Mar 17, 2026
محطات رئيسية في مسار عملية اختيار ( تعيين ) برلمان ٢٠٢٦ في مصر - د. مجدي عبد الحميد

محطات رئيسية في مسار عملية اختيار ( تعيين ) برلمان ٢٠٢٦ في مصر

د. مجدي عبد الحميد

رغم الدعاوى والجهود المطالبة بالإصلاح وتحقيق انتقال ديمقراطي سلمي يساعد على تجاوز وتخطي الأزمات الحادة والجادة التي تمر بها البلد على كافة المستويات، والتي ارتأت في عملية الانتخابات البرلمانية الفرصة المواتية للبدء في تحقيق ذلك الإصلاح المنشود عبر الطرق السلمية الآمنة، وباستخدام الأساليب والأدوات الديمقراطية المتعارف عليها في الدولة الحديثة، وهي آلية الانتخابات وإشراك المجتمع بقواه الحية وفاعلية مؤسساته وهيئاته المدنية كافة في تحمل مسؤولية صناعة ذلك التغيير المنشود، ورغم تعليق آمال كبرى على تلك العملية ونتائجها لصياغة شكل الحياة السياسية المنوط بها التصدي لهموم الوطن والمواطنين، وإيجاد الصيغة الآمنة لتحقيق الاستقرار واختيار أنسب الحلول وأفضلها لإيجاد موطئ قدم راسخ لنا في ذلك العالم المتقلب، شديد التغيّر الذي نعيشه الآن، رغم ذلك جاءت الانتخابات في شكلها و جميع مراحلها ونتائجها لتقول لنا جملة واحدة … يبقى الحال على ما هو عليه.

إن متابعة انتخاب برلمان ٢٠٢٦ في مصر باعتبارها خطوات متتالية، لكل خطوة ما لها وما عليها من ملاحظات، بشكل منفصل عن باقي الخطوات، يجعل المتابع لا يرى ولا يتعرّف على المشهد بدقة، لذلك سأقوم الآن بتجميع وعرض كل المحطات التي شكلت مسار العملية المسماة بانتخابات برلمان ٢٠٢٦ في مصر. وذلك دون تحليل أو تفسير من جانبي، وانما فقط مجرد وضع التفاصيل كما جرت بجانب بعضها البعض ودون تدخل، ربما نستطيع قراءة وتفسير النتائج، واستشراف مستقبل عمل البرلمان الحالي ( برلمان ٢٠٢٦ - ٢٠٣٠ )

المحطة الأولى : الحوار الوطني الذي يعتبر المحطة التمهيدية الأهم التي رسمت ملامح المشهد السياسي الحالي، وبخاصة شكل برلمان 2026

وقد أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي في 26 أبريل 2022، خلال حفل "إفطار الأسرة المصرية" حيث جاء الإطلاق في توقيت دقيق اتسم بوجود أزمة اقتصادية ضاغطة على نظام الحكم، لها انعكاساتها المالية الواضحة على العملة والتضخم، مع السعي لوجود ظهير سياسي وتوافق مجتمعي حول السياسات القادمة، والحاجة لاستيعاب قوى المعارضة المدنية في إطار يبدو أنه تشاركي، مع الحفاظ على سيطرة الدولة على مخرجاته. تم تقسيم الحوار إلى ثلاثة مسارات رئيسية، أشرف عليها "مجلس أمناء" ضم أطيافاً متنوعة،

مسار سياسي : ناقش قضايا النظام الانتخابي (القائمة المطلقة ضد النسبية)، الحريات العامة، وحبس الاحتياطي، وقانون الأحزاب.

المسار الاقتصادي: ركز على التضخم، الدين العام، عجز الموازنة، وملفات الصناعة والزراعة.

المسار المجتمعي: شمل قضايا التعليم، الصحة، الهوية الوطنية، وقضايا الأسرة.

هذا وقد نجح الحوار في جذب جزء من المعارضة للمشاركة في العملية الانتخابية، بينما ظلّت مطالب الإصلاح الهيكلي (مثل قانون الحبس الاحتياطي) قيد التوصيات، دون تحوّل كامل لواقع تشريعي قبل الانتخابات.

