة الحقوق، والكرامة، والأمل، لا مجرد إعادة بناء لما تم تدميره.
احدث المنشورات
المعضلة التنموية والبيئية لإعادة إعمار قطاع غزة: موازنة الحوكمة، والعدالة الاجتماعية، والإنعاش الاقتصادي - د. أياد الكرنز