Nov 03, 2026
حوكمة المخيمات: سيادة الدولة وضمان الحقوق وصون حق العودة - زياد عبد الصمد
زياد عبد الصمد
المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
زياد عبد الصمد

حوكمة المخيمات: سيادة الدولة وضمان الحقوق وصون حق العودة

زياد عبد الصمد

ملخص المقال

يتناول زياد عبد الصمد المشاورات حول الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان، مؤكدًا أهمية الجمع بين سيادة الدولة وتطبيق القانون وضمان الحقوق المدنية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين، من دون المساس بحق العودة أو التمهيد للتوطين. ويدعو إلى إصلاحات تشريعية ومؤسساتية، ومشاركة سكان المخيمات، واستمرار مسؤولية الأونروا والمجتمع الدولي.

يفتح إطلاق المشاورات حول الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان فرصة لمعالجة ملف طالما خضع للتأجيل وتداخل المسؤوليات والمعالجات الجزئية. وتكمن أهمية هذه المبادرة في إمكان إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة اللبنانية واللاجئين الفلسطينيين، على أساس يجمع سيادة الدولة وانتظام عمل مؤسساتها، وضمان الحقوق والكرامة الإنسانية، والتمسك بحق العودة ورفض التوطين والتهجير.

هذا هو الإطار الذي شدّد عليه رئيس الحكومة نواف سلام في كلمته عند إطلاق المشاورات. فقد أكد خضوع المخيمات للسيادة والقانون اللبنانيين، وضرورة أن يصبح حضور مؤسسات الدولة فيها واضحًا ومنتظمًا، ضمن مقاربة تشمل الأمن والقضاء والإدارة والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية. كما ربط تحسين أوضاع اللاجئين بالمصلحة الوطنية اللبنانية، وأكد أهمية إعداد قانون شامل ينظم حقوقهم وواجباتهم، مع صون حق العودة واستمرار دور الأونروا ومسؤولية المجتمع الدولي. (pcm.gov.lb)

تستحق هذه المقاربة الدعم، لأنها تضع مسؤولية الدولة في إطارها الكامل. فالسيادة تشمل تطبيق القانون وحصرية السلاح وحماية الأمن، كما تشمل ضمان العدالة وتنظيم الخدمات وصون كرامة جميع المقيمين. وانتظام المؤسسات يعني وضوح الصلاحيات والمسؤوليات، وإمكان الوصول إلى القضاء، وخضوع الإدارة والأجهزة للمساءلة. وكلما مارست الدولة هذه الوظائف بعدالة وفاعلية، تعززت الثقة بها وبقدرتها على الحماية.

لكن الانتقال من المبادئ إلى التنفيذ يتطلب التعامل الجدي مع هواجس متقابلة. فثمة لبنانيون يخشون أن يؤدي توسيع حقوق اللاجئين إلى تثبيت إقامتهم وتحويل اللجوء تدريجيًا إلى توطين دائم. وفي المقابل، يخشى فلسطينيون أن تتقدم الإجراءات الأمنية والإدارية، فيما تبقى حقوقهم الأساسية مؤجلة، وأن يُطلب منهم الوثوق بترتيبات جديدة من دون ضمانات كافية للحماية والمشاركة.

لا يجوز اختزال هذه الهواجس في سوء نية أو رفض للإصلاح. فالذاكرة الفلسطينية تحمل تجارب من القيود والتجاوزات والحرمان، فيما يرتبط القلق اللبناني بتاريخ البلاد وتركيبتها وأزماتها، وبالخوف من تحميلها نتائج تسويات إقليمية لا تملك التأثير الكافي في صياغتها. والمطلوب أن تعالج السياسة العامة أسباب هذه المخاوف، بدلًا من تركها تتغذى بعضها من بعض.

ويزيد السياق الإقليمي تعقيد المسألة. فالتوسع الاستيطاني والتهجير القسري وتضييق شروط الحياة على الفلسطينيين تجعل الخشية من تثبيت اللجوء أكثر إلحاحًا. وقد وثّقت تقارير أممية التهجير القسري في الضفة، بما فيها القدس الشرقية، وأثارت مخاوف من التطهير العرقي في غزة والضفة. لذلك، لا يمكن مناقشة مستقبل اللاجئين في لبنان بمعزل عن السياسات التي تعرقل عودتهم وتدفع بمزيد من الفلسطينيين بعيدًا عن أرضهم. (un.org)

كذلك، تثير حاجة لبنان إلى وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار خشية من استخدام هذه الحاجات للضغط عليه في ملفات أخرى، ومنها قضية اللاجئين. وهذه مخاطر تستدعي اليقظة والشفافية والرقابة على أي التزامات، من دون تحويل الاحتمالات إلى وقائع محسومة أو افتراض وجود شروط لم تُثبت.

