حارسات المياه: عن السلطة والحرب والبقاء
جيهان ابوزيد
حين يُنتزع الماء تختفي حياة كاملة
حين أمسكت إحدى نساء الجبايش أول عود قصب بين يديها بعد سنوات طويلة، لم تكن تتعلّم حرفة جديدة، بل كانت تحاول أن تستعيد جزءاً من حياتها. جلست إلى جوار نساء أكبر منها سناً، من الجيل الذي ما زال يحفظ بأصابعه الحركة القديمة لنسج القصب، يراقبن محاولاتها بصبر ويصححنها بابتسامة. رفعت المرأة العيدان قليلاً وقالت، وكأنها تحدث نفسها أكثر مما تحدث من حولها: "علّمتني أمي هذه الحرفة؛ كانت جزءاً من حياتنا. لكننا توقفنا لأن المواد أصبحت شحيحة."
في تلك الكلمات القليلة تختصر حكاية الأهوار كلها: حين يُنتزع الماء، لا تختفي الموارد وحدها، بل تختفي حياة كاملة ونظام اجتماعي كان الماء عموده الفقري. فالأهوار لم تكن، في يوم من الأيام، مجرد مساحة واسعة من الماء، بل عالماً كاملاً تشكّل حوله أسلوب حياة؛ بيوت تُبنى من القصب، وحصر وسلال تُنسج في البيوت، وجواميس تعيش بين القنوات المائية، ومهارات تنتقل من الأمهات إلى البنات كما تنتقل الحكايات. كان الماء أكثر من مورد طبيعي؛ كان الإيقاع الذي تنظم به الحياة اليومية.
لكن هذا الإيقاع لم ينكسر بفعل الطبيعة، بل بفعل قرار سياسي غيّر مجرى الحياة كلها. فالجفاف الذي ضرب الأهوار في التسعينيات لم يكن جفافاً طبيعياً، بل عملية تجفيف ممنهجة استهدفت المكان ومن عاشوا فيه، فاختفى الماء ومعه القصب والجواميس والمهن والذاكرة.
من الأهوار إلى نمط إقليمي أوسع
وما حدث في الأهوار ليس سوى أحد تجليات بنية سياسية أوسع تُعيد تشكيل علاقة الناس بالماء في المنطقة كلها. فحين يتحول الماء من شرط للحياة إلى أداة سلطة، تتشابه الحكايات مهما اختلفت الجغرافيا: احتجاجات فجيج، استنزاف زاكورة، لجان النساء في اليمن، والحرمان المائي الممنهج في فلسطين. عند هذه النقطة يصبح من الضروري الانتقال من سرد الوقائع إلى تحليل البنية التي تنتجها.
ومن هنا، لا يعود ممكناً قراءة الأهوار كقصة محلية، بل كجزء من نمط إقليمي تُنتزع فيه المياه ويُمركَز القرار، بينما تتحمل النساء العبء الأكبر. فالقصة التي تبدأ بامرأة تحاول استعادة مهارة منسية، تنتهي بواقع سياسي يجعل النساء في الخط الأمامي للأزمة، وفي الخط الأخير لصنع القرار.
فحين يتحول الماء من شرط للحياة إلى أداة سلطة، تتشابه الحكايات مهما اختلفت الجغرافيا.
جذور تاريخية لإقصاء المجتمعات عن إدارة المياه
ولفهم هذه البنية ، لا يكفي النظر إلى اللحظة الراهنة وحدها. فالنمط الذي يتكرر اليوم في الأهوار وفجيج وزاكورة واليمن وفلسطين له جذور أعمق بكثير، تعود إلى اللحظة التي تغيّرت فيها علاقة المجتمعات العربية بالماء لأول مرة. فقبل قيام الدولة الحديثة، طوّرت المجتمعات العربية أنظمة محلية دقيقة لإدارة المياه، مبنية على معرفة بالمكان وتوازن اجتماعي حافظ على المورد عبر أجيال. لكن الاستعمار أعاد رسم هذه العلاقة جذرياً. ففي المغرب، فكّك الاستعمار أنظمة الخطارات التي كانت تُوزّع المياه وفق قواعد عرفية دقيقة، وفي فلسطين أعادت الإدارة البريطانية صياغة قوانين ملكية المياه والأراضي بطريقة تركت آثاراً طويلة على الوصول إلى الموارد، أما في العراق فقد تحوّلت البيئة المائية لاحقاً إلى أداة عقاب سياسي، وكان تجفيف الأهوار في التسعينيات مثالاً صارخاً على استخدام الماء كوسيلة للسيطرة على مجتمع كامل.
