Apr 27, 2026
الحرب التي ستعيد رسم ملامح اقتصادات الخليج - بشار الحلبي
بشار الحلبي
ناشط سياسي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
بشار الحلبي

الحرب التي ستعيد رسم ملامح اقتصادات الخليج

بشار الحلبي

قبل اندلاع الحرب، كانت اقتصادات دول الخليج العربي تستقبل العام 2026 بتفاؤل حذِر. فقد استقر كلٌّ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على سردية متقاربة قوامها التخفيف التدريجي للاعتماد على المواد الهيدروكربونية، وتنمية القطاعات غير النفطية بشكل مطّرد، ومواصلة جهود ضبط أوضاع المالية العامة في مختلف أنحاء المنطقة.

ورغم الحرب في إيران وما تبِعها من اضطرابات في مضيق هرمز، ذلك الشريان البحري الحيوي لاقتصادات الخليج، لم تتداعَ هذه السردية، بل باتت تخضع لاختبار حقيقي في الوقت الفعلي.

لقد كشفت الحرب عن حقيقة هيكلية لطالما أقرّ بها صانعو السياسات في الخليج من دون أن تُحسم بالكامل، مفادُها أن التنويع الاقتصادي لا يشكّل درعًا كافيًا لاقتصاداتٍ لا يزال عمودها المالي قائماً على تدفّق صادرات النفط من دون انقطاع.

دخلت دول الخليج هذه الأزمة من ثلاث زوايا اقتصادية متباينة.

كانت الإمارات العربية المتحدة قد أحرزت التقدم الأبرز على صعيد التنويع. فقد باتت القطاعات غير النفطية — من الخدمات اللوجستية والمالية إلى السياحة — المحرّك الرئيسي للنمو، ونجحت الدولة في ترسيخ موقعها كمركز إقليمي محصّن نسبيًا أمام التقلبات الدورية في أسعار السلع الأساسية. كما تراجعت هشاشتها تجاه تقلبات أسعار النفط، لكن ليس بشكلٍ كامل.

وتخوض المملكة العربية السعودية بدورها غمار التحوّل. فرؤية 2030 التي يقودها ولي العهد تدفع عجلة الاستثمار في القطاعات غير النفطية، فيما يضطلع صندوق الاستثمارات العامة بدور المحرّك المركزي. ومع ذلك، لا تزال بنية الاقتصاد السعودي وثيقة الارتباط بعائدات النفط، سواء بشكل مباشر عبر الصادرات أو بشكلٍ غير مباشر من خلال الإنفاق الحكومي الذي يمثّل ركيزة النمو الداخلي.

في المقابل، اختارت قطر تعميق رهانها على ميزتها النسبية. فبدل الابتعاد عن المواد الهيدروكربونية، عزّزت حضورها داخل هذا القطاع، لا سيما عبر الغاز الطبيعي المسال. وظل نموذجها الاقتصادي يعتمد بشكل كبير على استقرار صادرات الغاز وكثافتها، ما يجعل هذا النموذج عالي الكفاءة في الظروف الطبيعية، لكن شديد الحساسية لأي اختلالات لوجستية.

وفي بقية دول الخليج، تمضي بلدان مثل الكويت والبحرين وسلطنة عُمان في مسار التنويع بوتيرة أبطأ، إذ تُقيّدها ضغوط مالية واختناقات هيكلية، من بينها الاعتبارات السياسية الداخلية في الحالة الكويتية.

الصدمة

قسّمت هذه الحرب معادلة الطاقة إلى قوتين متناقضتين: أسعار مرتفعة من جهة، وكميات متراجعة من جهة أخرى.

كان من المفترض، نظريًا، أن تؤدي أسعار النفط التي تجاوزت عتبة 100 دولار للبرميل إلى تعزيز الأوضاع المالية لدول الخليج، وانطلاق دورة جديدة من الإيرادات النفطية وزيادة الإنفاق بشكل كبير. إلا أن الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز عقّد هذه المعادلة. فالمشكلة بالنسبة لعددٍ من الدول المنتجة لم تعد تتعلق بالسعر، بل بقدرتها أصلًا على تصدير البراميل، وبالثمن الذي قد تدفعه لتحقيق ذلك.

تمكّنت السعودية والإمارات من التكيّف بصورة أفضل مقارنةً بغيرهما، وذلك بفضل البنية التحتية البديلة القائمة، مثل مسار التصدير السعودي عبر البحر الأحمر وميناء الفجيرة. وقد سمح لهما ذلك بمواصلة جزء من التدفقات، وإن كان ذلك ضمن حدود.

أما قطر، فتواجه تحديًا أشدّ وطأة. فصادراتها من الغاز الطبيعي المسال تعتمد على المسارات البحرية العابرة لمضيق هرمز. وأي اضطراب مستدام لا يعني فقط تراجعًا في الكميات، بل يهدد أيضًا مكانتها كمورّد موثوق لكل من أوروبا وآسيا.

وفي حالة دول أخرى، مثل العراق والكويت، فإن غياب أي بدائل حقيقية عن هرمز يترجم مباشرة إلى اختناقات في التصدير، وهشاشة مالية، وبالتالي ارتفاع احتمال الاضطرابات السياسية.

والنتيجة هي تحوّل في جوهر الإشكالية الاقتصادية التي بات على دول الخليج التعامل معها، بدءًا من إدارة دورات أسعار النفط، إلى ضمان الوصول الفعلي إلى الأسواق، وصولاً إلى التأكد من عدم تكرار سيناريوهات الانقطاع مستقبلاً.

