Jul 27, 2026
إصلاح حوكمة قطاع المياه والحق في المياه في الأردن - د. علي سليم الحموري

حوكمة المياه في الأردن بين الإصلاح التشريعي والسياسات الاقتصادية: نحو ضمان الحق في المياه

د. علي سليم الحموري


يمثل الحق في المياه أحد الحقوق الأساسية التي لا غنى عنها للتمتع بالحق في الحياة والصحة والغذاء والكرامة الإنسانية. وقد اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بهذا الحق في قرارها رقم (64/292)، فيما أكدت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تعليقها العام رقم (15) أن لكل إنسان الحق في الحصول على مياه كافية وآمنة ومقبولة، يسهل الوصول إليها ماديًا واقتصاديًا، ومن دون أي تمييز.

وفي الأردن، تكتسب هذه المبادئ أهمية استثنائية في ظل الندرة المائية المتزايدة، وآثار التغير المناخي، والنمو السكاني، والضغوط المرتبطة باللجوء، مما يجعل إصلاح حوكمة قطاع المياه ضرورة وطنية تتجاوز البعد الفني لتشمل الأبعاد القانونية والاقتصادية والحقوقية.

وقد خلص تقرير «الحق في المياه في الأردن من منظور حقوق الإنسان»، الصادر ضمن سلسلة الراصد العربي 2025 عن شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية (ANND)، إلى أن أزمة المياه في الأردن لا ترتبط فقط بمحدودية الموارد الطبيعية، بل تتأثر أيضًا بتحديات الحوكمة، وكفاءة الإدارة، والإطار التشريعي، وآليات المساءلة.

ويؤكد ذلك أن ضمان الحق في المياه يتطلب إصلاحًا قانونيًا ومؤسسيًا يضع حقوق الإنسان في صميم السياسات العامة، وبما ينسجم مع الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي وإدارتها إدارة مستدامة للجميع.

«نجاح المشروعات المائية لا يُقاس بحجم الاستثمارات أو البنية التحتية وحدهما، بل بقدرة الدولة على بناء منظومة حوكمة رشيدة تقوم على الشفافية والكفاءة والمساءلة والمشاركة المجتمعية.»

المشروعات الاستراتيجية والحوكمة الرشيدة

رغم إطلاق الأردن مشاريع استراتيجية لتعزيز الأمن المائي، وفي مقدمتها مشروع الناقل الوطني لتحلية ونقل المياه، فإن نجاح هذه المشروعات لن يُقاس بحجم الاستثمارات أو البنية التحتية وحدهما، وإنما بقدرة الدولة على بناء منظومة حوكمة رشيدة تقوم على الشفافية، والكفاءة، والمساءلة، والمشاركة المجتمعية.

ويجب أن تحقق هذه المنظومة التوازن بين الأمن المائي، والاستدامة البيئية، والعدالة الاجتماعية.

الحاجة إلى قانون جديد للمياه

في هذا السياق، يبرز إقرار قانون جديد للمياه بوصفه إحدى أولويات الإصلاح الوطني.

فاستمرار العمل بتشريعات يعود معظمها إلى أكثر من ثلاثة عقود لم يعد منسجمًا مع التحولات المؤسسية التي يشهدها القطاع، ولا مع متطلبات إدارة الاستثمارات الكبرى، أو الالتزامات الدولية للأردن في مجال حقوق الإنسان والتنمية المستدامة.

ورغم إعداد مشروع قانون جديد للمياه منذ عام 2020، فإن تأخر إقراره حال دون استكمال إصلاحات تشريعية ومؤسسية أصبحت أكثر إلحاحًا في المرحلة الراهنة.

إصلاح المؤسسات وتوزيع الاختصاصات

تتضمن مسودة القانون إصلاحات مهمة، من أبرزها إعادة تنظيم المؤسسات العاملة في القطاع، ودمج سلطة المياه ضمن وزارة المياه والري، وتعزيز الرقابة على الشركات المشغلة، وتطوير أدوات التنظيم والإشراف، وتشديد العقوبات على الاعتداءات على مصادر المياه.

غير أن نجاح هذه الإصلاحات يظل مرهونًا بإقامة إطار مؤسسي واضح يفصل بين رسم السياسات، والتنظيم، والتشغيل، بما يحد من تضارب الاختصاصات، ويرفع كفاءة الأداء، ويعزز المساءلة.

الكلفة الاقتصادية المتزايدة للأمن المائي

من منظور السياسات الاقتصادية، لا يمكن فصل ضمان الحق في المياه عن الأعباء المالية المتزايدة التي تتحملها المملكة نتيجة الندرة المائية.

فالأردن يعتمد بصورة متزايدة على مصادر مياه غير تقليدية تتطلب التحلية والنقل لمسافات طويلة، وهي خيارات تفرض كلفًا رأسمالية وتشغيلية مرتفعة.

ويعد مشروع الناقل الوطني نموذجًا واضحًا لهذا التحول، إذ تشير التصريحات الرسمية لوزير المياه والري إلى أن الكلفة الإجمالية للمشروع قد تصل إلى نحو 6 مليارات دولار أمريكي، مع مساهمة حكومية تقدر بنحو مليار دولار أمريكي.

