استعادة التعددية ركيزة لتعزيز الحقوق والعدالة والمساءلة
في اجتماع القادة السياسيين، والجهات الفاعلة في القطاع الخاص، والمؤسسات الدولية الذي عقد مجدداً في دافوس تحت مظلة المنتدى الاقتصادي العالمي، تمحور النقاش حول كيفية التعامل مع نظام عالمي مجزأ، وصعود الذكاء الاصطناعي وتأثيره الاقتصادي، والنمو الاقتصادي العالمي والحمائية، والاستدامة وتغير المناخ، وأمن الطاقة والغذاء، وذلك تحت شعار "روح الحوار". إذ يقدّم اجتماع دافوس نفسه بوصفه مساحة للحوار وبناء الشراكات وطرح الحلول. إلا أنّه، من منظور المجتمع المدني، بات يعكس على نحو متزايد حدود الحوكمة العالمية التي تقودها النخب.
هذا ليس تعددية حقيقية: إذ يرفع هذا المنتدى من شأن الفاعلين في القطاع الخاص ويمنحهم أدواراً في صنع القرار إلى جانب الدول، من دون القواعد أو آليات المساءلة أو الشرعية التي تُعرّف الحوكمة التعددية الحقيقية، فيما يتم تهميش أصوات المجتمعات المتأثرة بالأزمات، وتُعطى الأولوية للالتزامات الطوعية والشراكات والتعهدات الرمزية على حساب التعهدات الملزمة، ما يخلق دينامية تُدار فيها التحديات العالمية خطابياً بدلاً من حلها بشكل جوهري.
في المقابل، تواصل الأمم المتحدة تشغيل آلياتها الرسمية للمساءلة المتعددة الأطراف. فقد خضع لبنان مؤخراً للاستعراض الدوري الشامل الرابع أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وأسفر ذلك عن مجموعة واسعة من التوصيات المقدمة من الدول الأعضاء، بما في ذلك شركاء ومانحون أساسيون، تناولت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والحوكمة، والحماية الاجتماعية، والحيز المدني. وضمن التحضيرات لهذا الاستعراض، تعاونت شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية (ANND) مع 74 منظمة شريكة من منظمات المجتمع المدني في لبنان إعداد تقرير المجتمع المدني لعام 2025. ونظّموا معاً فعالية جانبية في قصر الأمم في 19 كانون الثاني/يناير لتأكيد توصياتهم ورسائلهم الأساسية.
خلال الاستعراض الرسمي، أعادت الحكومة اللبنانية تأكيد استعدادها للانخراط ومتابعة الإصلاحات. إلا أنّ التحدي الجوهري، كما في الدورات السابقة للاستعراض الدوري للبنان، لا يزال يتمثل في التنفيذ. فحالة الشلل السياسي، واتخاذ القرارات خارج المؤسسات الرسمية، وترسخ تركّز السلطة، كلها عوامل لا تزال تعيق تحويل الالتزامات إلى تغييرات فعلية وملموسة في حياة المواطنين.
تُبرز هذه الديناميات المتوازية—الحوار الذي تقوده النخب في دافوس، والاستعراض الرسمي المتعدد الأطراف من خلال الاستعراض الدوري الشامل—تحدياً أوسع نطاقاً يواجه الحوكمة العالمية. فغالباً ما تُشكل النخب الخطاب وتحدد الأجندات من دون مساءلة حقيقية. أما الآليات الرسمية، فتنتج توصيات ومعايير تبقى من دون التنسيق والمتابعة والإرادة السياسية اللازمة لإحداث تغيير فعلي، مجرد طموحات غير مُنجزة. والنتيجة فجوة مستمرة بين الالتزامات العالمية والوقائع الوطنية، وهي فجوة تقوّض مصداقية التعددية نفسها.
لكي تستعيد التعددية شرعيتها، لا بد من استعادتها كنظام قائم على المساءلة، والشمولية، والفعالية. ويتعيّن عليها مواءمة الحوكمة الاقتصادية العالمية مع الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان، والاعتراف بدور المجتمع المدني كفاعل مركزي لا كمشارك هامشي، وضمان ترجمة الالتزامات السياسية إلى نتائج ملموسة. كما تُعدّ المساءلة المتبادلة بين الدول والمؤسسات والجهات الفاعلة النافذة أمراً أساسياً لضمان ألّا تتحمّل أي دولة أو فئة سكانية وحدها كلفة الإخفاقات المنهجية.
غير أنّ المشاركة المجدية تقتضي عدم تهميش هذه الأصوات. إن استعادة التعددية تعني إصلاح كلٍّ من الفضاءات التي تُتخذ فيها القرارات والآليات التي تُنفَّذ من خلالها الالتزامات، بما يضمن الشفافية والاتساق وتقاسم المسؤولية. وبالنسبة إلى شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية وشركائها، فإن المسار إلى الأمام واضح: التعددية ضرورة لا غنى عنها—لكن يجب إعادة تركزها على العدالة وحقوق الإنسان والمساءلة.
تشمل هذا النشرة الإخبارية تأملات حول النقاشات التي دارت في دافوس، وحول التعددية، والاستعراض الدوري الشامل للبنان. وتركز بشكل خاص على الفرص والقيود التي تنطوي عليها هذه المسارات، وعلى المطالبة بنظام تعددي يخدم الناس حقاً، لا النخب وحدها.