ثلاثة مسارات لإنتاج الحروب
لا يمكن قراءة واقع النساء في المنطقة العربية اليوم كحدث منعزل، بل هو فصل في سردية مستمرة من "الإقصاء البنيوي". فما يجمع الفلاحة المصرية والتونسية والمغربية المنسية في دفاتر الملكية، والبرلمانية العراقية المحاصرة في فخ الطائفية، والنسوية اللبنانية أو السورية التي تواجه بتهمة "خيانة الأولويات"، هو خيط سميك من التحولات التاريخية والسياسية التي أعادت إنتاج الوصاية بأشكال حديثة. إلا أن هذا الخيط يشتد خناقه اليوم وسط دخان الحروب الكبرى التي تجتاح المنطقة؛ تلك الحروب التي لم تعد تكتفي بتمزيق الجغرافيا، بل أسقطت "كل الحقوق" على رؤوس الجميع، من غزة ولبنان وصولاً إلى إيران، لتضع المنطقة بأكملها في مواجهة عسكرة شاملة لا تبقي للمواطنة ولا للنساء مكاناً آمناً.
يصدر هذا الملف بينما تقتلع الاسر من منازلها والقرى من حدودها، والاوطان من تاريخها، مقالات هذه النشرة تخرج في لحظة تاريخية فاصلة، تخلع فيها الهيمنة الدولية كافة اقنعة التخفي وتظهر جلية سافرة تتحدى القانون الدولى والإنسانية وسكان الأرض كافة في لحظة زهو لن تطول. مقالات هذا الملف تربط بين عناصر ثلاثة، تصنع عبر تشابكها جسورا تفضي في نهايتها الى أتون الحروب وجحيم النزاعات.
المسار الأول: الاحتلال وعسكرة الوجود.. "الاستقلال" كستار للتبعية
ما بين الاستعمار التقليدي وتدخل الولايات المتحدة هناك عقود من ضعف الدول والصراعات فيما بينها الانقسامات الاجتماعية والطائفية. التفاعل بين العوامل الداخلية والخارجية هو الذي شكل مسار الدول العربية.
في اللحظة التي تشتعل فيها الحروب ويتحول "الفضاء العام" إلى ساحة للعمليات العسكرية، لا يسقط الركام فوق المباني فحسب، بل يسقط فوق عقود من الجهد لحصد بعض الحقوق. إن ما تشهده المنطقة العربية اليوم — من غزة إلى لبنان والسودان واليمن وسوريا ليس مجرد صراعات حدودية، بل هو عملية "تفكيك ممنهج للمواطنة" لصالح "الهويات الأولية". ومع هذا الانهيار العمدي، برزت الطائفية والقبلية لا كخيار مجتمعي، بل كـ "أداة هيمنة" وظفتها قوى دولية وإقليمية لتمزق النسيج الوطني وتضمن تبعية المنطقة. "فمنطق الطائفة" يقتضي تماسكاً داخلياً صلباً لا يسمح بأي نقاش حقوقي قد "يهدد" خصوصية الجماعة أو يزعزع توازن القوى مع الطوائف الأخرى.يتجسد هذا المحور بوضوح في العراق ما بعد 2003، حيث لم يكن "نظام المحاصصة" نتاجاً محلياً صرفاً، بل كان مشروعاً استعمارياً قام على تفتيت الهوية الوطنية.
إن ما يحدث في سوريا واليمن و السودان اليوم يسير على ذات النهج؛ حيث تُدفع النساء لتعريف أنفسهن عبر "الخندق السياسي أو القبلي" مما يفتت التضامن النسوي العابر للانتماءات. إن عسكرة الفضاء العام، وتوظيف الطائفية من قبل القوى الكبرى لهدم مفهوم الدولة، هو الذي خلق هذا "الانسداد الحقوقي". فالنساء هنا لسن ضحايا "ثقافة محلية" فقط، بل هن ضحايا "هندسة سياسية دولية" جعلت من الصراع الهوياتي وسيلة للهيمنة، ومن حقوق المرأة ثمناً بخساً لبقاء هذا النظام.
