Sep 18, 2026
واقع الفضاء المدني والسياسي في تونس: تغوّل السلطة والأزمة الاقتصادية يهددان الدولة والمجتمع
صلاح الدين الجورشي
صحفي ومحلل سياسي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
صلاح الدين الجورشي

واقع الفضاء المدني والسياسي في تونس: تغوّل السلطة والأزمة الاقتصادية يهددان الدولة والمجتمع

بقلم صلاح الدين الجورشي

يناقش صلاح الدين الجورشي واقع الفضاء المدني والسياسي في تونس في ظل تزامن الضغوط على الحريات مع أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة. ويرصد المقال ضعف الأحزاب السياسية وتراجع قدرتها على التأثير، مقابل محاولات قوى المجتمع المدني استعادة المبادرة والدفاع عن الحريات، إلى جانب مؤشرات على عودة الاتحاد العام التونسي للشغل إلى دور أكثر حضورًا. ويضع الكاتب هذه التحولات في سياق أوسع من الأزمات التي تمس الحياة اليومية للتونسيين، من المياه والكهرباء إلى المواد الأساسية، معتبرًا أن استمرارها يطرح أسئلة حول قدرة الدولة على إدارة الأزمات وإمكان إعادة تشكيل موازين القوى الاجتماعية والسياسية.

يستمر الفضاء المدني والسياسي عرضة لمحاولات السلطة ضرب الأسس التي يقوم عليها وجوده، سعيًا منها للحد من قدرته على الاستقلالية والحركة والتأثير. لكن، في المقابل، توجد رغبة ملموسة في المقاومة والصمود والتحدي، ويظهر ذلك في أشكال متعددة، من أهمها استثمار الأزمات التي توالت بسرعة وكثافة خلال الفترة الأخيرة، والتي مسّت قطاعات حيوية تتعلق بعيشة التونسيين، والعمل على تحويلها إلى حالة احتجاجية مستمرة، على أمل أن تساعد على تشكيل موازين القوى بين السلطة من جهة وبين الأجسام المنظمة لهذا الفضاء المدني والسياسي من جهة أخرى. لكن الخلافات والصراعات بين مكونات المجتمع السياسي والمدني لا تزال مستمرة، وإن خفّت قليلًا، ولا تزال تشكل تحديًا هامًا، وتعطل هذا الحراك وتحول دون أن يكتسب شروط القوة ليفرض مطالبه ويسرع في عملية التغيير.

مرّ التونسيون بظرف استثنائي خلال هذا الصيف، بلغ ذروته في شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس، وقد يستمر خلال شهر أيلول/سبتمبر. لقد تفاقمت أزمتا انقطاع الكهرباء والماء الصالح للشرب، مما أدى إلى نقص فادح في كميات المياه المعدنية، وكاد الأمر أن يصيب التونسيين بعطش شديد. حصل ذلك بعد سلسلة الحرائق التي أصابت أهم الغابات التونسية نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، وكان لذلك الأثر السيئ على عيش التونسيين وعلى نمط حياتهم، مما دفع ببعض الوحدات العسكرية نحو التدخل للمساعدة على توزيع المياه في بعض المناطق، في حين جدد رئيس الجمهورية اتهامه لقوة خفية تقف وراء انقطاع الماء والكهرباء نتيجة «أعمال مدبرة».

معظم القطاعات الحيوية يشملها الاضطراب

شهدت السنة الجارية بالذات تواتر الأزمات التي مسّت عديد المواد الأساسية للتونسيين مثل الدواء والسكر والزيت النباتي والحليب والزبدة والسميد والمقرونة والرز والقهوة والشاي والدواجن واللحوم الحمراء والمحروقات وقوارير الغاز والبطاطا والحديد والأعلاف المركزة، والكتاب والكراس المدرسي والأسمدة المخصصة للزراعة. وقد كشفت هذه الأزمات عن العجز المتفاقم الذي جعل التونسيين يخرجون من أزمة ليجدوا أنفسهم واقعين في أزمات أخرى.