وقد وفّر الحوار منصة نقاشيّة جعلت من القوانين الانتخابية التي صدرت لاحقاً (في منتصف 2025) تبدو وكأنها نتاج تشاور، رغم الانتقادات بأنها أُعدت "بمعزل عن روح التعددية".

وبالنتيجة فقد أسفر الحوار عن نظام انتخابي يكرّس هيمنة الأغلبية، القائمة، مع الاستمرار في تضييق النشاط الحزبي المحكوم بائتلافات الموالاة وتركيز المشاركة في الجماعات الضيّقة من أصحاب المصالح والتكتلات القبلية.

المحطة الثانية: القانون الانتخابي

رغم النقاشات الواسعة، جاءت النتائج النهائية ومآلات الحوار والتفاوض الذي استمرّ حوالي عامين كاملين، لتصب في النهاية في مصلحة "هندسة" المشهد البرلماني، حيث تم الإبقاء على القوائم المطلقة على عكس مطالبات المعارضة المدنية باعتماد نظام القوائم النسبية، والذي بدا للبعض أنه سيتحقق، ولو جزئياً، كخطوة على طريق الإصلاح التدريجي والتحول نحو الديمقراطية وتوسيع هوامش ومفهوم المشاركة المجتمعية. فقد جرت الانتخابات في النهاية بنظام القوائم المطلقة المغلقة، مما سمح لما أطلق عليه " القائمة الوطنية " بالسيطرة على أغلبية المقاعد ( أكثر من ٧٢٪؜ من البرلمان).

فقد جرت الانتخابات في النهاية تحت شعار " يبقى الحال على ما هو عليه " وذلك بالإصرار أولاً على نظام انتخابي بالقائمة المطلقة المغلقة الذي يقتل عملياً التنافسية ويجعل البرلمان "مُعيّناً بالصندوق" حيث يتم تشكيل القائمة في غرف مغلقة بعيداً عن المواطنين وعن ممثليهم من القوي السياسية المدنية.

و ثانياً: بإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية من خلال هندستها لتفتيت كتل المعارضة أو لخدمة الروابط القبلية والعائلية الموالية.

وهكذا اصبح القانون ليس مجرد نصوص تقنية، بل أداة إقصاء أو احتواء.

المحطة الثالثة: آليات وطريقة اختيار المرشحين لعضوية البرلمان والاعتبارات الحاكمة لها

تعتبر محطة اختيار المرشحين لعضوية برلمان ٢٠٢٦ هي الخطوة الأهم والأصعب، ذلك نظراً لحجم الصراعات والتوازنات الدقيقة والمصالح المرتبطة بها وفي النهاية مدى الملاءمة للدور والوظيفة المرتقبة لذلك البرلمان والمهام المنوطة به. ويمكن الوقوف على ثلاث مرتكزات رئيسية لتلك المحطة المتحكمون الرئيسيون ومتخذي القرار.

الأجهزة السيادية: وهي المنسق الفعلي للخريطة الانتخابية، الذي يضمن تحقيق التوازنات بين العائلات الكبرى، رجال الأعمال، والولاءات السياسية

حزب "مستقبل وطن": والذي لعب دور "المنظم الميداني" والممول الرئيسي للقائمة الوطنية، وقامت لجنته المركزية بفلترة آلاف الطلبات لاختيار الأكثر "ثقلاً وقبولاً".

تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين: عملت كخزان للكوادر "التكنوقراط" الموالية، حيث تم اختيار الوجوه الشابة بناءً على معايير الكفاءة الخطابية والالتزام بالخط العام للدولة.

آليات اختيار المرشحين (الفلترة)

اعتمد اختيار المرشحين، خاصة في "القائمة الوطنية من أجل مصر"، على ثلاث آليات رئيسية:

آلية "التوافق الحزبي الموجه": تم تجميع 12 حزباً (مؤيداً ومعارضة مستأنسة) في قائمة واحدة. لم تختر هذه الأحزاب مرشحيها بحرية كاملة، بل خضعت الأسماء لموافقة "الجهة المنظمة" لضمان عدم وجود عناصر صدامية.

