Aug 21, 2026
التنمية المستدامة تتطلب إعادة تعريف مفهوم التقدم - روبرتو بيسيو
روبيرتو بيسيو
منسق الأمانة العامة - الراصد الاجتماعي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
روبيرتو بيسيو

التنمية المستدامة تتطلب إعادة تعريف مفهوم التقدم

بقلم روبرتو بيسيو

في هذه المساهمة، يتناول روبرتو بيسيو النقاشات التي شهدها المنتدى السياسي رفيع المستوى لعام 2026 في ظل تعثر التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويربط بين النزاعات وتزايد أعباء الديون وسياسات التقشف وتراجع الإنفاق الاجتماعي، متسائلًا عن الادعاء بأن نقص الموارد يشكّل العائق الأساسي أمام توسيع الحماية الاجتماعية. كما يسلط الضوء على التفاوت الكبير في توزيع الثروة وعلى البدائل المتاحة لتمويل السياسات الاجتماعية. وفي جوهر المقال، يدعو بيسيو إلى إعادة النظر في كيفية قياس التقدم، مؤكدًا أن الناتج المحلي الإجمالي ودخل الفرد لا يعكسان بصورة كافية الرفاه أو العدالة الاجتماعية أو الاستدامة البيئية. ومن هنا، يبرز أهمية النقاش الدولي المتنامي حول تجاوز الناتج المحلي الإجمالي واعتماد مؤشرات أوسع تلتقط الأبعاد الاجتماعية والبيئية والتوزيعية للتنمية المستدامة.

اجتمع وزراء ودبلوماسيون من مختلف أنحاء العالم في تموز/يوليو الماضي في مقر الأمم المتحدة في نيويورك لتقييم التقدم المحرز نحو التنمية المستدامة والأهداف المحددة في أجندة 2030. ولم ترسم بياناتهم الختامية صورة متفائلة، إذ جاء فيها: «نقرّ بأن التقدم... بعيد جدًا عن المسار المطلوب»، و«نحن مقصّرون في مواجهة تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والتصحر»، وبما أنه «لا يمكن أن تكون هناك تنمية مستدامة من دون سلام، ولا سلام من دون تنمية مستدامة»، فقد أعرب الوزراء عن «قلق بالغ إزاء تزايد النزاعات واستمرارها في العالم».

وفي إطار صراعات القوة العالمية هذه، تنخرط الولايات المتحدة وبعض أقرب حلفائها، مثل إسرائيل والأرجنتين، في مواجهة مع جوانب أساسية من القانون الدولي والتعاون متعدد الأطراف، من خلال مقاطعة المحاكم الدولية وتقويضها، أو وقف تمويل عدد من وكالات الأمم المتحدة، وفرض تخفيضات حادة في ميزانية المنظمة.

وفي المقابل، استخدمت أغلبية ساحقة من الدول الأعضاء الـ193 في الأمم المتحدة المنتدى فرصة للتعبير عن دعمها للتعددية وميثاق الأمم المتحدة، وقدمت 36 دولة خلال الفعالية استعراضاتها الوطنية الطوعية حول كيفية تنفيذ أهداف التنمية المستدامة على المستوى الوطني.

وشهد المنتدى السياسي رفيع المستوى أكثر من 200 فعالية جانبية، أُقيم نحو مئة منها داخل مبنى الأمم المتحدة، بينما نُظمت بقية الفعاليات في مواقع مختلفة حول مقر الأمم المتحدة أو افتراضيًا. ويشكل ذلك دلالة لافتة على الالتزام بفكرة التنمية المستدامة ومبادئها، رغم تعرضها للهجوم من جانب عدد صغير جدًا من الدول شديدة القوة.

يُطلق على برنامج الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، الذي اعتمدته الدول الأعضاء عام 2015 بعد مفاوضات مكثفة، اسم «أجندة 2030» اختصارًا، لأن العديد من الغايات القابلة للقياس المدرجة ضمن أهداف التنمية المستدامة تحدد بدقة ما ينبغي تحقيقه بحلول ذلك التاريخ. لكن عام 2030 ليس تاريخ انتهاء، بل محطة مرحلية. والحاجة الملحة اليوم ليست إلى تحديد أهداف وغايات جديدة، بل إلى تجاوز العقبات التي تبطئ التقدم أو تحرفه عن الأهداف المتفق عليها.

لكن عام 2030 ليس تاريخ انتهاء، بل محطة مرحلية. والحاجة الملحة اليوم ليست إلى تحديد أهداف وغايات جديدة، بل إلى تجاوز العقبات التي تبطئ التقدم أو تحرفه عن الأهداف المتفق عليها.

وخلال إحدى الفعاليات الجانبية للمنتدى السياسي رفيع المستوى، التي أدارها كاتب هذه المداخلة وشارك فيها ممثلون عن الحكومات والأوساط الأكاديمية وخبراء من المجتمع المدني، جرى تحديد الموجة الجديدة من تدابير التقشف بوصفها إحدى هذه العقبات. وكنتيجة مباشرة للنزاعات المحيطة بمنطقة الخليج، ارتفعت أسعار النفط والأسمدة في مختلف أنحاء العالم، كما ارتفعت أسعار الفائدة.

