May 08, 2026
الحق في المياه في المغرب: بين الندرة وتفاوتات الولوج - نحو عدالة مناخية ومجالية
سناء مسالم
باحثة

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
سناء مسالم
هذا التقرير هو جزء من تقرير الراصد العربي ٢٠٢٥ عن الحق في المياه وتغيّر المناخ.

الحق في المياه في المغرب: بين الندرة وتفاوتات الولوج - نحو عدالة مناخية ومجالية

سناء مسالم

مقدمة

يُعدّ الحق في الماء أحد المرتكزات الأساسية لضمان الكرامة الإنسانية وتحقيق التنمية المستدامة، كما يُعترف به ضمن منظومة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وفي السياق المغربي، تزداد أهمية هذا الحق في ظل التحديات المتفاقمة المرتبطة بندرة الموارد المائية، وتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع الطلب على الماء نتيجة التوسع الحضري وتزايد الأنشطة الزراعية والصناعية.

تكشف المعطيات الرسمية عن تراجعٍ مقلق في متوسط نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة في المغرب، إذ انخفض من نحو 2600 متر مكعب سنة 1960 إلى حوالي 600 متر مكعب في الوقت الراهن، أي بانخفاض يفوق 70%. وتشير التقديرات إلى أن هذا المستوى مرشح للانخفاض إلى ما يقارب 500 متر مكعب للفرد في أفق 2035–2040 (وزارة التجهيز والماء، 2025). وغالباً ما يُوصَف هذا الوضع بالاقتراب من عتبة «الندرة المطلقة» المحددة في 500 متر مكعب للفرد سنوياً. غير أن هذا المؤشر الكمي، رغم أهميته التحذيرية، يظل محدود الدلالة إذا ما استُخدم ضمن مقاربة مالتوسية اختزالية تُرجع أزمة الماء أساساً إلى الضغط الديمغرافي. فإجهاد الموارد المائية في المغرب لا يعكس فقط نقصاً طبيعياً في العرض، بل يرتبط أساساً بأنماط الحوكمة، واختيارات السياسات العمومية، وتوزيع استعمالات الماء بين القطاعات، فضلاً عن أوجه اللامساواة الاجتماعية والمجالية في الولوج إلى هذه المادة الحيوية. وفي هذا السياق، يعكس الوضع المائي الراهن بالمغرب حالة إجهاد مائي هيكلي (المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، 2023)، تتجلى تداعياته الاجتماعية والاقتصادية والبيئية بشكل متزايد، وتطرح إشكاليات عميقة تتجاوز منطق الندرة الكمية نحو مساءلة العدالة المائية والحق في الماء.

أما على المستوى الإقليمي، فإن منطقة شمال إفريقيا والمغرب العربي تشهد تحولات مناخية حادة، تتجلى في تزايد مخاطر التصحر وتراجع معدلات التساقطات، بما يجعل الأمن المائي رهانا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الأمنين الغذائي والطاقي. وقد حذّر تقرير صادر عن البنك الدولي (2021) من أن شمال إفريقيا ستُعدّ من بين أكثر المناطق عرضة لندرة المياه بحلول سنة 2050، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد تقلب أنماط التساقطات. وفي هذا السياق، يكتسي تعزيز الحق في الماء، وتقييم السياسات العمومية المرتبطة به، وتحليل الإطارين القانوني والمؤسساتي المنظمين له، طابعاً استعجالياً وأولوية حقوقية ملحّة، تستدعي تعبئة جماعية ويقظة مستمرة.

يعتمد هذا التقرير منهجاً وصفياً وتحليلياً، يستند إلى مقاربة متعددة التخصصات، تتقاطع فيها الدراسات القانونية وتحليل السياسات العمومية مع الرؤى البيئية والاجتماعية والمقاربات الحقوقية. كما يولي التقرير أهمية خاصة للتفاوتات المجالية والاجتماعية في الولوج إلى الماء، ولمسألة العدالة المائية باعتبارها مكوناً مركزياً من مكونات العدالة الاجتماعية والمجالية.

وانطلاقاً من هذا المنهج، يقتضي الأمر تحديد المفاهيم المركزية التي يعتمد عليها التقرير. يُقصد بـ الحق في الماء حقاً إنسانياً أساسياً، أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2010، وحدّد التعليق العام رقم 15 للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (2002) مضمونه ومعاييره، لا سيما من حيث التوفّر، والجودة، والولوج المادي والميسّر دون تمييز. أما العدالة المائية، فهي مفهوم يتجاوز المقاربة القانونية للحق في الماء نحو إطار أشمل يربط قضايا الماء بالعدالة الاجتماعية والبيئية، ويركّز على علاقات السلطة، وأنماط التوزيع، ومستوى مشاركة الفاعلين المتأثرين في اتخاذ القرار (Sultana & Loftus, 2012؛ Zwarteveen & Boelens, 2014). وتُبرز هذه المقاربة الفجوة القائمة بين الاعتراف القانوني بالحق في الماء وتحقيقه الفعلي، خاصة لفائدة الفئات والمجالات الأكثر هشاشة.

وفي إطار تعزيز البعد التشاركي واليقظة الحقوقية، تم تنظيم جلسات نقاش (Focus Groups) ومقابلات مع باحثين وفاعلين من المؤسسات العمومية والمجتمع المدني، من أجل توثيق تجاربهم، وجمع آرائهم حول التحديات التي تواجه القطاع. وقد مكّن هذا التشاور من إدماج أصوات محلية ومتعددة في صياغة التوصيات، ومن ضمان تقاطع بين التحليل النظري والتجربة الميدانية.

احدث المنشورات
May 08, 2026
دراسة حالة: الحقّ في المياه في موريتانيا
May 05, 2026
النشرة الشهرية لشهر آذار/مارس - عند مفترق طرق: النظام المتعدد الأطراف، والحرب، والعدالة في المنطقة العربية