مقدمة تقرير الراصد العربي 2025 حول الحق في المياه وتغيّر المناخ
زياد عبد الصمد
مقدمة تقرير الراصد العربي 2025 حول الحق في المياه وتغيّر المناخ
زياد عبد الصمد
مقدمة
يأتي إصدار "الراصد العربي 2025: الحق في المياه وتغيُّر المناخ" في إطار الجهود المستمرة التي تبذلها شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية لإنتاج معرفة نقدية مستقلة تستند إلى الأدلة، وتساهم في دعم المناصرة القائمة على الحقوق، وتعزّز دور المجتمع المدني في صياغة السياسات العامة. فمنذ إطلاق مبادرة الراصد العربي في العام 2011، سعت الشبكة إلى تسليط الضوء على القضايا المرتبطة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال مقاربة تربط بين الواقع المعيشي للمواطنات والمواطنين وبين الخيارات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المُعتمَدة على المستوى الوطني والإقليمي والدولي.
مسار بحثي ومعرفي أوسع
ويندرج هذا الإصدار ضمن مسار أوسع من العمل البحثي والمعرفي الذي تقوده الشبكة وشركاؤها في المنطقة العربية. فالراصد العربي يشكل أحد المكوِّنات الرئيسية لهذا المسار، إلى جانب الدراسات والأبحاث التي تناولت قضايا العدالة الضريبية، وأثر المديونية على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والإنفاق الاجتماعي، والحماية الاجتماعية، والأمن الغذائي، والعمل غير المُنظَّم، والحق في الصحة، وغيرها من القضايا المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
وينطلق هذا الجهد من قناعة راسخة بأنّ التحديات التي تواجهها المجتمعات العربية لا يمكن فهمها أو معالجتها من خلال مقاربات قطاعية أو تقنية ضيّقة، بل هي تتطلب رؤية شاملة تربط بين السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والبيئية وبين مبادئ حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، تسعى الشبكة إلى إنتاج معرفة نقدية مستقلة تسلط الضوء على الاختلالات البنيوية في النماذج التنموية السائدة، وتدعم تطوير بدائل وسياسات أكثر عدالة واستدامة، قائمة على المساءلة والمشاركة والشفافية واحترام الحقوق.
الحق في المياه في مواجهة تغيّر المناخ
ويكتسب موضوع الحق في المياه أهمية خاصة في المرحلة الراهنة، لا بسبب تنامي آثار تغيُّر المناخ في المنطقة العربية فحسب، بل أيضًا بسبب التحديات البنيوية التي تواجه إدارة الموارد المائية وتوزيعها واستخدامها. فالمنطقة العربية تُعَدّ من أكثر مناطق العالم تعرُّضًا للإجهاد المائي، في وقت تتفاقم فيه آثار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة والتصحُّر وتدهور النُظُم البيئية، بالتوازي مع تزايد الضغوط الناتجة عن النمو السكاني والتوسُّع العمراني والنزاعات المسلّحة وأنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة.
«أزمة المياه في المنطقة لا يمكن اختزالُها في مسألة الندرة الطبيعية أو التحديات التقنية والإدارية فحسب، بل هي في جوهرها قضية حقوق وعدالة وحوكمة.»
أزمة حقوق وعدالة وحوكمة
تُظهر التقارير الوطنية والتحليلات الإقليمية الواردة في هذا الإصدار أنّ أزمة المياه في المنطقة لا يمكن اختزالُها في مسألة الندرة الطبيعية أو التحديات التقنية والإدارية فحسب، بل هي في جوهرها قضية حقوق وعدالة وحوكمة. فالحرمان من الوصول إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي الملائمة يرتبط في كثير من الأحيان بأنماط غير عادلة من إدارة الموارد، وباختلالات في توزيع الاستثمارات العامة، وضُعف المساءلة والشفافية، وتزايد نفوذ المصالح الاقتصادية الخاصة، فضلًا عن آثار الحروب والاحتلال والنزاعات على البنى التحتية والموارد الطبيعية.
فضلًا عن ذلك، يسلط التقرير الضوء على العلاقة الوثيقة بين الحق في المياه وقضايا أوسع تشمل العدالة المناخية، والأمن الغذائي، والصحة العامة، والهجرة والنزوح، والفقر واللامساواة. ويبيّن التقرير أنّ الفئات الأكثر هشاشة، بما فيها المجتمعات الريفية وصغار المزارعين والنساء واللاجئين والنازحين، هي الأكثر تأثرًا بتداعيات الأزمة المائية وتغيُّر المناخ. بالتالي، يصبح ضمان الحق في المياه مدخلًا أساسيًا لتعزيز العدالة الاجتماعية وإعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
المياه والسيادة والأبعاد الجيوسياسية
ولا يمكن تناول قضية المياه في المنطقة العربية بمعزل عن أبعادها الجيوسياسية والسيادية. فيرتبط جزءٌ كبير من الموارد المائية العربية بأحواض وأنهار ومياه جوفية عابرة للحدود، ما يعني أنّ إدارة المياه لا يمكن فصلها عن قضايا السيادة والتعاون الإقليمي والعلاقات بين الدول. وفي حالات عدّة على امتداد المنطقة، تُوظَّف السيطرة على الموارد المائية أو الوصول إليها كأداة للهيمنة أو الضغط السياسي أو الاقتصادي، ولا سيما في سياقات الاحتلال والنزاعات المسلّحة. وتبرز الحالة الفلسطينية خصوصًا بوصفها مثالًا صارخًا على الترابط بين الحق في المياه وحق الشعوب في تقرير مصيرها والسيطرة على مواردها الطبيعية، في ظل استمرار القيود المفروضة على الوصول إلى الموارد المائية واستغلالها.