وعلى المستوى الكلّي، تبدو التداعيات الفورية متباينة.

فارتفاع الأسعار يمنح متنفسًا ماليًا قصير الأجل، خصوصًا في السعودية والإمارات. لكنّ استمرار اضطراب تدفقات النفط قد يؤدي إلى اتساع العجز المالي، ليس بسبب الانخفاض الكبير للأسعار، بل بسبب تعذّر تحقيق الإيرادات.

ويضيف التضخم طبقة إضافية من التعقيد. فارتفاع أسعار الطاقة عالميًا ينعكس مباشرة على تكاليف الاستيراد، ولا سيما المواد الغذائية والسلع المصنعة. وعلى الرغم من أن دول الخليج أكثر قدرةً على تحمل هذا الانعكاس مقارنةً بالأسواق الناشئة، إلا أنه لا يمكن إغفال تأثّرها، وخاصةً الدول الأكثر اعتمادًا على الاستيراد.

والأهم من ذلك أن معنويات المستثمرين أصبحت أكثر تأرجحًا. فصورة الخليج كوجهة مستقرة لرؤوس الأموال، ولا سيما السعودية والإمارات، بات يُعاد النظر فيها اليوم في ضوء ارتفاع المخاطر الجيوسياسية.

ومع ذلك، إذا كان من نتيجة واضحة لهذه الأزمة، فهي أن أمن الطاقة عاد إلى صميم السياسات الاقتصادية عالميًا، وهو ما قد يصب في مصلحة دول الخليج، بمجرد تجاوز أزمة هرمز.

وعلى المدى القريب، يعني ذلك التوسع في مسارات التصدير البديلة باتجاه البحر الأحمر، وزيادة قدرات التخزين والمرونة اللوجستية، وتعزيز التنسيق في أمن الملاحة البحرية مع الشركاء الدوليين.

لكن التداعيات على المدى الأطول تبقى أكثر عمقًا وبنيوية.

بالنسبة للسعودية، تؤكد هذه الأزمة مجددًا إلحاح مسار التنويع الاقتصادي، لكنها تكشف في الوقت نفسه حدود هذا المسار، إذ يُمكن للنمو غير النفطي تخفيف وقع الصدمة الاقتصادية، لكنه لا يستطيع أن يحلّ محلّ عائدات النفط في المدى القريب.

أما في الإمارات، فمن المرجّح أن يتعزز التركيز أكثر على دورها كمركز للتجارة والخدمات اللوجستية، مستفيدة من قدرتها على تكييف التدفقات بدلًا من الارتهان لها.

وفي ما يتعلق بقطر، فإن التداعيات تأخذ طابعًا أكثر استراتيجية. إذ قد تدفع الحرب إلى تسريع النقاشات حول مسارات تصدير بديلة للغاز، سواء عبر استثمارات في البنية التحتية أو من خلال تعميق الاندماج في شبكات الغاز الطبيعي المسال العالمية.

هل ما زال الخليج يحتل الصدارة؟

قبل اندلاع الحرب، كانت تتبلور سردية أوسع مفادها أن دول الخليج تحتل موقع الصدارة في منطقة الشرق الأوسط.

فقد أسهمت الإيرادات النفطية المرتفعة، والانضباط المالي، والزخم الاستثماري الذي تقوده الدولة، في ترسيخ مكانة الاقتصادات الخليجية—ولا سيما السعودية والإمارات وقطر—كمراكز صاعدة لرؤوس الأموال، ومحاور لوجستية، ونقاط ثقل متزايدة في المشهد الجيوسياسي.

هذه الصورة لم تتراجع، لكنها أصبحت اليوم موضع اختبار حقيقي.

فقد كشفت الحرب مفارقة بنيوية في صلب صعود الخليج، فالعامل الذي يمنح الخليج ثقله العالمي—بوصفه أحد أهم مصدّري الطاقة—هو ذاته ما يربطه بأحد أكثر الممرات الجيوسياسية هشاشة وتعقيدًا في العالم.

بعباراتٍ أخرى، يبقى الصعود الاقتصادي لدول الخليج مرهونًا باستمرارية تدفّق إمدادات الطاقة عبر حيّز جغرافي ضيّق ومثقل بالتوترات.

ولا تعني هذه التطورات نهاية مسار التنويع الاقتصادي في الخليج، لكنها تعيد ترتيب أولوياته.

يُعاد النظر اليوم في الفرضية القائلة بأن التحول الاقتصادي وحده كفيل بتقليص الهشاشة أمام التقلبات الدورية في أسعار السلع الأساسية والصدمات الجيوسياسية ومتطلبات التحول الطاقي. وتتجه العواصم الخليجية نحو مقاربة أكثر شمولًا، تتراوح بين الحاجة إلى التنويع إلى ضرورة تعزيز البنية التحتية الاستراتيجية والضمانات الأمنية، بما يشمل توسيع القدرات الدفاعية.

ومن هذا المنظور، لم تشكّل الحرب في إيران مجرد صدمة في أسواق الطاقة، بل تذكيرًا بأن الجغرافيا في الخليج الشرق الأوسطي لا تزال العامل الحاسم في صياغة الاقتصادات كما الاستراتيجيات.

احدث المنشورات
Apr 28, 2026
تعددية الأطراف عند مفترق طرق: من أزمة النظام إلى أزمة العدالة في المنطقة العربية - زياد عبد الصمد
Apr 27, 2026
دراسة حالة – العراق: العمل المدني بين القيود السياسية والانكماش الحقوقي - الهام مكي