Apr 27, 2021
شبكات المجتمع المدني في المنطقة العربية: الفرص والتحديات

الورقة البحثية حول التشبيك في المنطقة العربية وبلدانها

"شبكات المجتمع المدني في المنطقة العربية: الفرص والتحديات"

د. فوزي بوخريص


ملخص تنفيذي - تحميل الورقة البحثية الكاملة


تندرج هذه الورقة البحثية حول الشبكات و التشبيك في المنطقة العربية ضمن سياق الحوارات المزمع   تنظيمها من طرف أعضاء شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية وشركائها، لمناقشة التحديات المختلفة التي تواجهها منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية على المستوى الوطني،  وللتفكير في البدائل المطروحة ودور المجتمع المدني في التحاور مع صانعي السياسات العامة ووضع خطط عمل لمبادرات المناصرة المستقبلية


تسعى هذه الورقة إلى رصد واقع "التشبيك في المنطقة العربية: الفرص والتحديات". وتراهن من خلال ذلك على  توفير مادة معرفية علمية ودقيقة  حول التحديات التي يواجهها تشبيك المجتمع المدني في المنطقة العربية، فضلاً عن المزايا والفرص الممكنة المتاحة أمامه.


يمكن استخلاص أهم الاستنتاجات الواردة في الورقة البحثية المتعلقة بموضوع التشبيك والشبكات في المنطقة العربية، كما يلي:


• أولا:  كلمة "شبكة" قديمة، وتاريخ استعمالاتها، يكشف عن مسار طويل ضارب في التاريخ. لكن الشبكة  اليوم هي الميزة الأساسية لمجتمع عصر المعلومة، الذي صار مجتمعا شبكيا société en réseaux. ففي هذا المجتمع، يتم استعمال لفظ "الشبكة" استعمالات متعددة من الاستعمالات تنظيمية، كما هو الحال عند الحديث شبكات منظمات المجتمع المدني... الخ.


واذا كانت الشبكة كتنظيم، هي "أداة تقنية من أجل تعبئة الطاقات الإنسانية وتوجيهها نحو غايات محددة"، مع ما يفترضه ذلك من تعاون الأفراد و توزيع للأدوار والمهام وتنسيق عقلاني للأنشطة، فان شبكة المنظمات غير الحكومية، تشير إلى  "ائتلاف بين المنظمات غير الحكومية أو الأفراد العاملين فيها، يقوم على تعبئة القدرات والموارد المشتركة، من أجل دعم موقف أطرافها وتنمية قدراتهم وزيادة تأثيرهم الخارجي، بهدف تحقيق أهداف مشتركة ومصالح عامة مع الحفاظ على استقلالية كل عضو فيها". بينما يعني التشبيك  réseautage، الذي يأخذ التشبيك أشكالا مختلفة ويحمل تسميات تختلف من تجربة مجتمعية لأخرى، تشكيل شبكة من التنظيمات أو الأفراد، أو المرافق، من أجل بلوغ أهداف مشتركة.


• إن إنشاء الشبكات يعني اعتماد حلول تنظيمية من قبل فاعلين مستقلين نسبيا، انطلاقا من مواردهم وقدراتهم الخاصة، بغاية حل المشاكل المطروحة عليهم، وخاصة المشكل الأساسي، مشكل تعاونهم بهدف تحقيق الأهداف المشتركة، رغم توجهاتهم وأهدافهم المتباينة....


لهذا فاعتماد التنظيم الشبكي، ليس هدفا في حد ذاته، بل  يروم من حيث المبدأ تلبية حاجة لا يمكن أو يصعب  تلبيتها من طرف أشكال أخرى من التنظيم، بسبب محدودية موارد التنظيمات المشتتة وتعقد الوضعيات التي تواجهها.


كما أن التشبيك لا يعني تهديد هوية وثقافة المنظمات العضوة في الشبكة، بقدر ما يسمح لها بتعزيز استقلاليتها ليس فقط تجاه منظمات مدنية أخرى أقوى وإنما أيضا تجاه تدخلات السلطات والممولين، بقدر ما يتيح لها تحقيق جملة من المنافع والمكاسب.


