البيئة من ضحية صامتة وشبه أبدية للحروب الى مدخل للسلام - حبيب معلوف
البيئة من ضحية صامتة وشبه أبدية للحروب الى مدخل للسلام
الكتابة عن أثر الحرب على البيئة لم تعد مجرد توثيق للدمار وآثاره، بل باتت تتطلب تفكيك تلك العلاقة العميقة بين الصراع على الموارد وأنظمة الحكم والإدارة وتفسير هذا العنف بجميع أشكاله بين المجموعات البشرية والقوى المسيطرة فيها أو تجاه الطبيعة حيث تتحول البيئة من خلفية صامتة إلى ضحية غير مرئية، بل وأحيانًا إلى سلاح بحد ذاته. فالحروب لا تقتل البشر فقط، بل تخلخل التوازن الدقيق بين الإنسان والطبيعة. في لحظات النزاع، تنهار الحدود بين ما هو عسكري وما هو بيئي، فتتحول الأرض والموارد من طاقة وتربة وماء وهواء إلى ساحات استنزاف. مع العلم انه حين نتحدث عن الخسائر البشرية والمادية، نفهم بـ "المادية" تلك المنشآت البشرية على أنواعها ولا نأخذ بالاعتبار تلك الآثار البيئية الوجودية الكبيرة من القضاء على التنوع البيولوجي وتلوث التربة والمياه وزيادة الانبعاثات العالمية وتغير المناخ التي تمتد آثارها لعقود، بالإضافة الى تلك الخسائر في الأنواع التي لا يمكن استرجاعها او تعويضها.
بين آثار الحروب البيئية التقليدية المعروفة تدمير البنية البيئية التحتية عندما يتم استهداف محطات الكهرباء والمياه والصرف الصحي. وتسرب مياه الصرف الى امدادات المياه العذبة وزيادة تدفقها الى مياه الانهار والبحار. لطالما اعتبر أن الأخطر في هذا الحرب هو ادخال منشآت الطاقة في هذه الحرب. مما يعني ضرب محطات الاستخراج والتصفية والتخزين والنقل، لاسيما استهداف ناقلات النفط العملاقة مع ما يعني ذلك من زيادة في الأسعار العالمية ومن تلوث في الهواء وزيادة الانبعاثات وتسرب النفط الى الشواطئ وقيعان البحار والذي يعتبر في الكثير من أنواعه وجوانبه تلوثا شبه أبدي. إلا أن المستجد في الحرب الأخيرة في المنطقة فهو تهديد محطات تحلية المياه. لطالما كانت المياه الصالحة للشرب سلعة نادرة في منطقة الخليج. فهطول الأمطار في الشرق الأوسط قليل ومتقلب للغاية، وتفتقر معظم الدول إلى أنهار دائمة كبيرة لتلبية احتياجاتها المائية. تاريخياً، كانت المنطقة تتأقلم ببساطة، معتمدةً على مواردها المحدودة من المياه الجوفية. ولكن مع نمو صناعة النفط منذ خمسينيات القرن الماضي، سرعان ما تجاوز الطلب العرض، وتضررت طبقات المياه الجوفية، واضطرت الدول سريعة النمو في المنطقة إلى اللجوء إلى تحلية المياه (أي تحويل مياه البحر إلى مياه شرب) لتلبية احتياجاتها المائية. بين 70 و90% من مياه الشرب في منطقة الخليج العربي تأتي من محطات تحلية المياه؛ تلك التي تخدم أكثر من 100 مليون شخص في المنطقة يعتمدون مباشرة على المياه المحلاة. حتى إسرائيل، فهي تعتمد على خمس محطات تحلية ساحلية كبيرة لتوفير أكثر من نصف احتياجاتها من المياه الصالحة للشرب. كذلك إيران صحيح انها تعتمد بنسب اقل على محطات التحلية في تأمين مياهها العذبة الا انها هي ايضا تعاني من الاجهاد المائي مثلها مثل كل دول المنطقة. ولذلك يعتبر موضوع استخدام محطات التحلية كسلاح في هذه الحرب إجراء