آلية "الملاءة المالية والقدرة الحشدية": في النظام الفردي، كان المعيار الأول هو قدرة المرشح على الإنفاق الذاتي وحشد كتل تصويتية (قبلية أو عائلية)، مما يرفع عن الدولة عبء الترويج.

آلية "الاستبدال والتدوير": تم استبعاد حوالي 30-40% من أعضاء برلمان 2020، وضخ دماء جديدة لامتصاص أي نقمة شعبية تجاه الوجوه القديمة، وهو ما يسمى بـ "التغيير من داخل المنظومة".

الاعتبارات الحاكمة لمعايير الاختيار: جاءت هذه الاعتبارات لتضمن توافر ٤ شروط في المختارين للبرلمان بدرجة مرشح وهي كالتالي: الولاء المطلق لضمان تمرير القوانين السيادية والموازنات العامة دون معارضة حقيقية، القدرة التمويلية لضمان توفير التمويل اللازم للحملات الانتخابية والنشاط الخدمي للحزب، التمثيل النوعي ( الكوتا ) لاستيفاء النسب الدستورية لكل من المرأة، الشباب، الأقباط، وذلك مواجهة ديمقراطية أمام المجتمع الدولي، التكنوقراطية المتمثلة في اختيار شخصيات وظيفية يعملون كخبراء لإدارة اللجان النوعية بالبرلمان بحرفية.

المحطة الرابعة: اليوم الانتخابي

عن مجريات العملية الانتخابية نفسها ووقائع ما جرى في اليوم الانتخابي ونسب المشاركة الحقيقية في العملية الانتخابية:

بناءً على التقارير والمشاهدات الميدانية التي واكبت انتخابات برلمان 2026 في مصر، يمكن تحليل "اليوم الانتخابي" ومجرياته كحلقة وصل أساسية في عملية الاختيار التي بدأت من الغرف المغلقة وانتهت أمام صناديق الاقتراع، والتي جاءت كالتالي:

وقائع اليوم الانتخابي

اتسمت أيام الاقتراع (في المرحلتين الأولى والثانية) بظواهر تكررت في أغلب المحافظات، وهي سيادة "الحشد الموجّه": بدلاً من المنافسة السياسية البرامجية، اعتمد اليوم الانتخابي على "لوجستيات الحشد". تم رصد استخدام مكثف لوسائل نقل جماعي (ميكروباصات وأتوبيسات) تابعة لمرشحي القائمة الوطنية ورجال الأعمال، لنقل الناخبين من القرى والمصانع إلى اللجان ظاهرة "الكرتونة" والمساعدات العينية: استمرت التقارير الحقوقية المستقلة في رصد توزيع مساعدات غذائية أو مبالغ نقدية رمزية خارج المحيط الأمني للجان، وهي آلية تستهدف الطبقات الأكثر احتياجاً لضمان حضورهم وتوجيه أصواتهم.

التواجد الأمني المكثف: ساد هدوء أمني تام، حيث فرضت قوات الشرطة والجيش طوقاً حول مراكز الاقتراع، مما منع أي شكل من أشكال الاحتجاج، لكنه في الوقت ذاته خلق أجواءً يراها البعض "خانقة" للمنافسة التلقائية.

غياب مندوبي المعارضة: في أغلب اللجان، كان التواجد الوحيد لمندوبي "القائمة الوطنية" وحزب "مستقبل وطن"، بينما غاب مندوبو الأحزاب الصغيرة أو المرشحين المستقلين غير المدعومين، مما أضعف الرقابة الشعبية المباشرة على الفرز.

نسبة المشاركة: تعد قضية "نسبة المشاركة" هي النقطة الأكثر إثارة للجدل في برلمان 2026. بينما أشارت الأرقام الرسمية التي أعلنتها الهيئة الوطنية للانتخابات أن نسبة المشاركة بلغت حوالي 29% إلى 31% من إجمالي المسجلين في قاعدة بيانات الناخبين، تشير التقديرات المستقلة إلى أن المشاركة "الطوعية" كانت ضئيلة جداً، وأن الكتلة التي صوتت تتكون من ثلاث فئات رئيسية:

كتلة المصالح والخدمات: المرتبطة بشبكات رجال الأعمال والعائلات الكبرى.
الموظفون والعمال: الذين تم حشدهم عبر المؤسسات أو المصانع الكبرى.
كبار السن: الفئة التقليدية التي تشارك بدافع "الواجب الوطني" دون انتظار تغيير سياسي.

