دراسة حالة: الحقّ في المياه في السودان
مقدمة
يُعَدّ الوصول إلى مياه نظيفة وآمنة وكافية حقًّا أساسيًا من حقوق الإنسان. وهذا الحقّ جزء لا يتجزّأ من الصحّة والتنمية والكرامة الإنسانية، وهو ضروري لتحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة الذي يُؤكِّد على ضمان وصول الجميع إلى المياه وخدمات الصرف الصحّي. ومع ذلك، فإنَّ مسألة تفعيل الحقّ في المياه في السودان تتعرّض لتقويضٍ متزايد نتيجة تفاعل معقّد بين تغيُّر المناخ والنزاع وأوجه الضعف المؤسّسي والتفاوتات الاجتماعية-الاقتصادية. لقد تطوَّرت أزمة المياه في البلد إلى حالة طوارئ إنسانية متعدّدة الأبعاد لا تُؤثِّر على بقاء الإنسان فحسب، بل تكشف أيضًا عن قضايا أوسع تتعلّق بالحوكمة والعدالة وحقوق الإنسان (برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، 2022؛ برنامج الأمم المتّحدة للبيئة، 2022).
تعتمد أنظمة المياه في السودان بشكل كبير على نهر النيل وتُواجِه ضغوطًا متزايدة بفعل تغيُّر المناخ وعدم الاستقرار السياسي. كذلك، فإنَّ التنوُّع الجغرافي في البلد، من الصحاري الجافّة في الشمال إلى المناطق الاستوائية في الجنوب، يجعل السودان عُرضة بشكل خاصّ لتقلُّبات أنماط هطول الأمطار والظواهر الجوّية القصوى، مثل موجات الجفاف والفيضانات، التي تتفاقم جرّاء تقلُّبات المناخ (سوتكليف وباركس، 2020). أدّت هذه الضغوط المناخية إلى اضطراباتٍ في إمدادات المياه، خاصّةً في المناطق الريفية والمتأثّرة بالنزاع حيث تكون البنى التحتية ضعيفة أصلًا أو غير موجودة. وتتفاقم المشكلة بفعل الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية وتدهور النُّظُم البيئية الحيوية، بما في ذلك جفاف الأراضي الرطبة وتملُّح التربة (مفوّضية الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين، 2025).
وتفاقمَ الوضع بشكل أكبر في ظلّ النزاع المسلّح المستمرّ في السودان، لا سيّما منذ اندلاع الحرب الأهلية في نيسان/أبريل 2023. فقد أدّى القتال إلى تدمير البنى التحتية المائية الأساسية، وتقييد الوصول إلى مصادر المياه، ونزوح ملايين الأشخاص. وأسفرَ النزاع أيضًا عن استخدام الموارد المائية كأدوات حرب، حيث تستهدف الأطراف المتحاربة مصادر المياه أو تمنع الوصول إليها بهدف تقويض المجتمعات أو بسط السيطرة (مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، 2024). وأسفرَ استهداف الأنظمة المائية الحيوية، إلى جانب تراجع قدرة الحكومة على الاستجابة، عن انتشارٍ واسع لانعدام الأمن المائي، خاصّةً في مناطق مثل دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان وحتّى العاصمة الخرطوم (اليونيسف، 2023أ).
تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف كيفية تداخُل النزاعات وأزمة تغيُّر المناخ وإخفاقات الحوكمة وتأثيرها لناحية تفاقُم مشكلة المياه في السودان، بتركيزٍ على الآثار الاجتماعية-الاقتصادية والحقوقية على مستوى المجتمعات المحلّية الهشّة. وتتناول الدراسة على وجه التحديد الأسباب الجذرية لانعدام الأمن المائي، واستخدام الموارد المائية كأدوات حرب، وتأثيرات تغيُّر المناخ، ودور أوجه الضعف المؤسّسي في إدارة المياه. تبحث الدراسة أيضًا في كيفية تشابُك هذه العوامل، ما يؤدّي إلى تعميق أوجه عدم المساواة، خاصّةً بالنسبة للسكّان النازحين والنساء والأطفال الذين يتأثّرون أكثر من غيرهم بأزمة شحّ المياه وتلوّثها (ساكس وآخرون، 2023).
تتبنّى الدراسة منهجيةً متنوّعة تجمع بين مقابلات نوعية مع جهات معنيّة رئيسية، من بينهم صنّاع السياسات وخبراء إدارة المياه وقادة المجتمعات المتأثّرة، إلى جانب استبيان كمّي لجمع البيانات حول توافر المياه وجودتها وإمكانية الوصول إليها. تُسلِّط الدراسة الضوء على الحاجة المُلِحَّة إلى حوكمة مائية قادرة على التكيُّف مع تغيُّر المناخ وتعزيز المساءلة في حماية الحقّ الإنساني في المياه. وتُقدِّم النتائج توصيات سياساتية لتعزيز الأمن المائي في السودان، من خلال الدعوة إلى مقاربات أكثر استدامةً وعدالةً، بحيث تكون قائمة على الحقوق في إدارة المياه، لا سيّما في المناطق الهشّة والمتأثّرة بالنزاع (برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، 2022).
احدث المنشورات
الحقّ في المياه في العالم العربي: التحدّيات والاعتبارات المتعلّقة بتغيُّر المناخ