انتحاريا بكل المعايير، بكونه أولا يحرم عشرات الملايين من مياه الشرب، ويتسبب ثانيا بتلويثها على المدى الطويل. مع العالم أن محطات التحلية تحتاج الى الكثير من الطاقة، وان انقطاع امدادات الطاقة في الحروب تؤثر ايضا على تعطل إمدادات المياه لاسيما محطات الضخ والمعالجة والاستخراج من المياه الجوفية. وبشكل عام، يمثل الشرق الأوسط ما يقرب من 40٪ من إنتاج المياه المحلاة عالميا، مما يوفر قدرة تحلية مشتركة تبلغ 28.96 مليون متر مكعب من المياه، كل يوم. وعلى عكس منشآت النفط، لا يمكن استبدال محطات التحلية أو إصلاحها بسرعة. كما أن إلحاق الضرر بمحطات تحلية المياه سيؤدي إلى عواقب بيئية. وقد أشار مرصد النزاعات والبيئة إلى أن الهجمات قد تؤدي إلى إطلاق مواد كيميائية تشمل هيبوكلوريت الصوديوم، وكلوريد الحديديك، وحمض الكبريتيك.
تتسبب الحروب ايضا بتلوث هائل في الهواء والتربة، لاسيما من انبعاثات من القصف والحرائق، واحتراق منشآت نفطية أو صناعية، مع ما يعنيه ذلك من تسرب معادن ثقيلة ومواد سامة إلى التربة. مع العلم أيضا أن التلوث في زمن الحرب ليس عرضيا، بل غالبا غير قابل للسيطرة، ويتراكم بصمت ليخلق أزمات صحية طويلة الأمد. بالإضافة الى الضغوط على الموارد كافة التي تتسبب بها عمليات النزوح والهرب من الحرب. ليس الإنسان هو الذي ينزح وحده في الحروب. فهناك مشكلة نزوح الكثير من الحيوانات البرية ونفوقها مع تدمير الغابات والمناطق الزراعية، مما يتسبب ايضا بانهيار السلاسل الغذائية المحلية، مع التسبب أيضا بأضرار جسيمة بالتنوع البيولوجي وانقراض الانواع. فالحرب تقطع "استمرارية الحياة" وليس الحياة نفسها فقط.
اما لناحية أثر الحروب على تغير المناخ، فقد كتب الكثير حول انبعاثات حرب أوكرانيا وغزة والتي تتجاوز انبعاثات مدن الدول الكبرى. وهي تساهم كما بات معروفا في زيادة الانبعاثات الكربونية وفي تعطيل سياسات المناخ وتحويل الموارد من عناصر للاستدامة إلى عناصر للتسلح! اما بالنسبة الى الكلفة الاقتصادية للحرب، فقد صدر أثناء كتابة هذه السطور (في 19 آذار 2026) تقرير عن الاسكوا تحت عنوان "الصراع وتداعياته: تصاعد حدة الأزمة في المنطقة العربية" أظهرت فيه كيف فرض النزاع تكلفة اقتصادية عالية على المنطقة العربية، حيث تشير التقديرات الأولية إلى خسائر إقليمية بلغت حوالي 63 مليار دولار في أول أسبوعين… متوقعة أنّ الخسائر، في حال تواصل النزاع مدة شهر، قد تصل إلى حوالي 150 مليار دولار أو ما يعادل 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي.
هذه القضايا باتت معروفة او محسوبة ومحددة اضرارها وأكلافها نوعا ما وان نظريا. الا أن هناك كلفة غير مرئية ولها حسابات أخرى في الزمن البيئي. فالكثير من الأضرار البيئية الناجمة عن الحروب تحتاج الى عقود للتعافي. وهناك أنواع من التلوث قد تصبح دائمة، كما هي الحال مع تلوث التربة والمياه الجوفية ببقايا المتفجرات التي تحمل الكثير من المواد الثقيلة والسامة. كما سيكون هناك أجيال تعيش في بيئة متدهورة. فالحرب قصيرة زمنيا، لكن أثرها البيئي بطيء وطويل، وهذا ما يجعلها أخطر مما تبدو.