المسار الثانى :الأبوية القانونية.. حين قنّن الاستعمار التهميش
تبدأ قصة إقصاء النساء في منطقتنا من لحظة صامتة في التاريخ، لحظة تحول فيها "العرف الاجتماعي" إلى "نص قانوني" مُلزم. لم تكن الأنظمة الاستعمارية المتعاقبة — من العثمانيين وصولاً إلى البريطانيين والفرنسيين — مجرد قوى عسكرية تمر فوق الأرض، بل كانت "مهندساً قانونياً" أعاد صياغة علاقة الإنسان بالدولة. لقد أرسى الاستعمار ما يمكن تسميته بـ "المواطنة الوسيطة"؛ وهي فلسفة قانونية تفترض أن الدولة لا تتعامل مع الأفراد، بل مع "رؤوس العائلات" من الذكور.
هذا الإرث لم يرحل برحيل الجيوش؛ بل استوطن التشريعات الوطنية. فقوانين الإصلاح الزراعي وقوانين الأحوال الشخصية التي تلت الاستقلال، ظلت مخلصة لهذا المنطق الاستعماري الذي يرى في المرأة "تابعاً" لا شريكاً أصيلاً. وهكذا، تحول التهميش من عرف اجتماعي يمكن تغييره، إلى بنية قانونية صلبة تمنح الدولة عبرها صكوك الحقوق للذكور وتترك للنساء فتات الوعود.
في العصر العثماني، تم اختراع "دفاتر الضريبة" التي لم تكن تبصر سوى اسم الرجل "الملتزم" أو "رب الأسرة"، مما جعل عمل المرأة في الحقل والبيت جهداً خفياً، لا يترجم إلى حقوق ملكية أو حيازة. وحين جاء الاستعمار الأوروبي، لم يكسر هذا القيد، بل أحكم رتاجه؛ فاستخدم "الأبوية المحلية" كأداة للضبط والربط. لقد خلق المستعمر "دولة رعاية" مشوهة، ترى في الرجل "منتجاً ومواطناً"، وفي المرأة "رعية تابعة" تارة، أو "كائناً يحتاج للوصاية" تارة أخرى.
هذه "الأبوية القانونية" لم ترحل مع الاستقلال، بل ورثتها الدول الوطنية بتمامها. لقد انتقل الفكر الإقصائي من "خيمة المستعمر" إلى "أروقة البرلمانات الحديثة"، لنجد أنفسنا اليوم أمام ترسانة من القوانين التي تتحدث لغة المساواة في ديباجاتها، لكنها تمارس التمييز في أدق تفاصيلها الإجرائية.
يتجسد هذا الإرث اليوم بوضوح صارخ في واقع "العاملات الزراعيات وعاملات التراحيل" في دول مثل مصر واليمن والمغرب.لننظر إلى مفارقة "القانون والواقع": قد تصدر الدولة قانوناً للعمل (كما في التعديلات الحديثة في مصر 2025) يلغي شكلياً استبعاد عاملات الزراعة من الحماية، لكن "الفلسفة القانونية" الكامنة خلفه تظل عاجزة عن رؤيتهن. القانون يُصمم بذهنية "المنشأة الثابتة" و"العقد الورقي"، وهي شروط لا تتوفر لامرأة ريفية تخرج مع الفجر في سيارة "مقاول" لتعمل في أراضٍ غريبة عنها.
عندما تذهب إحدى العاملات للمطالبة بحقها في تأمين صحي أو إجازة وضع، يصدمها القانون بـ "شفافيتها"؛ فهي بالنسبة للنظام الضريبي والتأميني "غير موجودة"، لأن علاقتها بالعمل لا تزال تمر عبر "وسيط ذكر" (المقاول)، تماماً كما كانت تمر عبر "الملتزم" العثماني قبل قرون. إنها تعمل وتنتج وتغذي الدولة، لكنها في دفاتر الحقوق "صفر قانوني".
هذا المثال يوضح أن المشكلة ليست في "نقص التشريعات"، بل في أن "عقل القانون" لا يزال يرفض الاعتراف بالمرأة كفرد مستقل ومباشر. إنها معركة على "الاعتراف" قبل أن تكون معركة على "النصوص"؛ معركة لتفكيك ذلك الإرث الذي جعل من "الرجل" هو القناة الوحيدة التي تتدفق عبرها الحقوق من الدولة إلى المجتمع.