بعد الاستقلال، ورثت الدول العربية مؤسسات مركزية حديثة ترى في إدارة المياه جزءاً من مشروع بناء الدولة. توسعت شبكات المياه والسدود والري، لكن هذا التوسع حمل مفارقة واضحة: كلما زادت مركزية الدولة، تراجعت المشاركة المحلية. أصبحت القرارات المتعلقة بالمياه تُتخذ في مراكز بعيدة عن القرى والواحات التي ستتحمل نتائجها، وتقلّص دور المجتمعات التي كانت تدير المياه وفق معرفة متوارثة. وهكذا انتقلت إدارة الماء من يد من يعرفه ويعيش معه، إلى يد من يراه رقماً في تقرير أو بنداً في ميزانية.
الإصلاح الهيكلي وتحويل الماء إلى سلعة
ثم جاءت مرحلة جديدة في الثمانينيات والتسعينيات، حين دخلت المنطقة في دوامة الإصلاح الهيكلي والقروض المشروطة. ارتبطت توصيات البنك الدولي وصندوق النقد بتقليل الإنفاق الحكومي، وخصخصة الخدمات، وإدخال القطاع الخاص في إدارة المياه، وتسعير المياه وفق “الكلفة الحقيقية”، وربط الوصول إلى الماء بالقدرة على الدفع. قُدمت هذه السياسات باعتبارها إصلاحاً وكفاءة، لكنها في الواقع أعادت تعريف الماء من شرط للحياة إلى سلعة، ونقلت مسؤولية التكيف مع النقص من الدولة إلى الأسر، ومن الأسر إلى النساء تحديداً.
النساء في قلب الأزمة
هذا التحوّل البنيوي هو ما يجعل النساء في قلب الأزمة. فحين ترتفع التعريفات أو تنهار الشبكات أو تُخصخص الخدمة، لا يظهر ذلك في المؤشرات الاقتصادية فقط، بل في ساعات العمل اليومية التي تُقتطع من حياة النساء والفتيات. في اليمن، تقضي النساء ساعات طويلة في رحلات جلب الماء، معرضات للتحرش والعنف في مناطق النزاع، وفي المغرب القروي تُسحب الفتيات من المدارس لتأمين الماء للأسرة، وفي غزة تتحول كل نقطة ماء إلى معركة يومية في ظل تدمير أكثر من 85% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي. هذا ما تُسمّيه الأدبيات “العمل المُجسَّد غير المرئي”: العمل الذي لا يظهر في الإحصاءات لأنه يُنجزه من لا صوت له في صياغتها.
لكن الأزمة لا تتوقف عند ضريبة الوقت والجسد، بل تمتد إلى ما يمكن تسميته “العنف البنيوي المتراكم”. ففي واد الرمان بالمغرب، تروي امرأة أن شحّ الماء دفع زوجها إلى الهجرة، وأنها أصبحت تنفر من جسدها بسبب غياب الماء، مما أدى إلى عنف داخل الأسرة، ودفعها إلى تزويج ابنتها ذات الخمس عشرة سنة “مخرجاً” من مصير مشابه. وفي اليمن، وثّقت منظمات دولية تعرض النساء للعنف الجنسي خلال رحلات جلب الماء. هذه القصص تكشف أن ندرة المياه ليست مجرد مشكلة تقنية، بل حلقة في سلسلة سببية تُنتج العنف وتعيد إنتاجه.