كما تكشف التجارب العربية المختلفة أنّ النزاعات المسلّحة وعدم الاستقرار السياسي لا يؤديان إلى تدمير البنى التحتية المائية فحسب، بل يسهمان أيضًا في إضعاف المؤسّسات العامة وتقويض قدرة الدول على إدارة الموارد الطبيعية بصورة عادلة ومستدامة. وعليه، يتطلب ضمان الحق في المياه، إلى جانب السياسات البيئية والإدارية الملائمة، تعزيز مبادئ السلم والتعاون الإقليمي والالتزام بالقانون الدولي والاعتراف بحقوق الشعوب في مواردها الطبيعية باعتبارها جزءًا لا يتجزّأ من الحق في التنمية والعدالة والاستدامة.
الاقتصاد السياسي للمياه
ويتميّز هذا الإصدار أيضًا باعتماده مقاربة الاقتصاد السياسي للمياه، من خلال تحليل السياسات والمؤسّسات والعلاقات التي تتحكم في إدارة الموارد المائية، وتقييم أثرها على الحقوق والعدالة والاستدامة. ومن هذا المنطلق، يدعو التقرير إلى تجاوز المقاربات التكنوقراطية الضيّقة، واعتماد سياسات مائية قائمة على حقوق الإنسان، وعلى المشاركة الديمقراطية، والإدارة المستدامة والعادلة للموارد الطبيعية باعتبار المياه منفعة عامة وحقًا أساسيًا من حقوق الإنسان.
ترابط الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
وفي حين تناولت الإصدارات السابقة من الراصد العربي قضايا الحماية الاجتماعية والأمن الغذائي والصحة والعمل غير المنظَّم، يعكس اختيار الحق في المياه وتغيُّر المناخ في هذا الإصدار إدراكًا متزايدًا للترابط بين مختلف الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالمياه لم تعُد مجرد موردٍ طبيعيٍّ أو قضية بيئية، بل أصبحت عنصرًا محوريًا في قضايا الأمن الغذائي والصحة العامة والعدالة المناخية والتنمية المستدامة، كما باتت مؤشرًا على طبيعة السياسات العامة وأنماط إدارة الموارد ومدى التزام الدول بضمان الحقوق الأساسية لجميع المواطنين والمقيمين من دون تمييز.
من التوثيق إلى بناء البدائل
إن هذا التقرير، بما يتضمنه من تحليل إقليمي وتقارير وطنية ودراسات حالة وأوراق موضوعاتية، لا يهدف إلى توثيق واقع الحق في المياه في المنطقة العربية فحسب، بل يسعى أيضًا إلى المساهمة في بناء بدائل وسياسات أكثر عدالة واستدامة، وتعزيز النقاش العام حول العلاقة بين الحقوق والموارد الطبيعية والتنمية والعدالة المناخية.
الحق في المياه والحق في التنمية
وفي هذا السياق، يؤكد التقرير أنّ الحق في المياه لا يمكن فصله عن الحق في التنمية، باعتباره إطارًا جامعًا يربط بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية للتنمية، ويؤكّد حق الشعوب في المشاركة في صنع السياسات التي تؤثر على حياتها، وفي الاستفادة العادلة من مواردها الطبيعية، وفي التمتُّع بثمار التنمية بصورة مُنصِفة ومستدامة. كذلك، فإن ضمان الحق في المياه يشكل جزءًا أساسيًا من الجهود الرامية إلى بناء نماذج تنموية أكثر عدالة وقدرة على مواجهة الأزمات المناخية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة العربية.
المعرفة المستقلة في خدمة العدالة
أخيرًا، يندرج هذا الإصدار ضمن رؤية أوسع تتبناها الشبكة تهدف إلى تعزيز دور المعرفة المستقلة في دعم العمل المدني والتأثير في السياسات العامة، بما يسهم في بناء نماذج تنموية أكثر إنصافًا واستدامة، قائمة على حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والعدالة المناخية والسيادة على الموارد الطبيعية والمساءلة الديمقراطية.
احدث المنشورات
موقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية حول الهجرة واللجوء في حوض البحر المتوسط