لا يعني ذلك أن الفترة التي سبقت انفراد الرئيس سعيّد بالسلطة المطلقة قد خلت من بعض هذه الأزمات، لكن ما يلفت النظر أن تواترها وتزامنها أصبح أسرع وأكثر شمولًا من قبل، وهو ما يدل على أن الخلل الهيكلي الناتج عن السياسات الاقتصادية الراهنة قد أصبح أكثر عمقًا وخطورة مقارنة بما حصل من قبل. وهو ما دفع بالجميع إلى حالة من الذعر، حيث تعددت الأسئلة حول مآل هذه الأوضاع في المستقبل القريب، وضرورة التفكير في البدائل الممكنة والقادرة على مواجهة التحديات.

كما أن البعض، عبر البيانات ومواقع التواصل الاجتماعي، اعتبروا أن المشكلة المطروحة حاليًا أكبر من مجرد مطالبة الرئيس سعيّد بالاستقالة، وإنما تكمن بالأساس في غياب آليات لتحقيق الانتقال المؤسساتي بشكل آمن، وبعيدًا عن احتمال انهيار الدولة ومؤسساتها، وتجنب الوقوع في سيناريو مغامرات العسكرة أو الفوضى.

المشكلة المطروحة حاليًا أكبر من مجرد مطالبة الرئيس سعيّد بالاستقالة، وإنما تكمن بالأساس في غياب آليات لتحقيق الانتقال المؤسساتي بشكل آمن.

مواجهة بين نظام منفرد ومعارضة ضعيفة

الجميع يعلمون بأن الأحزاب التونسية، بدون استثناء، وجدت نفسها بعد خمس سنوات من الحكم المطلق ضعيفة، وغير قادرة حاليًا على تصدر المشهد. قادتها في السجون، وأنصارها تراجع وزنهم السياسي نتيجة تضييق الخناق على الفضاء المدني والسياسي، إلى جانب الهوة التي تفصل هذه الأحزاب عن عموم التونسيين نتيجة انخفاض نسب المشاركة في الشأن العام، وفقدان الثقة في الأحزاب والجدوى من العمل السياسي. لكن، مع ذلك، بقي هناك الحد الأدنى من الوجود الحزبي المتفاوت في القوة والتأثير.

المجتمع المدني يحاول

يلاحظ اليوم أن المجتمع المدني وجد نفسه، رغم الضربات التي تلقتها الجمعيات المختلفة، خاصة العاملة في مجال التنمية السياسية والمواطنية، يحاول أن يتصدر المشهد من جديد، مثلما حصل في عهد الرئيس بن علي.

في هذا السياق، تشكلت مبادرة «نفس» التي أطلقها أصحابها بتاريخ 5 أيار/مايو من العام الجاري، وحددوا هويتها بكونها «تحركًا مواطنيًا مدنيًا سلميًا، مفتوحًا أمام مختلف فئات المجتمع، من صحفيين ومحامين وأكاديميين ومدونين ونشطاء»، هدفها الدفاع عن الحريات الأساسية وفي مقدمتها حرية التعبير. وأعلن مؤسسوها أنهم مجموعة من النشطاء غير المنتسبين للأحزاب.

ونجحت هذه المبادرة في تنظيم ثلاث مسيرات حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، وتمكنت من تحريك الساحة السياسية والاجتماعية، متحدية الصعوبات الكثيرة، وتمكنت بالخصوص من تجاوز الخلافات بين الأحزاب، خاصة بين الحزب الدستوري الحر وبين حركة النهضة. هكذا تمت مسيرات اعتُبرت لافتة للنظر، جمعت معظم الأطراف، وذلك أيام 5 حزيران/يونيو و25 تموز/يوليو و20 آب/أغسطس، وتمكنت من الوصول إلى مشاركة آلاف التونسيين والتونسيات من مختلف المشارب والاتجاهات السياسية والاجتماعية.

وقد تم اعتقال أحد مؤسسي المبادرة، سيف الدين العرفاوي، على إثر مشاركته في المسيرة الأخيرة، وذلك بناءً على الفصل 86 من مجلة الاتصالات المتعلق بـ«الإساءة إلى الغير عبر الشبكات العمومية».

