Mar 11, 2026
أفخاخ شديدة الانتظام: عن قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية في ليبيا - غدي كفالة
غدي كفالة
باحثة

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
غدي كفالة

أفخاخ شديدة الانتظام: عن قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية في ليبيا

غدي كفالة

في ليبيا، لا يأتي الخطر دوماً على هيئة شخص يحمل سلاحاً أو ينثر باروداً، أحياناً يأتي الخطر منسق، شديد التنسيق، مكتوب بلغة قانونية نظيفة ولكنها شديدة الاتساخ، لغة مغلفة بوعد الحماية ولكنها استهداف متعمد.

هكذا يبدو قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية: نصٌ لا يرفع صوته، لا يشتم، لا يهدد مباشرة، لكنه يراقب بصمت، ويترك مساحة واسعة للريبة، ويُحسن نصب الأفخاخ بدقة شديدة الانتظام. القانون في جوهره، لا يخيف لأنه صارم، بل لأنه فضفاض، ولأن اللغة التي كُتب بها قادرة على التمدد لتبتلع أي صوت لا يعجبها، وأول هذه الأصوات غالباً هو صوت النساء.

حيث شهدت أوضاع النساء في ليبيا خلال السنوات العشر الأخيرة تدهورًا ملحوظًا من حيث الأمان، وجودة الحياة، وإمكانيات المشاركة العامة. فقد تزامن الانقسام السياسي والهشاشة الأمنية مع تصاعد أشكال الإقصاء غير المعلنة للنساء، خصوصًا داخل المساحات المشتركة، حيث لا تزال النساء يواجهن ضعفًا في الحماية، وتهديدًا مباشرًا أو غير مباشر عند التواجد في الفضاء العام، سواء في ساحات التظاهر، أو النقاشات النسوية المنظمة، أو الأنشطة المدنية المتعلقة بحقوق الانسان ككل.

يتضاعف هذا الواقع عبر لغات تواصل مثقلة بسوء الفهم تجاه النساء، تقوم على قراءات متشددة ومختزِلة للجسد ضمن نطاق فئوي جنسي، و حضور محدود، و صوت نسائي خافت. وغالبًا ما يُنظر إلى مشاركة النساء في النقاش العام بوصفها خروجًا عن “المألوف”، لا باعتبارها حقًا مشروعًا، ما يفتح المجال لتفسيرات متطرفة تُفرغ الفعل المدني والسياسي من مضمونه، وتعيد تأطيره أخلاقيًا أو أمنيًا.

وعند الانتقال إلى الفضاء الرقمي، تصبح القسوة أكثر حدّة، لا سيما أن المواجهة فيه أقل مباشرة، والرادع القانوني أكثر هشاشة. فالمرأة الليبية في الفضاء الرقمي ليست مستخدمة عادية؛ بل تُعامَل بوصفها حالة استثنائية دائمًا , فهي جسد محتمل للفضيحة، رأي قابل للتأويل، وحضور يحتاج إلى تبرير دائم. صورة شخصية قد تُصنَّف كـ(إخلال بالآداب)، ومنشور سياسي قد يُقرأ كـتهديد للسلم الاجتماعي، بل إن محتوى توعوي أو تثقيفي قد يُعاد توصيفه باعتباره تحريضًا.

«هنا، لا يعمل القانون كدرع، بل كمرآة تعكس الخلل الاجتماعي وتضخّمه، وتمنحه غطاءً رسمياً.»

اللغة هي أول فخ في هذا القانون كلمات مثل القيم، الآداب، الأمن، السلم، لا تُعرّف بدقة، لأنها لا تريد أن تُعرّف. تركها عائمة يمنح السلطة مرونة كافية لتكييفها حسب السياق، وحسب الشخص، وحسب درجة الإزعاج التي يمثلها صوته. والنساء المزعجات بالنسبة لهم كثيرات: إما في صورة ناشطات نسويات يطرحن أسئلة غير مريحة، سياسيات يرفضن الاكتفاء بالمقاعد الخلفية، مؤثرات يملكن جمهوراً لا يمكن التحكم فيه، أو صحفيات يكتبن دون اعتذار. كل واحدة منهن تمشي في حقل ألغام رقمي، قابل للإنفجار في أي لحظة.

النسويات، على وجه الخصوص، لا يُنظر إليهن كمدافعات عن حقوق جدية، بل كمصدر تشويش. مشكلتهن ليست في مخالفة القانون، بل في تفكيك المسكوت عنه. عندما تتحدث امرأة عن العنف، عن الجسد، عن السلطة الأبوية، يمكن بسهولة إعادة صياغة خطابها قانونياً ليبدو خطراً، لا لأنها أخطأت، بل لأنها سمّت الأشياء بأسمائها. القانون هنا لا يُستخدم لحمايتها من العنف الرقمي، بل قد يُستخدم لعزلها، إسكاتها، أو حتى قلب الطاولة عليها: من ضحية إلى متهمة، من متعرضة للتشهير إلى متهمة بنشر محتوى (غير لائق).

المؤثرات أيضاً لسن في مأمن. في مجتمع يراقب النساء أكثر مما يراقب المحتوى، تتحول الشهرة الرقمية إلى عبء قانوني. عدد المتابعين لا يعني قوة، بل هشاشة أكبر. كل فيديو قابل للاجتزاء، كل صورة قابلة لإعادة الاستخدام ضد صاحبته، وكل خطأ صغير يمكن تضخيمه ليصبح قضية أخلاقية، ثم قانونية. القانون هنا لا يلاحق الجيوش الإلكترونية ولا حملات الابتزاز، بل ينتظر اللحظة المناسبة ليُستدعى ضد من لا تملك حماية اجتماعية كافية.