كما تشير التصريحات الرسمية إلى أن مديونية قطاع المياه تبلغ حاليًا نحو 5 مليارات دينار أردني، وقد ترتفع مستقبلًا إلى ما يقارب 15 مليار دولار أمريكي بعد تنفيذ مشروع الناقل الوطني إذا استمرت الفجوة بين كلفة إنتاج المياه وتعرفة بيعها للمستهلكين.

وتعكس هذه المؤشرات أن ضمان الحق في المياه لم يعد تحديًا بيئيًا أو هندسيًا فحسب، بل أصبح أيضًا تحديًا ماليًا وتشريعيًا يستوجب سياسات عامة تحقق الاستدامة المالية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قدرة جميع الأفراد، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة، على الوصول إلى المياه دون تمييز.

الإصلاح الاقتصادي وحماية الفئات الأقل دخلًا

ومن ثم، فإن الإصلاح التشريعي ينبغي أن يترافق مع إصلاح اقتصادي وإداري شامل يركز على خفض الفاقد المائي، وتحسين كفاءة التشغيل، وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة.

كما ينبغي تطوير سياسات تسعير تراعي العدالة الاجتماعية، بما يحقق التوازن بين استرداد جزء من الكلفة وحماية الفئات الأقل دخلًا، وبما يضمن عدم تحول الاعتبارات المالية إلى عائق أمام التمتع بالحق في المياه.

الاعتراف القانوني الصريح بالحق في المياه

ينبغي أن ينص قانون المياه الجديد صراحة على الاعتراف بالحق في المياه، وأن يحدد التزامات الدولة بضمان الحد الأدنى من المياه الآمنة والكافية.

كما يجب إعطاء الأولوية لمياه الشرب والاستخدامات المنزلية في حالات الشح والطوارئ، انسجامًا مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

الشفافية والوصول إلى المعلومات

تعد الشفافية عنصرًا محوريًا في تعزيز الحوكمة الرشيدة، من خلال نشر البيانات المتعلقة بالموارد المائية، ونسب الفاقد، وجودة المياه، وكلف المشروعات، والعقود، ومستويات الأداء.

ومن شأن إتاحة هذه المعلومات أن تعزز الرقابة البرلمانية، وتمكّن المجتمع المدني والجامعات ومراكز البحوث ووسائل الإعلام من تقييم السياسات العامة وتعزيز المساءلة.

المشاركة المجتمعية والجهة التنظيمية المستقلة

لا تقل المشاركة المجتمعية أهمية عن الشفافية، إذ يسهم إشراك مؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والأوساط الأكاديمية، والمجتمعات المحلية في إعداد السياسات ومتابعة تنفيذها في تطوير حلول أكثر استدامة وعدالة.

كما تبرز الحاجة إلى إنشاء جهة تنظيمية مستقلة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، تتولى تنظيم القطاع، ومراقبة أداء الشركات المشغلة، وحماية حقوق المستهلكين، والنظر في الشكاوى، بما يعزز الثقة في إدارة هذا المورد الحيوي.

نحو دسترة الحق في المياه

على المدى الأبعد، يستحق موضوع دسترة الحق في المياه نقاشًا وطنيًا جادًا.

فرغم أن الدستور الأردني لا يتضمن نصًا صريحًا بشأن هذا الحق، فإن التطور الذي شهده القانون الدولي لحقوق الإنسان، إلى جانب التحديات المائية المتزايدة، يبرران بحث إدراجه ضمن منظومة الحقوق الدستورية.

ولا تعني دسترة الحق في المياه منح حق مطلق في استخدام الموارد المائية، وإنما تعني إلزام الدولة بضمان حد أدنى من المياه الآمنة والكافية، وإدارة هذا المورد وفق مبادئ العدالة والاستدامة وعدم التمييز، مع توفير آليات فعالة للمساءلة والإنصاف.

إعادة بناء المنظومة القانونية والمؤسسية

إن الأردن لا يحتاج اليوم إلى إدارة أزمة المياه فحسب، بل إلى إعادة بناء المنظومة القانونية والمؤسسية لقطاع المياه بما يواكب تحديات القرن الحادي والعشرين.

فالمشروعات الاستراتيجية الكبرى، مهما بلغت أهميتها، لن تحقق أهدافها بصورة مستدامة من دون إطار قانوني حديث، وحوكمة رشيدة، واستدامة مالية، ومشاركة مجتمعية فعالة.

ومن هنا، فإن الإسراع في إقرار قانون عصري للمياه، وتعزيز الحوكمة المؤسسية، وإنشاء جهة تنظيمية مستقلة، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وربط السياسات المائية بالنهج القائم على حقوق الإنسان وأهداف التنمية المستدامة، تمثل جميعها خطوات أساسية لتعزيز الأمن المائي وتحقيق التنمية المستدامة.

كما تشكل هذه الإصلاحات أساسًا لصون حق الأجيال الحالية والقادمة في الحصول على مياه آمنة وكافية ومستدامة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب وحده، ولا تعكس بالضرورة آراء أو مواقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
احدث المنشورات
Jul 27, 2026
تسليح المياه في سوريا: الصراع والسيادة والأمن المائي - صفوان داؤد
Jul 27, 2026
التحولات الإقليمية والاقتصاد السياسي للتنمية: العدالة الاجتماعية شرط للاستقرار في المنطقة العربية - زياد عبد الصمد