هذا المناخ الذي يتسم بالتضييق على الحريات دفع بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل نحو الانزواء وخفض الصوت خلال الأشهر الماضية، لكن في الفترة الأخيرة يحاول تجاوز حالة الركود، ويؤشر على احتمال أن يتخلى نسبيًا عن سياسة تجنب مواجهة السلطة والقبول بالحد الأدنى. فاللقاء الذي جمع مؤخرًا الأمين العام للاتحاد بعميد المحامين يندرج، حسبما قيل، ضمن استعداد الاتحاد لمشاركة بقية المنظمات الوطنية في القيام بتحرك وطني للدفاع عن مكتسبات البلاد، دون تحديد طبيعة هذا التحرك.

كما أصدر الاتحاد الجهوي للشغل بمدينة صفاقس، من جهته، وهو المعروف بتاريخه النضالي الكبير في صفوف الحركة النقابية، بيانًا شديد اللهجة عبّر فيه عن رفضه القاطع «لسياسة التفرد بالسلطة، وإقصاء الأطراف الاجتماعية، وضرب العمل النقابي». كما شدد على أن خطاب «المؤامرة» الذي تعتمده السلطة لترهيب معارضي السلطة والمجتمع المدني وتبرير الأزمات الاجتماعية المتتالية لم يعد يقنع الرأي العام، وانتقد بقوة ما وصفه بـ«العجز التام لمنظومة 25 جويلية».

لقد أثر انسحاب الاتحاد العام من المشهد الاجتماعي والسياسي خلال الأشهر الأخيرة سلبًا على تونس، ومكّن السلطة من الانفراد بقيادة البلاد وإقصاء بقية الأطراف الفاعلة أو تهميشها. ويعود ذلك بالأساس إلى الأزمة الداخلية العميقة التي مر بها الاتحاد، والتي لا تزال تداعياتها قائمة حتى الآن. وقد يساعد هذا التحرك الذي تنوي القيادة النقابية القيام به على تعديل موازين القوى ولو نسبيًا، ومحاولة التصدي للتراجعات الكبرى التي تشهدها الساحة الاجتماعية.

تونس مقدمة على صراع اجتماعي خطير

تدل كل المؤشرات على أن شهر أيلول/سبتمبر وما يليه سيكون ساخنًا سياسيًا واجتماعيًا بسبب تعمق الأزمة الاجتماعية. وهو ما دفع بعدد من أعضاء البرلمان، الذي تم انتخابه في ظل المرحلة الرئاسية الثانية لعهد الرئيس سعيّد، إلى المطالبة بعقد جلسة عامة استثنائية وعاجلة لمناقشة الأوضاع في البلاد، تخصص لمناقشة الأزمة الشاملة الراهنة. ووصفوا الحالة بـ«الوضع البالغ الخطورة بعد أن تفاقم عدد ضحايا الاختناق الحراري ونقص المواد الأساسية وتصاعد الاحتقان الاجتماعي».

وأكد هؤلاء النواب في بيانهم أن «الوضع المأزوم يتجاوز الاختلالات الظرفية ليطرح تساؤلات بشأن قدرة الدولة على إدارة الأزمات».

تمر تونس بظرف عصيب أشد خطورة وهشاشة من السنوات التي عقبت الثورة، وهو ما فتح المجال واسعًا أمام المراقبين للتساؤل حول مدى قدرة السلطة الحالية على الصمود ومعالجة المشاكل الكبرى والمتعددة والمتزامنة التي تمر بها البلاد، خاصة في ظرف تعاني فيه الأحزاب الوازنة والمنظمات المدنية والقوى الاجتماعية ضعفًا ملحوظًا، وهي غير مهيأة لإدارة الشأن العام في غياب برنامج سياسي واجتماعي.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر حصراً عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء أو مواقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
احدث المنشورات
Aug 22, 2026
النشرة الشهرية للشبكة · آب/أغسطس 2026 من الالتزامات إلى المساءلة
Aug 21, 2026
التنمية المستدامة تتطلب إعادة تعريف مفهوم التقدم - روبرتو بيسيو