• إن  الوعي بأهمية التشبيك متفاوت لدى منظمات المجتمع المدني بالمنطقة العربية، من مجتمع مدني لآخر، وداخل نفس المجتمع المدني. الأمر الذي يفسر أن ظاهرة التشبيك في المنطقة العربية تأخذ أشكالا وتعرف مستويات مختلفة من مجتمع لآخر.


هذا، وإن تميزت العقود القليلة الماضية بنزوع واضح لدى المنظمات غير الحكومية في المنطقة العربية نحو التشبيك. ففي ظل التحديات والتهديدات الحقيقية التي تواجه مساعي بناء التنمية وارساء الديموقراطية  وحماية حقوق الانسان، يمثل العمل المشترك بين المنظمات غير الحكومية، في إطار شبكات مدنية، ضرورة حيوية بالنسبة لهذه المنظمات، خدمة لقضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الانسان والديموقراطية.


وكشفت تجربة التشبيك في عدد من البلدان في المنطقة العربية بأن توظيف التشبيك يفرض نفسه أكثر في مجال المرافعة أو المناصرة منه في المجالات الاخرى من العمل المدني، كما كشفت بالمثل عن أهمية الارتباط الوثيق بين إشكالية المجتمع المدني وإشكالية الديمقراطية.


• لا يمكن لأي تصور حول التشبيك في المنطقة العربية، مهما كان متقدما، أن يشكل وصفة جاهزة لبناء الشبكات، ببساطة لأنه لا توجد طريقة واحدة لتشكيل الشبكات  " one best way "، ولأن شرط النجاح يتطلب دائما الإبداع ومراعاة خصوصية كل حالة.


الأمر الذي يفسر بأن شبكات منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية لم تبنى ولم تنظم بالضرورة بنفس الطريقة، لان كل شبكة من هذه الشبكات نشأت في سياق خاص، من أجل الاستجابة للمشاكل الخاصة التي تواجهها المنظمات المؤسسة لها.


ولو أن تجربة التشبيك في عدد من البلدان في المنطقة العربية كشفت بأن بناء الشبكات يتطلب عموما  التوفر على جملة من الموارد (المادية والبشرية ..)، مثلما يتطلب البناء مسلكا ديموقراطيا، ودرجة من المهنية والخبرة، كما يفترض الوعي بأن بناء الشبكات لا يتم في لحظة أو يوم، بل سيرورة تعلم جماعي، والوعي بأن عملية التشبيك أكثر أهمية من الشبكة نفسها، أي أهم من البنيات والهياكل الرسمية للشبكات، إضافة إلى الوعي بأن التشبيك لا يعني فقدان هوية وثقافة الجمعيات العضوة، بل تعزيز لهذه الهوية وهذه الثقافة، وإغنائها بأبعاد جديدة.


وكشفت تجربة التشبيك في عدد من البلدان في المنطقة العربية بأن التشبيك يتخذ غالبا بعدين أساسيين:  بعد الوظيفي، عندما يكون للأفراد المعنيين بالتشبيك هدف تحقيق نوع من المنفعة المادية المتقاسمة، وبعد استراتيجي عندما يتم تجاوز البعد الوظيفي للحديث عن وحدة الرؤيا المشتركة البعيدة المدى.
كما كشفت تجربة التشبيك بالمنطقة العربية بأن التشبيك لا يكون فقط باقتسام نفس المواقف وإنما باقتسام نفس المنافع والانتظارات والأهداف، وعلى رأسها توحيد الجهود لممارسة التأثير والضغط، وتبادل التجارب ونقل القدرات أو تقويتها.


