Apr 15, 2026
إعادة تشكيل النظام العالمي: هل ما زالت التعددية ممكنة؟ - زياد عبد الصمد
زياد عبد الصمد
المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
زياد عبد الصمد

إعادة تشكيل النظام العالمي: هل ما زالت التعددية ممكنة؟

زياد عبد الصمد 

إن فشل مفاوضات التجارة العالمية في المؤتمر الوزاري الرابع عشر، الذي انعقد في الكاميرون (مارس 2026)، والنقاشات الجارية حول إصلاح الأمم المتحدة بمناسبة مرور ثمانين عامًا على تأسيسها، وخطة عمل 2030، إضافة إلى اجتماعات الربيع للمؤسسات المالية الدولية في واشنطن (نيسان 2026)، ليست أحداثًا معزولة. بل تشير إلى تصدّع أعمق في بنية النظام العالمي: فتعددية الأطراف لم تعد مجرد نظام يواجه ضغوطًا، بل باتت تُفرَّغ من مضمونها، وتُنازع، ويجري تجاوزها بشكل متزايد من قبل القوى ذاتها التي عملت على تأسيسه وتدّعي حمايته.

تتطور هذه التحولات في سياق عالمي يتسم بتصاعد النزاعات التي تُزعزع استقرار الاقتصاد والنظام المالي العالميين. ففي عام 2024–2025، تجاوز عدد النزاعات المسلحة النشطة 55 نزاعًا، وهو أعلى مستوى منذ نهاية الحرب الباردة، فيما تخطّى الإنفاق العسكري العالمي 2.4 تريليون دولار. ويُقدَّر أن أكثر من 120 مليون شخص باتوا في وضع نزوح قسري.

غير أن ما نشهده اليوم يتجاوز مجرد تصاعد النزاعات، ليشمل حروبًا ذات كلفة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، تعيد رسم معادلات القوة على المستوى العالمي. فالضربات والتوترات المرتبطة بإيران، إلى جانب الحرب على غزة، لم تقتصر تداعياتها على البعد العسكري، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي. إذ يُقدَّر الإنفاق العسكري للولايات المتحدة في هذا السياق بما يناهز تريليون دولار، فيما بلغت كلفة العمليات العسكرية الإسرائيلية نحو 12 مليار دولار. في حين تشير التقديرات الأولية إلى أن كلفة الحرب على إيران تجاوزت عشرات المليارات، فيما تكبّدت دول الخليج خسائر قد تصل إلى مئات المليارات، نتيجة تعطّل الإنتاج، واستهداف البنية التحتية، واختلال سلاسل الإمداد. غير أن الكلفة الأكبر تتجلّى في الاقتصاد العالمي، حيث أدّى تعطيل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات الطاقة العالمية، إلى صدمة طاقوية حادة، أعادت إلى الواجهة هشاشة النظام الاقتصادي الدولي أمام النزاعات الجيوسياسية.

«ولا تنفصل هذه التطورات عن الحرب على لبنان، التي تُقدَّر خسائرها الاقتصادية بعدة مليارات من الدولارات، في ظل دمار واسع في البنية التحتية وتراجع حاد في النشاط الاقتصادي.»

هذه الديناميات ليست منفصلة عن التنافس على موارد الطاقة ومسارات التجارة والنفوذ الاستراتيجي، بل هي تعبير مباشر عنه. فمن الحرب على غزة، إلى التصعيد مع إيران، واستمرار استخدام العقوبات (التي تطال اليوم أكثر من 30 دولة) كأداة ضغط سياسي، فإننا لا نشهد فقط توترات جيوسياسية، بل إعادة تشكيل بنيوية لموازين القوة.

تتزايد مؤشرات الخلل عبر منظومة الأمم المتحدة ووكالاتها، وداخل منظمة التجارة العالمية، وفي مؤسسات بريتون وودز، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. فمفاوضات المناخ لا تزال بعيدة عن المسار المطلوب للحد من الاحترار عند 1.5 درجة مئوية، فيما تشير التقديرات إلى أن فجوة تمويل المناخ في البلدان النامية تتراوح بين 200 و300 مليار دولار سنويًا. وعلى صعيد الفقر، لا يزال أكثر من 700 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر المدقع، بينما تتفاقم مستويات عدم المساواة في العديد من الدول. أما على مستوى الأمن، فقد استخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن أكثر من 20 مرة خلال العقد الأخير في قضايا تتعلق بنزاعات كبرى، ما يعكس شللًا متزايدًا في آليات اتخاذ القرار.