البيئة عادة، لا تدخل في اتفاقيات وقف إطلاق النار، لكنها تتحمل نتائجها. وإذا كانت الحروب تعيد رسم خرائط السياسة، فهي أيضًا تعيد رسم خرائط الحياة نفسها. وطالما سألنا السؤال الذي تم تجاهله: كيف يمكن الحديث عن إعادة إعمار دون إعادة تأهيل بيئي حقيقي؟
من هنا يفترض أن تشكل هذا النوع من الحروب درسا على الأقل، لاسيما في كيفية ادارة قطاعين رئيسيين في الحياة والحروب معا، عنينا بهما الطاقة والمياه. لم يعد مفهوما إذا كانت هذه الحرب لأسباب نووية او ما اذا كانت لا تزال بسبب الوصول الى الطاقة التقليدية والناضبة، ام هي استباقية لوضع اليد على المعادن النادرة وطرق الإمداد، مع العلم أن لا أحد بريء من هذا التنافس المميت، مضافا اليه صراع إيديولوجيات لا تزال تؤله القوة التي لا تزال تقدر بالقدرة على السيطرة والتحكم بدل أن تكون مقدرة بالقدرة على إيجاد أطر للتعاون والمشاركة لإنقاذ المناخ العالمي الذي سيطيح بالكل وبكل شيء بكوارثه.
كما لن يكون الحل بنقل خطوط التصدير او التنويع في المصادر، بل يفترض الذهاب الى التفضيل في إنتاج الطاقة أيضا على قاعدة اعتماد المصادر الأكثر استدامة (مقارنة بتلك الناضبة او النادرة مثل الوقود الأحفوري واليورانيوم) ووضع برامج لضبط وترشيد الاستهلاك وتحسين الكفاءة، وابتداع نماذج حضارية جديدة تحتاج إلى طاقة أقل. فكلما قللنا من الاعتماد على الطاقة الاحفورية وعلى إنشاء المعامل الحرارية الكبيرة والمركزية في سياسات الطاقة وتوسعنا في الاعتماد على الطاقات المتجددة (لاسيما الشمسية منها) التي في طبيعتها صغيرة ولامركزية، خففنا من الانبعاثات وتلوث الهواء وخففنا من أضرار الحروب ايضا، بكون منشآت الطاقة المتجددة متقطعة وموزعة بالأساس ولا يتسبب تعطل بعضها بانقطاع شامل كما هي الحال مع تعطل محطات الطاقة الكبيرة والمركزية. كما أن اصلاحها أسرع بكثير وأقل كلفة بالطبع. وكذلك الأمر بالنسبة لمحطات تحلية المياه المركزية التي يتسبب تعطيلها بكوارث جماعية كبيرة كما ذكرنا، في حين أننا لو اعتمدنا في سياسات المياه وأولوياتها الاستراتيجية حماية مصادر المياه لاسيما الجوفية منها وبيئة المياه العذبة واحواضها بشكل عام، والتوزيع العادل لمورد حيوي هو في أصوله الايكولوجية عابر للحدود وليس ملكا لأحد…لما كان الضرر والصراع يأخذ طابعا وجوديا بهذا الشكل. ثم لماذا لا تكون أحد بنود التفاوض لإنهاء الحرب أن تكون منطقة الشرق الأوسط الغنية بساعات الشمس خالية من جميع أنواع الطاقة النووية (الخطرة وغير السيادية) في استخداماتها كافة. مع العلم أن سياسات متواضعة في الطاقة والمياه والنقل والتصنيع والإنتاج والاستهلاك… واعتماد مبادئ العدالة الاجتماعية والمناخية، لا تستجلب الحروب بالأصل. وتكون بذلك المنطلقات البيئية والمناخية ومتطلباتها الفكرية والسياسية مدخلا للسلام الدائم ولحل النزاعات.
احدث المنشورات