من المعاناة إلى المقاومة
غير أن النساء لا يقفن عند حدود المعاناة، بل يصنعن مقاومتهن الخاصة. في فجيج، خرجت النساء بالحايك الأبيض احتجاجاً على نقل إدارة المياه من نظام عرفي جماعي إلى شركة حكومية. لم يكن خروجهن رمزياً، بل كان إعلاناً بأنهن يعرفن الماء معرفة لا تُكتسب من التقارير الهندسية: يعرفن متى يأتي ومتى يشحّ، وكيف تُوزّع الحصص بعدالة، وكيف تُحلّ الخلافات قبل أن تتحول إلى نزاعات. كان احتجاجهن دفاعاً عن نظام معرفي عمره قرون، وعن حق المجتمع في تقرير مصير مورده.
زاكورة: مقاومة استنزاف المياه الجوفية
وفي زاكورة، حين تمدّدت زراعة البطيخ الأحمر فوق أراضٍ عطشى، خرج السكان احتجاجاً، وكانت النساء في مقدمة المطالبين بوقف استنزاف المياه الجوفية. صحيح أن الحظر المؤقت على زراعة البطيخ عام 2024 أوقف الفعل، لكنه لم يغيّر الشروط الاقتصادية التي أنتجته، ولم يواجه المستثمرين الكبار الذين يجنون الأرباح بينما تتحمل القرى كلفة الجفاف. ومع ذلك، كان الاحتجاج إعلاناً بأن المجتمع قادر على مقاومة السياسات التي تُعيد توزيع الموارد على حسابه.
اليمن: النساء مديرات فعليات للمورد
وفي اليمن، حين غابت الدولة وغابت الكهرباء، تولت النساء الإدارة بأنفسهن. تشكلت لجان نسوية في قرى تعز والحديدة وحجة لتنظيم الدور، وتحديد الحصص، وتركيب مضخات شمسية. لم تُنهِ هذه المبادرات العطش، لكنها أعادت تعريف دور النساء من متلقيات للمساعدة إلى مديرات فعليات للمورد، وصانعات لبدائل محلية في مواجهة انهيار الدولة.
الأهوار: صون المعرفة البيئية
وفي الأهوار، تستعيد النساء مهاراتهن التقليدية في نسج القصب وصناعة منتجات الألبان، ليس بوصفها حرفة، بل بوصفها مقاومة لنظام معرفي آخذ في الاندثار. حين تعود امرأة إلى القصب، فهي لا تعود إلى مادة، بل إلى علاقة بالمكان، وإلى تاريخ من المعرفة البيئية التي قاومت التجفيف والتهميش.
النساء فاعلات لا ضحايا
هذه الأمثلة تكشف أن النساء لا يتحملن عبء الأزمة فقط، بل يصنعن استراتيجيات مقاومة متعددة: احتجاج جماعي، تنظيم محلي، تكيّف يومي، وصون للمعرفة البيئية. وهي مقاومات تُعيد تعريف الماء بوصفه علاقة اجتماعية لا سلعة اقتصادية، وتُعيد تعريف النساء بوصفهن فاعلات لا ضحايا.
أزمة المياه هي أزمة سلطة
ما يجمع الأهوار وفجيج وزاكورة واليمن وفلسطين ليس الجفاف وحده، ولا الحرب وحدها، ولا تغير المناخ وحده، بل حقيقة سياسية واحدة: أزمة المياه هي أزمة سلطة. حين يُنتزع القرار من المجتمعات، وحين تُصاغ السياسات تحت ضغط الاستعمار القديم أو البنك الدولي الحديث، يتحول الماء من مورد للحياة إلى أداة تحدد من يستطيع أن يعيش حياة كريمة، ومن يُطلب منه أن يتدبر أمره بما تبقى. وفي قلب هذه المعادلة تقف النساء، لا لأنهن الأضعف، بل لأنهن الأكثر حملاً للأزمة والأكثر قدرة على مقاومتها
احدث المنشورات