وأصبحت الدول النامية أكثر مديونية، وبات عليها دفع مبالغ أكبر كفوائد على ديونها. ومن أجل موازنة حساباتها، يوصي صندوق النقد الدولي ووكالات التصنيف الائتماني باتخاذ تدابير تقشفية، ونشهد موجة من التخفيضات في منافع الضمان الاجتماعي وفي الإنفاق العام على التعليم والصحة.

وقد عرضت إيزابيل أورتيز، مديرة منظمة العدالة الاجتماعية العالمية، بالتفصيل تسعة بدائل للتمويل مستخدمة بالفعل حول العالم وتحظى بتأييد المؤسسات المالية الدولية، بدءًا من الضرائب على الثروات والأرباح الاستثنائية وصولًا إلى مكافحة التدفقات المالية غير المشروعة وإعادة هيكلة الديون، مؤكدة أن هذه الخيارات ينبغي اتخاذها من خلال حوار وطني مفتوح لا خلف الأبواب المغلقة.

وتُعد الحماية الاجتماعية بوضوح آلية للتقدم نحو أهداف القضاء على الفقر، والحد من أوجه اللامساواة، وتعزيز صحة الأطفال والأمهات. إلا أن الحجة المعتادة لعدم التقدم في هذا الاتجاه هي أنه «لا توجد أموال». وهذا غير صحيح، بحسب أوليفييه دي شوتر، الذي شغل منصب مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالفقر المدقع بين عامي 2020 و2026.

فخلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، تضاعف متوسط نصيب الفرد من الدخل العالمي ثلاث مرات، من 5,500 دولار عام 2000 إلى 14,400 دولار عام 2025. لكنه أوضح أن «أغنى 1% استحوذوا على 41% من هذه الثروة العالمية الجديدة، مقابل 1% فقط لأفقر نصف من السكان». واقترح دي شوتر تمويل الحماية الاجتماعية الشاملة من خلال إصلاح الضرائب على الثروة والميراث، والتعامل مع الإنفاق الاجتماعي باعتباره استثمارًا طويل الأجل، وتوجيه السياسة النقدية نحو الأهداف الاجتماعية والبيئية. كما أشار إلى أن دعم الوقود الأحفوري عالميًا يبلغ 423 مليار دولار سنويًا، ويستفيد من نحو نصفه أغنى خُمس السكان.

ويُعد هذا الغياب الصارخ للعلاقة بين نمو الناتج المحلي الإجمالي والتقدم في الرفاه أو الحد من الفقر أحد الأسباب التي تجعل دخل الفرد مؤشرًا غير مناسب للتقدم الاجتماعي. وإضافة إلى ذلك، يرتبط نمو الناتج المحلي الإجمالي ارتباطًا قويًا بزيادة انبعاثات الكربون، ما يجعله أيضًا مؤشرًا غير ملائم لقياس الاستدامة.

وقد أوصت مجموعة خبراء عيّنها الأمين العام للأمم المتحدة بلوحة مؤشرات تضم نحو 30 مؤشرًا، نصفها تقريبًا مأخوذ من أهداف التنمية المستدامة، إلى جانب أجندة للبيانات والبحوث تهدف إلى تعزيز الأنظمة الإحصائية الوطنية وتطوير مؤشرات مكملة بمرور الوقت تلتقط الأبعاد التوزيعية وغير السوقية للتقدم.

كما انطلقت في نيسان/أبريل عملية حكومية دولية بشأن «ما بعد الناتج المحلي الإجمالي»، برئاسة مشتركة بين إسبانيا وغيانا. وكانت الحاجة إلى استبدال الناتج المحلي الإجمالي في دوره الحالي بوصفه المقياس الرئيسي، وغالبًا الوحيد، لـ«التنمية» قد أُقرت بالفعل في قمة الأرض عام 1992، لكنها واجهت معارضة هائلة.

ولا يزال البنك الدولي يصنف الدول وفقًا لمستويات الدخل، فيما كثيرًا ما تقاوم الدول التي تُسمى «متقدمة» المؤشرات التي تقيس الآثار السلبية غير المباشرة لاستهلاكها المفرط على الدول الأكثر فقرًا.

ويقال في السياسات العامة إن «ما لا يمكن قياسه لا يُحسب». وإذا تمكنت الحكومات أخيرًا من الاتفاق على قياس التقدم بطريقة مختلفة، فإن النموذج الجديد المتجسد في مفهوم التنمية المستدامة سيصبح أخيرًا ذا وزن فعلي.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر حصراً عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء أو مواقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
احدث المنشورات
Aug 17, 2026
إصلاح الأمم المتحدة: ما هو أبعد من إصلاح المؤسسات - زياد عبد الصمد
Aug 17, 2026
قمة جبل الجليد - بيهتر موسكيني وجوزيف شيكلا