كما سجلت لجان المدن الكبرى (القاهرة، الإسكندرية) أدنى مستويات مشاركة للشباب، وهو ما يعكس قناعة لدى هذه الفئة بأن النتائج محسومة سلفاً.

الفرز وإعلان النتائج: تمت عملية الفرز داخل اللجان الفرعية، ولكن النتائج النهائية التي صدرت شابها العوار في معظم اللجان، حتى أن رئيس الجمهورية اضطرّ للتدخل بنفسه والمطالبة بضرورة مراجعة النتائج التي اتسمت بالفجاجة في بعض الدوائر الانتخابية. وقد جرت الأمور على الوجه التالي:

اكتساح القائمة الموحدة: فازت القائمة الوطنية (التي تضم تحالف الأحزاب المؤيدة) بجميع المقاعد المخصصة لنظام القوائم من الجولة الأولى.
إعادة الفردي: جرت جولات إعادة مكثفة في نظام الفردي، كانت المنافسة فيها غالباً "بين موالٍ وموالٍ آخر"، أي بين مرشح حزب "مستقبل وطن" ومرشح "مستقل" يدعم الدولة أيضاً.
كبار السن: الفئة التقليدية التي تشارك بدافع "الواجب الوطني" دون انتظار تغيير سياسي.

الخلاصة: طبيعة المشاركة في سياق سلطوي

في هذا النموذج، لم تكن الانتخابات وسيلة "لاختيار الحكام"، بل كانت "أداة لاستعراض القدرة على الحشد". فالمشاركة لم تكن تعبيراً عن رأي سياسي بقدر ما كانت استجابة لآليات الضغط الاجتماعي والاقتصادي. هذا المسار أكد فرضية "التعيين المقنّع"؛ حيث أن الناخب ذهب ليوقع على اختيار تم الاتفاق عليه مسبقاً في "المحطة الأولى" (الحوار الوطني) و"المحطة الثالثة" (اختيار المرشحين).

المحطة الخامسة : التعيينات الرئاسية واللمسة النهائية

جاء قرار رئيس الجمهورية رقم 16 لسنة 2026 بتعيين 28 عضواً ليكمّل "المشهد"؛ حيث استهدف توازن القوى كإدخال شخصيات تكنوقراط أو خبراء يحتاجهم النظام لتمرير تشريعات معينة المكافأة السياسية، تعيين شخصيات خسرت في الانتخابات لكنها مهمة للنظام، أو تمثيل فئات لم تنجح القوائم في استيعابها. وبالنهاية نجد أن هناك ثلاث عوامل حكمت مسار المحطات الخمس السابقة وهي:

الاقتصاد السياسي: حيث الحاجة لبرلمان يمرر حزم الإصلاح الاقتصادي والقروض الدولية دون معارضة حقيقية

الهاجس الأمني: حيث الرغبة في تجنب تجربة 2011 أو صعود تيارات راديكالية

تفتت المعارضة: غياب بديل منظم جعل من عملية "التعيين عبر الصندوق" أسهل تنفيذاً

الأمر الذي حول البرلمان من "سلطة تشريعية" إلى "هيئة استشارية موسعة"؛ حيث أن طريقة الاختيار والنظام الانتخابي وتقسيم الدوائر جعلت العضو مديناً بوجوده لـ "القائمة" والجهات التي وضعته فيها، وليس للناخب بشكل مباشر، مما يعزز من مفهوم "البرلمان المُعين بالصندوق".

احدث المنشورات
Mar 18, 2026
من النووي إلى المنطقة العازلة: حرب على إيران أم إعادة هندسة الشرق الأوسط؟ - زياد عبد الصمد
Mar 17, 2026
سوريا في المرحلة الانتقالية: إعادة إنتاج الاستبداد برعاية غربية - ربيع نصر