• كما كشفت تجربة التشبيك بالمنطقة العربية بأن شرط أي نجاح في مجال التشبيك، لا يمكن أن يستند إلى وصفات جاهزة، مهما بدت فعالة، إذ يتطلب النجاح الابداع ومراعاة خصوصية السياق المحلي المعني، وطبيعة المشاكل والتحديات التي تتم مواجهتها.


كما أن نجاح أي تجربة تنظيمية في مجال التشبيك رهين بائتلاف منظمات غير حكومية غير بعيدة بعضها عن البعض الآخر من حيث الاهتمامات ومجال التدخل والتخصص، ورهين أيضا باعتماد آلية تنظيمية مرنة وأفقية ومتوافق عليها بين كل المنظمات العضوة، و تعكس المساواة في ما بينها، وتضمن مصالح الجميع، وتسمح بالاعتراف المتبادل والتقدير المتبادل كما كشفت تجربة التشبيك أيضا بأن سيرورة  التشبيك ليس مسألة بسيطة دائما، ذلك أن  تكوين الشبكات وإدارتها والحفاظ عليها يتطلب عادة الكثير من الوقت والجهد والكثير من الحذق والفعالية، وهو ما يفترض توفر الفاعلين المدنيين المعنيين  على قدرات ومهارات خاصة.


وكشفت تجارب التشبيك في البلاد العربية بأن الجمعيات، وشبكات الجمعيات بشكل خاص، تشكل  كما قال "أليكس دو طوكفيل" أداة هائلة للتغيير الاجتماعي، أو " أداة هائلة للفعل". هذه الأداة يمكن أن تصبح أكثر عطاء و أكثر قدرة على القيام بالمهام المنوطة بها (التعبئة، والتأطير، والاقتراح، والضغط  والمرافعة، وبناء المشاريع وتدبيرها الخ) إذا ما تمت تنميتها و تحسين أدائها. وبكلمة واحدة إذا ما تمت تقوية قدراتها.


• وقد كشفت تجارب التشبيك بالمنطقة أنه في حالة الشبكات الكبيرة العدد، يكون من الصعب التقريب بين الرهانات المختلفة للأعضاء كل على حدة وبين الرهان العام للشبكة، كما يصير من الصعب تدبير وحل النزاعات التي تنشأ نتيجة ذلك، فتتحول الشبكة حينها من وسيلة لتحقيق الأهداف التي تأسس من أجل بلوغها، إلى عائق يحول دون ذلك.


كما أن تجارب التشبيك الناجحة في المنطقة، تكشف بأنه من الأسهل تقوية وتدعيم الشبكات القديمة القائمة، من محاولة بناء شبكات جديدة تماما.
وتتميز الشبكات الصغيرة الحجم ببنيات تنظيمية ذات روابط قوية، خصوصا عندما توجد اتصالات مباشرة، وعلاقات وجها لوجه، بين الفاعلين المنتمين للشبكة، بينما تضعف الروابط المؤسسة للشبكة، عندما تضعف الاتصالات او تصبح غير مباشرة أو في اتجاه واحد.


وقد كشفت تجارب التشبيك في المنطقة العربية بأن منطق الحوكمة يفرض نفسه كطموح ومطلب ليس فقط على مستوى تدبير عملية التشبيك وإدارة الشبكات، وإنما أيضا على مستوى التفاعل بين مكونات الشبكات وبينها وبين شركائها. فقوة الشبكات تتعزز بإيمان أعضائها بالقيم الأساسية التي تقوم عليها (قيم العطاء والغيرية – التعاون – المسؤولية – الاستقلالية – الثقة – الاحترام المتبادل – الالتزام - التضامن-المشاركة...الخ)، وبالتزامهم بالحقوق الأساسية التي تضمنها (المشاركة في القرار وفي النقاش والتخطيط والتقييم، الاستفادة من الخبرات والتجارب المتراكمة في الشبكة...الخ) ، كما بالواجبات التي تقوم عليها (المشاركة في الاجتماعات والأنشطة، وسداد رسوم العضوية السنوية، والمساهمة في تمويل أنشطة الشبكة...الخ).