المسار الثالث: "النسوية الصورية" كقناع للتحديث القسري
في الوقت الذي ترزح فيه المنطقة تحت وطأة العسكرة وتفكيك الدولة، تبرز ظاهرة أكثر تعقيداً ونعومة، وهي "اختطاف الخطاب النسوي" لم يعد الإقصاء يمارس دائماً عبر المنع الصريح، بل بات يُمارس عبر "الاحتواء"؛ حيث تتبنى الأنظمة الحاكمة والمؤسسات الدولية لغة براقة حول "تمكين المرأة" و"المساواة"، لكنها تفرغ هذه المصطلحات من محتواها السياسي والحقوقي الجوهري، لتحولها إلى "أداة تجميلية" أمام المجتمع الدولي أو كجزء من اشتراطات التمويل والتحديث الاقتصادي.
هذا الاختطاف يخلق ما يمكن تسميته بـ "النسوية الصورية"؛ وهي حالة يُحتفى فيها بوصول نساء إلى مناصب رفيعة أو كراسي برلمانية، بينما تظل القوانين التي تحكم حياة الملايين من النساء (مثل قوانين العمل والأحوال الشخصية) جامدة أو حتى متراجعة. إنها سياسة "الواجهة الحداثية" التي تخفي خلفها بنية تحتية متهالكة من الحقوق. في هذا الإطار، يُدفع بالنساء ليكنّ "سفيرات للتحديث" في المحافل الدولية، بينما يُجردن من أدوات الحراك الحقيقي على الأرض، ويُمنعن من تكوين نقابات أو حركات نسوية مستقلة قادرة على تحديث "العقد الاجتماعي" نفسه.
يتجلى هذا المحور بوضوح في "الرؤى التحديثية" الجديدة في المنطقة، حيث يتم التركيز بشكل مكثف على "المشاركة الاقتصادية" والريادة والتحول الرقمي للنساء، مع رسم خطوط حمراء عريضة أمام "الحقوق المدنية والسياسية".
لننظر إلى مفارقة "المرأة المنتجة": تُشجَّع النساء على دخول سوق العمل والابتكار، لكن حين تطالب هؤلاء النساء بقوانين صارمة ضد التحرش في بيئة العمل، أو بحقهن في منح الجنسية لأبنائهن، أو بالحماية من العنف المنزلي، تُجابه هذه المطالب بخطاب "الخصوصية الثقافية" أو "الأولويات الوطنية".
إن هذا الخطاب يجزئ حقوق النساء؛ فيأخذ منها ما يخدم "نمو الناتج المحلي" و"صورة الدولة الحديثة"، وينبذ ما يمس "بنية السلطة الأبوية" أو "التحالفات مع القوى المحافظة". وفي لحظات الحروب أو الأزمات الاقتصادية، يتحول هذا الاختطاف إلى أداة لقمع الحراك النسوي المستقل؛ حيث تُتهم النسويات اللواتي يرفضن هذا التجميل الصوري بأنهن "ينفذن أجندات خارجية"، في حين أن الأجندة الحقيقية هي تلك التي تختزل المرأة في "رقم اقتصادي" وتصادر حقها في أن تكون "فاعلاً سياسياً" يملك لغته المستقلة.
إن قراءة هذه المحاور تكشف أن معركة النساء العربيات ليست معركة ضد "الماضي" وحده، بل هي اشتباك مع "حاضر" استعماري وسياسي معقد. إن التحدي الراهن يكمن في استعادة اللغة والقرار، وفي التأكيد على أن حقوق النساء ليست "ملحقاً" يُناقش بعد استقرار الدول، بل هي الجوهر الذي تُبنى عليه أي دولة وطنية تمتلك سيادة حقيقية.
تنويه: الآراء والأفكار الواردة في المقالات تعبّر عن رأي الكاتب/ة فقط، ولا تعبّر بالضرورة عن الموقف الرسمي للشبكة
احدث المنشورات