لنأتي الآن إلي تحليل معمق في القانون رقم ٥ لسنة ٢٠٢٢ بشأن مكافحة الجرائم الالكترونية في ليبيا- وخاصة فيما يراه الكثيرون أن ”حدة“ الخلل القانوني دوماً ما تكون أضعافاً ضد النساء والمجموعات المهمشة- فالصياغات الفضفاضة التي تتحدث عن “المساس بالقيم” و“الإساءة للسمعة” لا تحارب العنف بقدر ما تفتح بابًا واسعًا لاجتهاد أخلاقي يُمارَس غالبًا على حساب النساء، حيث تتحول الشكوى إلى محاكمة للسلوك، والأدلة الرقمية إلى تفتيش في الهاتف، والسمعة إلى عقوبة تسبق أي حكم.

الغريب أكثر أن القانون يزعم حماية الحقوق الرقمية… لكنه في الواقع يعطي صلاحيات واسعة للسلطة لتقييد حرية التعبير والخصوصية - هذه الصلاحيات الواسعة جعلت من القانون مادة جدل بين الحقوقيين، الذين وصفوه بأنه ليس قانوناً لمحاربة الجريمة الإلكترونية… بل قانون لمحاربة أي رأي لا يحلو لحُكامه. ولأجل ذلك دعت منظمات حقوق الإنسان كالمجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان NCPLHR وصف القانون بأنه ينتهك الحريات الأساسية وحرية الرأي والتعبير، ودعا البرلمان الليبي لمراجعته أو إلغائه كتابته، كذلك منظمات دولية كهيومن رايتس ووتش وأخرى محلية مثل هيكسا كونكيشن, مبادرة أنير الذين اعتبروه قانوناً قمعياً للجميع, فمابالك النساء.

ثم نستطيع أن ننتقل إلى الفصل المفضل لدى الرقابة: الهيئة الوطنية لأمن وسلامة المعلومات الوكالة التي تستطيع مراقبة ونزع، بل وحجب المحتوى الإلكتروني. ولا تحتاج غالباً إلى أكثر من تفسير ذاتي لما يشكل "خطر على الأمن" أو "خرقاً للآداب". والنتيجة؟ ممكن أن تتحول صورة قطتك او منظر طبيعي إلى محتوى مخالف، أو تغريدة تنتقد سياسات الإفراط في قطع الإنترنت تصبح قضية أمن قومي!

فبسبب هذا القانون تم توقيف واحتجاز المغنية الشعبية أحلام اليمني والمدونة وصانعة المحتوى حنين العبدلي في فبراير 2023، في مدينة بنغازي بسبب "قضايا مُخلّة بالشرف والآداب العامة ولمُخالفتهما قانون الجرائم الإلكترونية رقم 5 لسنة 2022 حسب بيان الوزارة الذي لم يُقدم أي تفاصيل عن المحتوى المرفوض.

كما يبرز الخلل الجوهري في هذا القانون عند النظر إلى قائمة الجرائم نفسها، التي تبدو وكأنها كُتبت بمنطق )كل شيء محتمل، وكل شخص مشتبه به( فالقانون يجرّم الوصول غير المصرح به إلى أي نظام حاسوب، دون تمييز بين اختراق متعمد وخطأ تقني عابر، ويُدرج “التلاعب بالبيانات” كمخالفة جسيمة دون أن يكلّف نفسه عناء تعريف ما هو التلاعب أصلاً، وكأن النية تُستنتج تلقائياً من الاستخدام.

الأخطر من ذلك هو تجريم (الطعن في النظم) و(نشر بيانات تهدد الأمن العام) وهي عبارات مطاطة قادرة على احتواء أي رأي، أو نقد، أو حتى تساؤل بريء، لتتحول الكتابة على الإنترنت إلى مخاطرة قانونية لا علاقة لها بالجريمة بقدر ما لها بالتأويل. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالتشهير، النقد، أو التفكير الحر إذا كُتب رقمياً يمكن أن يُعاد تصنيفه كتهديد، بل إن استخدام أدوات التشفير التي تُعد في العالم وسيلة حماية أساسية للخصوصية قد تصبح جريمة بحد ذاتها إذا لم يكن مرخّصاً.

وبهذا، لا يميز القانون بين مرتكب جريمة إلكترونية فعلية و بين مستخدم يحاول التعبير عن رأيه أو حماية نفسه، بل يضع الجميع في خانة واحدة، ويُثقلها بعقوبات سالبة للحرية وغرامات قاسية. وكأن الرسالة الضمنية واضحة: سنحارب الجرائم الإلكترونية، لكن أول من يتأثرون هم من يستخدمون أصواتهم الرقمية بوعي وجرأة وخاصة النساء الناشطات والصحفيات والمدونات، اللواتي يواجهن مخاطر إضافية تتعلق بالملاحقة والتحرش الرقمي، بل وحتى التشهير، لمجرد التعبير أو نشر المعلومات. إن القانون بهذا الشكل لا يحمي المجتمع الرقمي، بل يزيد من عزلة النساء ويُثنيهن عن المشاركة أو كشف الانتهاكات، مما يضع حرية التعبير والمساءلة الاجتماعية في خطر حقيقي.

احدث المنشورات
Mar 10, 2026
ليست معركة على اللغة فحسب - منار زعيتر
Mar 10, 2026
بين الذاكرة النضالية وأسئلة اللحظة الراهنة - بشرى بلحاج حميدة