في جوهره، قام النظام متعدد الأطراف على وعد بإقامة نظام قائم على القواعد والحقوق، يستند إلى مبدأ المساواة بين جميع الشعوب والدول. إلا أن الفجوة بين المبادئ والتطبيق أصبحت اليوم جلية. فاختلالات التمثيل في المؤسسات الدولية لا تزال قائمة، حيث تهيمن قلة من الدول على مفاصل القرار، في مقابل تمثيل محدود لغالبية سكان العالم، ما يعكس أزمة شرعية عميقة.

لقد أصبح النظام يُنظر إليه على أنه انتقائي ومسيّس، ومحكوم باختلالات راسخة في موازين القوة. وعندما تتجاوز القوى الكبرى الأطر متعددة الأطراف في لحظات الأزمات، أو تطبّق القانون الدولي بشكل انتقائي، فإنها لا تُضعف المؤسسات فحسب، بل تقوّض فكرة الحوكمة الجماعية ذاتها.

التاريخ ضروري لفهم هذه اللحظة. فقد تأسس النظام متعدد الأطراف في أعقاب الحرب العالمية الثانية، في وقت كانت فيه معظم بلدان الجنوب العالمي لا تزال تحت الاستعمار ومقصاة من صنع القرار. واليوم، تمثل هذه الدول أكثر من 80% من سكان العالم، لكنها لا تزال تعاني من نقص التمثيل في مراكز القرار الدولي.

في الوقت ذاته، تواجه القوى التقليدية واقعًا جديدًا: فهي لم تعد قادرة على التحكم الكامل بمخرجات النظام، ولم يعد هذا النظام يخدم مصالحها بالدرجة ذاتها. وكان الرد هو الانخراط الانتقائي، وإنشاء أطر موازية، والتراجع عن الالتزامات الجماعية، وهو ما يسرّع من تفكك النظام.

في المقابل، تبرز دول الجنوب العالمي كفاعل ديمغرافي واقتصادي وازن، إلا أن هذا الثقل لم يُترجم بعد إلى نفوذ سياسي متكافئ. ومن هنا تبرز الحاجة إلى توحيد الجهود وتعزيز التنسيق، بما يمكّن هذه الدول من تقوية حضورها والدفع نحو مسار إصلاحي أكثر عدالة وتمثيلًا.

إلا أن هذا المسار يواجه تحديات داخلية. فبعض الدول الصاعدة تميل إلى التركيز على تعظيم حصتها في النظام العالمي والأسواق والموارد، بما يضعها أحيانًا في موقع المنافسة مع القوى التقليدية، بدل أن تضطلع بدور داعم للدول النامية والأكثر هشاشة. وهذا يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل نحن أمام إعادة توزيع أكثر إنصافًا للقوة، أم مجرد إعادة تموضع داخل النظام القائم دون تغيير حقيقي في قواعده؟

إن تجاوز هذه التحديات يتطلب مستوى أعلى من التنسيق والتضامن بين دول الجنوب، بما يتيح تحويل ثقلها إلى قوة تفاوضية فاعلة، قادرة على الدفع نحو إصلاحات بنيوية تعيد التوازن إلى منظومة الحوكمة العالمية.

النظام متعدد الأطراف لا يختفي، لكنه يُعاد تشكيله، وغالبًا بما يقدّم منطق القوة على منطق القواعد. غير أن نظام بريتون وودز، الذي صُمّم لعالم ما بعد الحرب، لم يعد قادرًا على الاستجابة لتعقيدات عالم يتسم بتعدد مراكز القوة وتداخل الأزمات.

لم يعد السؤال ما إذا كان يمكن إصلاح النظام عند الهوامش، بل ما إذا كان يمكن إعادة تصوّره من الأساس. أي نوع من التعددية نحتاج اليوم؟ هل هي تعددية تعكس اختلالات القوة القائمة، أم تعددية عادلة وقادرة على مواجهة التحديات المشتركة؟

إذا لم يُواجَه هذا السؤال بشكل مباشر، فإن الخطر لا يكمن في نهاية التعددية، بل في تحوّلها إلى مشهد مجزأ من أنظمة متنافسة، حيث تصبح القواعد ثانوية، وتغدو القوة هي المبدأ المنظِّم. وفي عالم كهذا، سيبقى الوعد بنظام قائم على القواعد والحقوق، حيث الجميع متساوون، ليس أساسًا، بل مجرد وهم.

احدث المنشورات
Mar 26, 2026
خلف المراعي الجافة: كيف يحاصر شح المياه تعليم أبناء رعاة المواشي - شيما عضبيات
Mar 26, 2026
البيئة من ضحية صامتة وشبه أبدية للحروب الى مدخل للسلام - حبيب معلوف