من هنا، تبرز أهمية موقف سلام الذي يجمع رفض فرض حلول على حساب لبنان أو الحقوق الوطنية الفلسطينية، مع تحمل الدولة مسؤوليتها تجاه الأوضاع القانونية والإنسانية والاجتماعية للاجئين. فهذا الموقف يتيح تأسيس سياسة واضحة: حماية لبنان من التوطين المفروض، وحماية الفلسطينيين من التهجير ومن استمرار الحرمان، وصون حقهم في العودة. (pcm.gov.lb)

ويقتضي ذلك التمييز بين الحقوق المدنية والاجتماعية وبين الجنسية والتسويات السياسية لقضية اللاجئين. فالعمل والعلاج والتعليم والحماية الاجتماعية والسكن الكريم لا تعني تلقائيًا التجنيس، ولا تشكل تنازلًا عن حق العودة. كما أن استمرار حرمان الفلسطينيين لا يقربهم من وطنهم؛ بل يفاقم الفقر والهشاشة والاعتماد على المساعدات، ويزيد الأعباء الاجتماعية والأمنية على المخيمات ومحيطها.

وفي الوقت نفسه، لا يكفي الاكتفاء بهذا التمييز القانوني لطمأنة المخاوف اللبنانية. ينبغي أن تترافق الإصلاحات مع ضمانات سياسية واضحة تمنع استخدامها بديلًا عن حل قضية اللاجئين، أو ذريعة لإنهاء المسؤولية الدولية عنها. فتحسين حياة الإنسان حيث يقيم لا يمنح أحدًا حق إغلاق ملف اقتلاعه من أرضه.

لهذا، تكتسب المحافظة على دور الأونروا أهمية خاصة. فتعزيز حضور الدولة وتنظيم مسؤولياتها يجب أن يتكاملا مع استمرار الوكالة في أداء مهامها، ومع التزام المجتمع الدولي بتمويلها. فلا تتحول الحوكمة إلى نقل للأعباء إلى لبنان، ولا يصبح نقص التمويل مبررًا لترك اللاجئين من دون خدمات أو حماية.

أما داخليًا، فإن صدقية المشروع تتطلب مسارًا تشريعيًا واضحًا يعالج القيود على العمل والضمان الاجتماعي والأوضاع السكنية والأوراق الثبوتية. ويجب أن يشمل هذا المسار اللاجئين داخل المخيمات وخارجها، وأن يحدد الإجراءات والجهات المسؤولة والمهل اللازمة، حتى لا تبقى الحقوق وعودًا معلقة.

ويُفترض أن يتقدم هذا المسار بالتوازي مع انتظام الأمن وتطبيق القانون. فالحقوق الأساسية لا تُمنح مكافأة على إنجاز ترتيبات أمنية، كما أن سيادة الدولة ليست موضوع مقايضة. وقد عبّر رئيس لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني رامز دمشقية عن هذا المبدأ بوضوح عند تأكيده أن الحقوق ليست ثمنًا لتسليم السلاح، وأن حصرية السلاح ليست موضع مساومة. (refugeesps.net)

ولكي يصبح حضور الدولة مصدر اطمئنان، ينبغي أن تصاحبه ضمانات عملية: وصول فعلي إلى القضاء، وآليات موثوقة للشكاوى، ومحاسبة على التجاوزات، وحماية لسكان المخيمات وجوارها. فالثقة تنشأ عندما يلمس الناس عدالة المؤسسات واستمرارية عملها، ويعرفون أن حقوقهم لا تتوقف على تدخل مرجعية سياسية أو أمنية.

وتحتاج الحوكمة أيضًا إلى مشاركة فعلية لسكان المخيمات. فلا يكفي التشاور مع المرجعيات الرسمية والفصائلية؛ بل ينبغي إشراك النساء والشباب والجمعيات والفاعلين المستقلين، والاستفادة من خبراتهم في تحديد الحاجات والأولويات. كما يجب توضيح صلاحيات أي هيئة إدارية جديدة، وعلاقتها بالإدارات اللبنانية والبلديات والجهات الفلسطينية والأونروا، وإخضاع قراراتها وموازناتها للمساءلة.

ومن الضروري أن تنتج المشاورات خطة تنفيذ قابلة للمتابعة، تتضمن تمويلًا واضحًا ومؤشرات تقيس التحسن في الأمن والخدمات والحقوق. فالمعيار ليس عدد الاجتماعات أو اكتمال الهياكل الإدارية، بل قدرة السكان على العلاج والعمل والوصول إلى العدالة، وتحسن ظروف الحياة والعلاقة مع المحيط اللبناني.

تتيح مبادرة الحوكمة فرصة لترجمة الموقف الذي أعلنه رئيس الحكومة إلى ممارسة مؤسساتية مستمرة: دولة تبسط سلطتها وتتحمل مسؤولياتها، ولاجئون تُصان كرامتهم وحقوقهم وهويتهم الوطنية، ومجتمع دولي يبقى مسؤولًا عن التزاماته.

حماية لبنان من التوطين، وصون حق الفلسطينيين في العودة، وضمان حياة كريمة لهم إلى حين تحقيقه، أهداف يمكن جمعها في سياسة واحدة. ونجاح هذه السياسة يتطلب مؤسسات عادلة وشفافة وقادرة، تحوّل السيادة إلى حماية، والحقوق إلى واقع، والتمسك بالعودة إلى التزام سياسي لا يُستخدم لتأجيل حياة الناس.


احدث المنشورات
Oct 28, 2026
من يقرر مَن هي "الدولة المتقدمة"؟ - حبيب معلوف
Oct 26, 2026
النشرة الشهرية للشبكة · تشرين الأول/أكتوبر 2026 ما وراء الاستقرار المالي